تحتفي كنيست إسرائيل اليوم بمناسبة مرور 60 سنة على قرار الأمم المتحدة الذي اتخذ في يوم 29 تشرين ثان/نوفمبر 1947, وحدد مبدأ تقسيم البلاد إلى دولتين – الأولى يهودية والثانية عربية.
رئيسة الكنيست, وعلى غرار عادتها, حولت هذا اليوم الى معلم يشرف الكنيست ويشرف دولة إسرائيل.
حتى لو تحدثنا اليوم عن قرار الأمم المتحدة, وعن أهميته كمبدأ لا شك فيه, بودي قول ما يلي:
ليس بموجب قرار الأمم المتحدة نشأت العلاقة الوطيدة التي امتدت على طول آلاف السنين بين الشعب اليهودي وبين أرض إسرائيل, وليس بسبب قرار الأمم المتحدة صلى الشعب اليهودي على مر آلاف السنين, ووجهته الى أورشليم القدس, من أجل أن يعود الى أرض إسرائيل, ويبني فيها مركز حياته الوطني, ولا بقوة قرار الأمم المتحدة نشأت الحركة الصهيونية, ولا بموجب قرار الأمم المتحدة قدم جدي وجداتي الى أرض إسرائيل في عام 1925.
كل هذه مجتمعة هي المصدر الحقيقي لشرعية حياتنا هنا, ولسنا في حاجة الى قرارات الأمم المتحدة من أجل ضمان إيماننا وثقتنا في حقنا.
ومع ذلك, في عصر أصبح العالم فيه قرية عالمية, عصر يضطر فيه شطر من العالم يشارك إسرائيل قيم الديمقراطية والمساواة الى الدفاع عن قيمه هذه بوجه الشطر الآخر المؤلف من متطرفين يحاولون استغلال هذه القيم من أجل محوها, عصر لم ينتهِ فيه بعد الصراع القومي بين إسرائيل والفلسطينيين, عصر يشهد عملية بطيئة من التراجع في تفهم وقبول دولة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي, في عصر كهذا, نحن في حاجة الى قرار الأمم المتحدة بغية تثبيت ما كان وبقي المبدأ الصحيح من أجل حل هذا الصراع.
نحن نطالب العالم بحقوقنا. ليس فقط حقنا بأن نعيش كيهود في أرض إسرائيل, وليس فقط حق إسرائيل بالوجود بالمفهوم الفعلي, وإنما نطالب بممارسة حقنا الكامل كما تحدد في عام 1947 – أن نعيش كدولة يهودية توفر ردا وحلا قوميا لأبناء الشعب اليهودي حيثما تواجدوا.
وفي نفس الوقت لن نمنع الفلسطينيين من حق تقرير مصيرهم, في دولة خاصة بهم, طالما لا تشكل هذه الدولة تهديدا على حق إسرائيل بالعيش كوطن قومي للشعب اليهودي, وتشكل إقامتها الرد الكامل, التام والوحيد على مطالب الفلسطينيين الوطنية, إذ أن شرعية مطلب الدولة الفلسطينية تستند إلى مطلب الرد على تطلعاتهم الوطنية الجماعية.
إننا نطلب من أمم العالم اليوم أن تتمسك بهذا المبدأ للحل.
وبشكل خاص, نحن نعود ونتوجه إلى العالم العربي الذي لم يقبل بقرار 29 تشرين ثان/ نوفمبر في حينه.
ومثلما قلت هذه الأمور لزعماء العالم العربي خلال الأسبوع الماضي في أنابوليس, سوف أعود وأكررها اليوم في هذه المناسبة الخاصة, من أجل العودة والتوجه إليهم من فوق منبر كنيست إسرائيل وليس من خلال حدث مقلص فقط:
في مثل هذا الأسبوع قبل 60 سنة, اتخذت جمعية الأمم المتحدة قرارا يقضي بتقسيم البلاد الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الأردن, المكان الذي نعتبره أرض إسرائيل, فيما يعتبره آخرون أرض فلسطين.
هذه البلاد التي وُلِدتُ فيها, قطنها آبائي وأجدادي على امتداد آلاف السنين. بلاد تلهف الشعب اليهودي على العودة إليها وهو في المهجر والشتات, حين صلى ووجهته أورشليم القدس, وإليها تواصلت عودته طوال مئات السنين - في هذه البلاد, ولد زملائي الفلسطينيون أيضا.
لم آتِ اليوم للجدال حول الحقوق. ولم آت لأجادل بشأن من هو المحق أكثر. بل جئت اليوم لكي أقول لزملائي من العالم العربي , إن الأمر الصحيح الواجب عمله هو التخلي عن الإحساس بالأحقية او عن الايمان بالحق. لا أنوي أن أطلب ذلك من شعب آخر مثلما لا أفعل ذلك من نفسي – وأنا أؤمن بحق الشعب اليهودي على كل هذه البلاد. هذا هو الأوان للتفكير في حق آخر, حق أولادنا في أن يعيشوا بسلام واحترام متبادل بموجب القيم التي أؤمن بأنها قيم جميع شعوب المنطقة, ويقينا قيم جميع الأديان.
صحيح أنه يوجد بيننا صراع قومي يتمثل حله العادل بالتعبيرعن التطلعات الوطنية لكل واحد من الشعبين من خلال دولة خاصة به. هذا هو ذات المبدأ الذي تحدد قبل 60 سنة في أعقاب سنوات طوال من أعمال العنف الدامية بين سكان هذه البلاد – مبدأ قيام دولتين للشعبين: الأولى – دولة يهودية, كما نصت على ذلك قرارات الأمم المتحدة, والثانية – دولة عربية.
نعم سيداتي سادتي, إن قرار إقامة دولة إسرائيل إلى جانب دولة عربية, جاء بهدف إعطاء رد على صراع الماضي, ولم يكن هذا القرار هو الذي خلق الصراع الحالي. هذا القرار لم يحدد من المحق أكثر, وإنما حدد ماهية الطريق إلى العيش بسلام بين الشعبين.
في إسرائيل وقبل إقامتها أيضا, قبل الجمهور اليهودي بمبدأ تقسيم البلاد. وقد قررنا آنذاك ألا نحسم مسألة الحق على البلاد, وكذلك مسألة العدل التأريخي. وما قررناه كان أن نشرع بحياة جديدة, في دولة جديدة – ولو على جزء من أراضي هذه البلاد , وأضيف هنا في الكنيست – مع وجود خلافات داخلية في غاية الصعوبة.
إن هذا الاختيار, الذي قوبل بالرفض في الماضي من قبل العالم العربي, ما زال اختيارا يمكن للعالم العربي عامة والفلسطينيين بشكل خاص القيام به.
في اليوم الذي قامت به دولة إسرائيل, المصادف- 14.05.1948, عيد استقلالنا, اليوم الذي تطلقون عليه أيها الزملاء العرب, "يوم النكبة" - حددت إسرائيل قرارها في وثيقة استقلالها والقائل:
"نحن نمد يد السلام وحسن الجوار إلى جميع الدول المجاورة وشعوبها وندعوها إلى التعاون والمساعدة المتبادلة...". إن يدنا تبقى ممدودة للسلام إلى كل العالم العربي والإسلامي بدون استثناء.
وهنا في الكنيست, أضيف الدعوة الموازية في وثيقة الاستقلال والتي تنص على ما يلي :" إننا ندعو أبناء الشعب العربي سكان دولة إسرائيل أن يسهموا بنصيبهم في بناء الدولة, على أساس المواطنة الكاملة والمتساوية وعلى أساس التمثيل الملائم في المؤسسات السلطوية".
إذ لا تناقض, سادتي أعضاء الكنيست الكرام, بين كون إسرائيل وطنا قوميا للشعب اليهودي وبين كونها دولة ديمقراطية, ومن يحاول خلق صدام بين قيمها هذه, فإنه يسعى إلى ضعضعة المبادىء الأساسية التي تقوم عليها دولة إسرائيل.
هذا ما واصلت قوله لممثلي العالم العربي, وهذا ما سأعود وأقوله لهم اليوم أيضا -
أنا فخورة بما تحتله إسرائيل من مكانة اليوم. وأنا آسفة على رفض العالم العربي لمبدأ التقسيم في الماضي, وآمل وأصلي من أجل أن يدرك الطرفان اليوم إن الأمر الصحيح فعله هو - بدل الحرب- بناء مستقبل مشترك في دولتين منفصلتين. الأولى - دولة إسرائيل - التي أقيمت كدولة يهودية, وطن قومي للشعب اليهودي, والثانية – فلسطين – التي ستقوم لتوفير حل وطني تام وكامل لأبناء الشعب الفلسطيني حيثما تواجدوا. لجميع الذين يعيشون في قطاع غزة والضفة الغربية, ولجميع أؤلئك الذين يتواجدون في مخيمات اللاجئين في دول عربية أخرى بشكل مؤقت, وينتظرون تحقيق إحساسهم بأن لديهم دولة وطنية - وهو نفس الإحساس بتحقيق الذات الذي منحته دولة إسرائيل مع إقامتها لجميع اللاجئين اليهود الذين اضطروا إلى مغادرة الدول العربية وأوروبا وأصبحوا شركاء في بناء إسرائيل.
أؤمن بأن حل دولتين قوميتين هو حل يخدم مصلحة كلا الطرفين. إذ ليس كل فرح عندنا هو حزن لدى الطرف الآخر والعكس بالعكس. ولزملائي الفلسطينيين أقول: لا تبكوا قيام دولة إسرائيل, إعملوا على إقامة دولتكم, إفرحوا بإقامتها وسوف نفرح معكم, ومن ناحيتنا, فإن إقامة الدولة الفلسطينية ليست نكبتنا- شريطة أن تؤدي إقامتها إلى محو كلمة نكبة من معجم مصطلحات العالم العربي فيما يتعلق بإسرائيل.
إن المعرفة بوجود حل للصراع ليست كافية – والتوصل إلى الحل منوط بنا قبل كل شيء –بكلا الطرفين, وبقدرتنا على إجراء مفاوضات, وتناول جميع القضايا الشديدة الحساسية وتوفير الردود عليها على أساس فهم الطرفين, بأنه لا يمكن لأي طرف الحصول على جميع تطلعاته وأمانيه, وبأنه لا بد من تقديم التنازلات من قبل كلا الطرفين.
الحل يتوقف ايضا على قدرة القيادات على مواجهة المتطرفين والإرهاب, والحديث هنا ليس فقط عن قيادات طرفي الصراع المباشرين. هذا هو الدور المركزي لقيادة العالم كله وبخاصة قيادة العالمين العربي والإسلامي.
إلى جانب حقيقة اجتماعنا هنا من أجل تدشين مسيرة السلام – لا نستطيع أن نغض الطرف ونتجاهل الواقع من حولنا. إن قطاع غزة – الذي من شأنه أن يكون جزءا من الدولة الفلسطينية, يخضع لسيطرة منظمة إرهابية, والسلاح يواصل تدفقه إلى داخل القطاع; منظمة حزب الله – ذراع إيران الطويلة - تحول دون الاستقرار في لبنان وتواصل التسلح على الرغم من قرارات الأمم المتحدة; إيران تهدد المنطقة بأسرها; وجهات متطرفة لديكم في أوطانكم يتم التحكم بنشاطاتها من الخارج من قبل منظمات راديكالية.
هذا هو زمن الحسم. كل واحد مطالَب بأن يقرر في أي المعسكرات يتواجد, وقد تغيرت المعسكرات ايها السادة. فالمعسكرات لم تعد إسرائيل من جهة والفلسطينيين من الجهة الأخرى. كما لم تعد العرب من جهة, واليهود من الجهة الأخرى.
ففي نفس المعسكر يتواجد كل من وصل إلى لقاء أنابوليس, أنتم تعلمون من لم يصل إلى هناك – أؤلئك الذين عملوا ويعملون ضد مجرد عقد اللقاء. إن الدول التي لم تأت إلى أنابوليس, هي الدول التي تؤيد المنظمات الإرهابية والجهات الراديكالية في العالمين الغربي والعربي. أؤلئك الذين يريدون خلق عدم الاستقرار في المنطقة. المنظمات والزعماء الذين يستخدمون اسم الجلالة بهدف زرع الحقد الكراهية, وارسال الأطفال إلى الموت. وهو نفس صاحب العزة والجلالة الذي نعتبره جميعا رب الرحمة والسلام.
هذه هي المعركة التي لا بد من حسمها.
لقد دفعنا ثمنا باهظا خلال سنوات الصراع. عائلات فقدت أعزاءها, وليس بمقدورنا أن نشفي ألم أم ثكلى. ليس بمقدورنا أن نعيد عجلة التأريخ الى الوراء, أن نعيد موتانا الى الحياة, أن نشفى جروح المعاقين ونعيد الأشخاص إلى بيوتهم. لا نستطيع تغيير قرارات قد اتخذناها. لا جدوى من الندم على قرارات أمكننا اتخاذها في حينه وتلكأنا في اتخاذها. بيد أنه يمكننا اتخاذ قرارات سوف تؤثر على المستقبل, والرحلة إلى السلام في المنطقة تبدأ الان من جديد, والهدف هو ذات الهدف المبدئي الذي تحدد قبل 60 سنة, في 29 تشرين ثان/نوفمبر.