في يوم الأربعاء الموافق 16 تموز – يوليو 2008, بعد سنتين من الانتظار للحصول على أي إشارة حياة من الجنديين الإسرائيليين المخطوفين, إيهود غولدفاسير وإيلداد ريغيف, أعيدت جثتاهما إلى إسرائيل, إضافة إلى أشلاء جثث جنود إسرائيليين كانوا قد استشهدوا خلال الحرب اللبنانية الثانية.
وكخطوة تمهيدية, سلم حزب الله تقريرًا عن مصير ملاح الجو الاسرائيلي المفقود رون أراد الذي تم أسره في لبنان 16 تشرين الأول – أكتوبر 1986. غير أن هذا لتقرير كان منحرفًا وكان يهدف إلى تبرئة ساحة حزب الله وإيران في قضية اختفاء آثار رون أراد ورفع أي مسؤولية عنهما. عليه, قررت الحكومة الإسرائيلية رفض نتائج هذا التقرير واعتبار حزب الله وإيران مسؤوليتين عن مصيره.
ومن جهتها, أعادت إسرائيل إلى لبنان الإرهابي سمير القنطار وأربعة إرهابيين لبنانيين آخرين, وكذلك جثث عشرات من المتسللين والإرهابيين. كذلك سلمت إسرائيل إلى السكرتير العام للأمم المتحدة تقريرًا عن الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين اختفت آثارهم.
وقررت إسرائيل التوصل إلى هذه الصفقة رغم سلبياتها علمًا بأن رفض الصفقة كان سيؤدي إلى تأجيلات إضافية وتمديد فترة العذاب التي تعاني منه عائلتا الجنديين.
ومن واجب إسرائيل, كأمة وكشعب, أن تحمي الشباب الذين يخاطرون بحياتهم في سبيل الدفاع عن مواطنيها. إن كل جندي إسرائيلي يعلم أن دولته ستعمل كل ما بقدرتها لإعادته إذا سقط في أيدي العدو. وهذا هو تعبير آخر عن التقدير العميق الذي تكنه إسرائيل للحياة الإنسانية والاحترام للذين استشهدوا. فإن هذا المبدأ ينبع من القيم الأخلاقية التي تتمسك بها إسرائيل وكذلك من الأخلاقيات اليهودية.
ليس من الممكن المقارنة بين جنود يحرسون الحدود بهدف الدفاع عن المدنيين وبين إرهابيين يتسللون عبر الحدود لقتلهم. لقد خدم إيهود غولدفاسير وإيلداد ريغف كجنديي احتياط في جيش الدفاع الإسرائيلي, وقاما صباح يوم الاختطاف بأعمال الدورية الروتينية على امتداد السياج الحدودي, عندما اختطفا على أيدي حزب الله في 12 تموز – يوليو 2006 من أراض تخضع للسيادة الإسرائيلية.
ومن الناحية الأخرى, إن أشهر الإرهابيين الخمسة الذين أطلق سراحهم في إطار صفقة التبادل هو المخرب السفاح سمير القنطار وهو قاتل شنيع, ارتكب إحدى العمليات الإرهابية الأكثر بشاعة التي تم ارتكابها في إسرائيل. وقد كان القنطار يقود خلية تخريبية من أربعة إرهابيين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة أبو العباس تسللت إلى إسرائيل, عن طريق البحر, في 22 نيسان – إبريل 1979. وفي منتصف الليل, بعد قتل شرطي إسرائيلي, اخترق الارهابيون منزل عائلة هاران في مدينة نهاريا واختطفوا داني وبنته عينات التي كانت في الرابعة من عمرها. ثم قادوا بهما إلى شاطئ البحر حيث قتل القنطار داني بإطلاق النار من مدى قصير وبنته المفزعة تشاهد ما يجري. ثم ذبح القنطار الطفلة عينات بدم بارد محطمًا رأسها بصخرة بواسطة أخمص بندقيته. وخلال تبادل إطلاق النار الذي حدث بعد ذلك قتل شرطي إسرائيلي آخر. وفي نفس الوقت, اختبأت سمادار, زوجة داني, في الخزانة بمنزلهم مع بنتها ياعيل, التي بلغت 2 من عمرها. وبشكل مأساوي, توفيت الطفلة خنقا عندما حاولت أمها إسكات بكائها لمنع اكتشافهما على أيدي الإرهابيين.
ومما يثير الاشمئزاز ويجب شجبه من الناحية الأخلاقية أن حزب الله يرحب بقاتل أطفال حقيرًا كأنه بطل. فيمكن إصدار الحكم على منظمة, مثلها مثل مجتمع, من خلال من اخترتهم أبطالاً لها وقدوة لشبانها. ويعبد حزب الله, وهو منظمة إسلامية متطرفة, الموت والدمار, اللذين يلائمان هدفه وهو إبادة إسرائيل.
إن حزب الله لا يشكل خطرًا على إسرائيل فحسب, بل يشكل أيضًا عقبة في مسيرة السلام وتهديدًا على استقرار لبنان. إذ يهدف حزب الله, وهو منظمة إرهابية تعمل تحت رعاية إيرانية, إلى إبادة إسرائيل من خلال العنف والإرهاب. وترفض إيديولوجيته المتطرفة أي نوع من محادثات السلام وتهدد أمن العناصر العربية الواقعية التي تسعى إلى إيجاد تسوية مع إسرائيل من خلال المفاوضات. بينما يعمل حزب الله من لبنان ويدعي بأنه يمثل المصالح اللبنانية, ففي الوقت نفسه يتجاهل طموحات السكان اللبنانيين. ومن الجدير بالذكر أن عملية اختطاف الجنديين الإسرائيليين ريغيف وغولدفاسير التي ارتكبت دون أي تحرش أو استفزاز اسرائيلي, إضافة إلى قصف مدفعي متزامن استهدف التجمعات السكنية في شمالي إسرائيل, كانا السبب في شبوب الحرب اللبنانية الثانية والتي ألحقت أضرارًا بملايين المدنيين الإسرائيليين واللبنانيين.
إن حزب الله يستمر في تحدي المجتمع الدولي. إنه يستمر بتهريب الأسلحة والذخيرة إلى لبنان, وإعادة بناء ترسانة الصواريخ الخاصة به. وذلك يشكل خرقًا سافرًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. إن حزب الله يقوم بتدريب الإرهابيين ونشرهم ليس في المناطق المتاخمة لإسرائيل فقط, ولكنه أيضا في الأراضي اللبنانية, ويهدد قوات الأمن اللبنانية وقوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. فيجب على المجتمع الدولي أن يقوم بإزالة هذا التهديد الذي يهدد المدنيين في إسرائيل ولبنان على حد سواء.
من الجدير بالذكر أن الصفقة التي تم عقدها لإعادة جنديي جيش الدفاع الإسرائيلي لا تضفي أي شرعية على حزب الله. ولا يجوز تفسير القرار الإسرائيلي بإعادة الجنديين بأن هناك أي تغيير على السياسة الإسرائيلية بالنسبة لهذه المنظمة الإرهابية العاملة تحت الرعاية الإيرانية. ويجب على المجتمع الدولي أن يعترف بالخطر الذي يشكله حزب الله ومجموعاته المتطرفة على الاستقرار في الشرق الأوسط, ويجب عليه أن يضاعف دعمه للعناصر البراغماتية في المنطقة, والتي تسعى للتوصل إلى السلام من خلال الحوار والمساومة.