
المشاركون في مؤتمر أنابوليس وبضمنهم الممثل السوري يستمعون لكلمة وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني. التصوير: شاحار عزران
سيدتي وزيرة الخارجية الأمريكية, السيدة كوندوليزا رايس, سيدي أبو العلاء, أيها الزملاء الأعزاء, وبخاصة أنتم ممثلي العالم العربي في هذه القاعة, سيداتي وسادتي.
في مثل هذا الأسبوغ قبل 60 سنة, اتخذت جمعية الأمم المتحدة قرارا يقضي بتقسيم البلاد الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الأردن, المكان الذي نعتبره أرض إسرائيل, فيما يعتبره آخرون أرض فلسطين.
هذه البلاد التي وُلِدتُ فيها, قطنها آبائي وأجدادي على امتداد آلاف السنين. بلاد تلهف الشعب اليهودي على العودة إليها وهو في المهجر والشتات, حين صلى ووجهته أورشليم القدس, وإليها تواصلت عودته طوال مئات السنين - في هذه البلاد, ولد زملائي الفلسطينيون أيضا.
لم آتِ اليوم للجدال حول الحقوق. ولم آت لأجادل بشأن من هو المحق أكثر. بل جئت اليوم لكي أقول لزملائي من العالم العربي , إن الأمر الصحيح الواجب عمله هو التخلي عن الإحساس بالأحقية او عن الايمان بالحق. لا أنوي أن أطلب ذلك من شعب آخر مثلما لا أفعل ذلك من نفسي – وأنا أؤمن بحق الشعب اليهودي على كل هذه البلاد. هذا هو الأوان للتفكير في حق آخر, حق أولادنا في أن يعيشوا بسلام واحترام متبادل بموجب القيم التي أؤمن بأنها قيم جميع شعوب المنطقة, ويقينا قيم جميع الأديان – ومشاركتكم عظيمة الأهمية هنا, على الرغم من عدم سهولة الأمر بالنسبة لبعضكم, هي أكبر دليل ودلالة على ذلك, وتغرس الأمل في نفسي بالنسبة للمستقبل.
صحيح أنه يوجد بيننا صراع يتمثل حله العادل بالتعبيرعن التطلعات الوطنية لكل واحد من الشعبين من خلال دولة خاصة به. هذا هو ذات المبدأ الذي تحدد قبل 60 سنة في أعقاب سنوات طوال من أعمال العنف الدامية بين سكان هذه البلاد –قيام دولتين للشعبين: الأولى – دولة يهودية, كما نصت على ذلك قرارات الأمم المتحدة, والثانية – دولة عربية.
نعم سيداتي سادتي, إن قرار إقامة دولة إسرائيل إلى جانب دولة عربية, جاء بهدف إعطاء رد على صراع الماضي, ولم يكن هذا القرار هو الذي خلق الصراع الحالي. هذا القرار لم يحدد من المحق أكثر, وإنما حدد ماهية الطريق الى العيش بسلام بين الشعبين.
في إسرائيل وقبل إقامتها أيضا, قبل الجمهور اليهودي بمبدأ تقسيم البلاد. وقد قررنا آنذاك ألا نحسم مسألة الحق على البلاد, وكذلك مسألة العدل التأريخي. وما قررناه كان أن نشرع بحياة جديدة, في دولة جديدة – ولو على جزء من أراضي هذه البلاد.
إن هذا الاختيار, الذي قوبل بالرفض في الماضي من قبل العالم العربي, ما زال اختيارا يمكن للعالم العربي عامة والفلسطينيين بشكل خاص القيام به.
في اليوم الذي قامت به دولة إسرائيل, المصادف- 14.05.1948, عيد استقلالنا, اليوم الذي تطلقون عليه أيها الزملاء العرب, "يوم النكبة" - حددت إسرائيل قرارها في وثيقة استقلالها والقائل:
"نحن نمد يد السلام وحسن الجوار إلى جميع الدول المجاورة وشعوبها وندعوها إلى التعاون والمساعدة المتبادلة...".
إن يدنا تبقى ممدودة للسلام إلى كل العالم العربي والإسلامي بدون استثناء, بما في ذلك الفلسطينيين, لبنان, سوريا, السعودية, عمان, البحرين, المغرب واندونيسيا.
أنا فخورة بما تحتله إسرائيل من مكانة اليوم. وأنا آسفة على رفض العالم العربي لمبدأ التقسيم في الماضي, وآمل وأصلي من أجل أن يدرك الطرفان اليوم إن الأمر الصحيح فعله هو - بدل الحرب- بناء مستقبل مشترك في دولتين منفصلتين. الأولى - دولة إسرائيل - التي أقيمت كدولة يهودية, وطن قومي للشعب اليهودي, والثانية – فلسطين – التي ستقوم لتوفير حل وطني تام وكامل لأبناء الشعب الفلسطيني حيثما تواجدوا. جميع الذين يعيشون في قطاع غزة والضفة الغربية, وأؤلئك الذين يتواجدون في مخيمات اللاجئين في دول عربية أخرى بشكل مؤقت, وينتظرون تحقيق إحساسهم بأن لديهم دولة وطنية - وهو نفس الإحساس بتحقيق الذات الذي منحته دولة إسرائيل مع إقامتها لجميع اللاجئين اليهود الذين اضطروا إلى مغادرة الدول العربية وأوروبا وأصبحوا شركاء في بناء إسرائيل.
أؤمن بأن حل دولتين قوميتين هو حل يخدم مصلحة كلا الطرفين. إذ ليس كل فرح عندنا هو حزن لدى الطرف الآخر والعكس بالعكس. ولزملائي الفلسطينيين أقول: لا تبكوا قيام دولة إسرائيل, إعملوا على إقامة دولتكم, إفرحوا بإقامتها وسوف نفرح معكم, ومن ناحيتنا, فإن إقامة الدولة الفلسطينية ليست نكبتنا- شريطة أن تؤدي إقامتها إلى محو كلمة نكبة من معجم مصطلحات العالم العربي فيما يتعلق بإسرائيل.
إن المعرفة بوجود حل للصراع ليست كافية – والتوصل إلى الحل منوط بنا قبل كل شيء –بكلا الطرفين, وبقدرتنا على إجراء مفاوضات, وتناول جميع القضايا الشديدة الحساسية وتوفير الردود عليها على أساس فهم الطرفين, بأنه لا يمكن لأي طرف الحصول على جميع تطلعاته وأمانيه, وبأنه لا بد من تقديم التنازلات من قبل كلا الطرفين.
الحل يتوقف ايضا على قدرة القيادات على مواجهة المتطرفين والإرهاب, والحديث هنا ليس فقط عن قيادات طرفي الصراع المباشرين. هذا هو الدور المركزي لقيادة العالم كله وبخاصة قيادة العالمين العربي والإسلامي.
إلى جانب حقيقة اجتماعنا هنا من أجل تدشين مسيرة السلام – لا نستطيع أن نغض الطرف ونتجاهل الواقع من حولنا. إن قطاع غزة – الذي من شأنه أن يكون جزءا من الدولة الفلسطينية, يخضع لسيطرة منظمة إرهابية, والسلاح يواصل تدفقه إلى داخل القطاع; منظمة حزب الله – ذراع إيران الطويلة - تحول دون الاستقرار في لبنان وتواصل التسلح على الرغم من قرارات الأمم المتحدة; إيران تهدد المنطقة بأسرها; وجهات متطرفة لديكم في أوطانكم يتم التحكم بنشاطاتها من الخارج من قبل منظمات راديكالية.
هذا هو زمن الحسم. كل واحد مطالَب بأن يقرر في أي المعسكرات يتواجد, وقد تغيرت المعسكرات ايها السادة. فالمعسكرات لم تعد إسرائيل من جهة والفلسطينيين من الجهة الأخرى. كما لم تعد العرب من جهة, واليهود من الجهة الأخرى.
ففي نفس المعسكر يتواجد كل من يجلس في هذه القاعة, من يهود, مسلمين ومسيحيين, إسرائيليين وعرب, أمريكيين وأوروبيين.
أنتم تعلمون من لم يصل إلى هنا – أؤلئك الذين يعملون ضد هذا اللقاء. إن الدول التي لم تأت إلى هنا, هي الدول التي تؤيد المنظمات الإرهابية والجهات الراديكالية في العالمين الغربي والعربي. أؤلئك الذين يريدون خلق عدم الاستقرار في المنطقة. المنظمات والزعماء الذين يستخدمون اسم الجلالة بهدف زرع الحقد الكراهية, وارسال الأطفال الى الموت. وهو نفس صاحب العزة والجلالة الذي نعتبره جميعا رب الرحمة والسلام.
هذه هي المعركة التي لا بد من حسمها.
إن الجلوس فوق السياج لن يفعل ذلك. كما لا تكفي مشاركة واحدة في حدث واحد. صحيح, إن هدفنا المشترك هو التوصل إلى سلام شامل في المنطقة بين جميع الشعوب وكل الدول. والسلام ليس مجرد اتفاق مقابل الأرض, وإنما السلام يعني وقف التحريض, وقف دعم الإرهاب والعمل بحزم ضده, وقف عمليات تهريب الأسلحة وتفكيك قيادات الإرهاب.
وهذا هو دور القيادة – حتى لو اضطرت إلى مواجهة رأي عام يخضع للتحريض, ولا شيء أجدر في هذا السياق, من ذكر التغيير الدراماتيكي الذي أحدثه زعيمان شجاعان في مثل هذا الشهر قبل 30 سنة, وهما المرحومان مناحيم بيغن وأنور السادات, اللذان أختارا أن يؤثرا على مسار التأريخ بدل الرضوخ له, ومعهما قاما بتغيير قلوب الناس أيضا.
سمعت الذين يقولون بانه يتوجب على إسرائيل دفع ثمن التطبيع. هذه المقولة تستند إلى تصور بموجبه التطبيع هو بمثابة جائزة يجب منحها لإسرائيل بعد التوصل إلى سلام شامل بين إسرائيل وجاراتها, كما يفترض هذا التصور بأن اهتمام إسرائيل ينصب على تطبيع العلاقات مع العالم العربي بدل التوصل الى مسيرة سلام صعبة تشمل تقديم تنازلات والتوصل إلى تسويات.
هذه مقولة خاطئة ايها السادة.
أعترف بأن إسرائيل تريد أن تعيش حياة سلام وشراكة, وأن تقيم علاقات طبيعية مع العالم العربي كله. إن رغبة إسرائيل الشديدة في صنع السلام مع جيرانها المختلفين, لا تحل محل العملية المباشرة مع الفلسطينيين حتى بثمن التنازلات التي سنضطر الى تقديمها, واليوم نحن نبدأ باستئناف هذه العملية. إن تطلعنا, هدفنا والرؤيا التي نريد تحقيقها – تحقيق السلام مع الفلسطينيين ومع بقية جيراننا – هو الجائزة بحد ذاتها. ونحن نريد القيام بذلك.
إن حلمنا ليس كسب الوقت, والجمود ليس سياستنا. كما أنه لا يخدم مصلحة اي من الطرفين. نحن لا نسعى لخلق حقائق على الأرض من خلال المستوطنات, ونحن مستعدون لدفع ثمن باهظ بمفاهيم إقليمية مقابل السلام. لا نريد السيطرة على الفلسطينيين أو أن نملي عليهم حياتهم. لا نريد لابنائنا الجنود أن يقفوا على الحواجز لتفتيش المواطنين, ولا نريد أن تكون صورة طفولة أولادكم هي صورة أولادنا كجنود وهم يقومون بتفتيش أهاليهم. ليس لدينا أجندة خفية. لقد اتخذنا قرارا قبل زمن غير كبير بشأن خطة الانفصال. قمنا بالانسحاب من غزة, فككنا مستوطنات, أخرجنا الجيش, وقمنا بتحمل مجازفات هائلة من منطلق فهمنا بأن غزة لن تكون الخطوة الأخيرة.
اما الخطوات القادمة فنريد القيام بها على أساس الاتفاق.
من أجل إحداث التغيير, من الواضح لنا بأننا سنضطر إلى التخلى عن أجزاء من البلاد. إن حدودنا هي حدود الأمن. ونحن مستعدون للقيام بذلك شريطة الا يتمخص ذلك عن تعريض مواطنينا إلى الخطر. فهذا هو واجبنا الأول تجاههم أيضا.
إن التطبيع ليس بشيء تعطونه وإسرائيل تقبله - بل شيء تكسب منه جميع الأطراف.
سمعت من يقول, لا يتوجب على إسرائيل أن تنتظر مصافحة, ولن أطلبها. لكن دعونا نتخيل ما الذي سيحدث إذا وقعت الطامة الكبرى وتمت مصافحة بين زعيم إسرائيلي وزعيم عربي لا تقيم دولته علاقات مع إسرائيل, وتم بثها في كل العالم.
عندها ستدرك الجهات المتطرفة في السلطة الفلسطينية بأن حقيقة التقاء ابو مازن وسلام فياض وابو العلاء مع اسرائيليين واجرائهم مفاوضات سلام معهم, ليست خيانة للمبادئ وإنما عملية تلقى الدعم والتأييد من قبل العالم العربي.
عندئذ ستفهم الجهات المتطرفة في الدول العربية بأن عهدا جيدا يبدأ, بأن العملية صحيحة, وأنها تتم على مراحل. إذا أعلنتم اليوم بأنكم ستدفعون العلاقات مع إسرائيل إلى ما هو أكثر من مجرد مصافحة, حين تقوم إسرائيل بخطوات إضافية لصالح الفلسطينيين, عندها ستفهم تلك الجهات المتطرفة بأنكم لا تساعدون إسرائيل وتهملون المسار الفلسطيني, وإنما تساعدون الفلسطينيين وتستغلون التطبيع مع إسرائيل من أجل مساعدة الفلسطينيين.
وأجل, يمكن لمثل هذه الخطوة أن تسهل علينا أيضا. حين لا يفهم الجمهور في إسرائيل الذي يعيش في ظل الهجمات الإرهابية, كيف نسمح لأنفسنا بدفع عجلة سلام في الواقع الحالي, حيث يمكننا أن نقول له باننا نغير وجه المنطقة كلها. بوسعكم مساعدة إسرائيل وكذلك مساعدة الفلسطينيين.
الأهم من ذلك, انه ومن خلال جلوسكم فوق السياج وانتظار استكمال عملية السلام بين إسرائيل وجاراتها, سوف تفقدون الفرصة التأريخية السانحة لديكم بالتأثير على العملية.
إن التأثير على العملية بهذه الطريقة يعني دعم العملية الثنائية. ومؤازرة الجهات الفلسطينية على اتخاذ القرارات المطلوبة, اذ لا شك لدينا بأنه حتى لو كانت مبادرة السلام العربية تعرض المبادىء المستندة الى الرواية العربية, لا نية لديكم بأن تحلوا محل الفلسطيننين في المفاوضات. رجاء قوموا بتأييدهم, فهم بأمس الحاجة إلى ذلك. بدون دعمكم للتسويات لن يحل السلام.
إن العالم يشد أنظاره اليوم إلى هنا, إلى أنابوليس. لقد سررت بقراركم المجيء الى هنا. إن الصورة التي يتم بثها من هنا هي صورة شركاء في رؤيا السلام, يريدون ومستعدون للقيام بالتغيير المطلوب- هذه الصورة أبلغ من ألف كلمة وكلمة. إن تواجدكم هنا هو بالغ الأهمية ليس على صعيد الزعماء الذين نلتقيهم اليوم فحسب. إن تواجدكم هنا هام للعالم كله – إنه هام في أوطانكم, وهو هام في السلطة الفلسطينية وفي إسرائيل أيضا.
إن صورة اليوم هي بداية الرحلة الى السلام.
نحن ننطلق اليوم في ثلاثة مسارات متاوزية.
الأول – المسار السياسي – حوار ثنائي متواصل بيننا وبين الفلسطينيين, بمحاولة للتوصل إلى التفاهمات التي تتيح تحقيق الرؤيا.
الثاني - المسار العملي - بموجب "خريطة الطريق"- ويحتاج الى عمل مضن وحثيث إزاء منظمات الإرهاب حيثما تواجدت, في غزة والضفة الغربية, الى محاربة زعماء الإرهاب, محاربة التحريض, محاربة مقدمي الرعاية والحماية مكانا تلو مكان, وهو عمل صعب قد بدأت به السلطة الفلسطينية, وفي نهاية المسار السياسي نعود إلى المسار العملي لنفحص إن تهيأت الظروف لإقامة الدولة الفلسطينية.
إن خريطة الطريق ليست عقبة على طريق عملية السلام, بل هي الطريق الصحيح لدفع عجلتها, وهي تمثل المصلحة الإسرائيلية, الفلسطينية والإقليمية على حد سواء. وبموجب خريطة الطريق, فإن الطريق الى الدولة الفلسطينية تمر عبر محاربة الإرهاب – ليس كذريعة لعدم إقامتها, وإنما كضرورة هي مطلب العالم كله. سنضطر كلنا إلى توفير الردود ميدانيا, وبخاصة في غزة, حيث لا يزال محتجزا الجندي المخطوف غلعاد شاليط.
المسار الثالث الذي أفتتح اليوم هنا, هو المسار الإقليمي. آمل وأؤمن بأن مشاركتكم اليوم هنا تعبر عن دعمكم للعملية الثنائية, عن دعمكم للحكومة الفلسطينية الشرعية, عن دعمكم للجهات المعتدلة في المنطقة وعن بداية عملية تطبيع بيننا وبينكم على مراحل, وبموجب الخطوات التي ستقوم بها إسرائيل لصالح الفلسطينيين.
لقد دفعنا ثمنا باهظا خلال سنوات الصراع. عائلات فقدت أعزاءها, وليس بمقدورنا أن نشفي ألم أم ثكلى. ليس بمقدورنا أن نعيد عجلة التأريخ الى الوراء, أن نعيد موتانا الى الحياة, أن نشفى جروح المعاقين ونعيد الأشخاص الى بيوتهم. لا نستطيع تغيير قرارات قد اتخذناها. لا جدوى من الندم على قرارات أمكننا اتخاذها في حينه وتلكأنا في اتخاذها. بيد أنه يمكننا اتخاذ قرارات سوف تؤثر على المستقبل, والرحلة إلى السلام في المنطقة تبدأ اليوم من جديد في أنابوليس.