تقرير غولدستون: تحد للديمقراطيات المكافحة للإرهاب

22 أيلول / سبتمبر 2009

التقرير الذي أصدرته لجنة غولدستون لتقصي الحقائق يمثل تحديا خطيرا للدول الديمقراطية المجبرة على التصدي للجماعات الإرهابية

يمثل التقرير الذي أصدرته لجنة غولدستون لتقصي الحقائق تحديا خطيرا للدول الديمقراطية المجبرة على التصدي للجماعات الإرهابية. وكما يبين فيما يلي، فإن التقرير:
• يتجاهل الواقع والطبيعة الحقيقية للإرهاب وللحرب التي تدور في مناطق مأهولة بسكان.
• يكبل أيدي الدول الديمقراطية التي تحارب الإرهاب في جميع أنحاء العالم.
• يشكك في شرعية النظم القانونية وإجراءات التحقيق الوطنية.
• يشجع على اتخاذ الإجراءات القانونية الجنائية بحق القوات المتصدية للإرهاب في دول أجنبية ويحاول مد اختصاص محكمة الجنايات الدولية إلى ما يتجاوز نظامها الأساسي.


اتجاه تبسيطي لواقع النزاع المسلح

يقدم التقرير على إطلاق حكم  مسبق بحق جميع الدول التي تواجه التهديدات الإرهابية من خلال تقديم صورة مبسطة تنطوي على الأحكام المسبقة  للنزاع المسلح. فيتجاهل التقرير وقائع النزاع ولا سيما أسلوب عمل الجماعات الإرهابية التي تتعمد على تعريض المدنيين للخطر وجعل المدن المأهولة بكثافة ساحة قتال مفضلة لها. إن التقرير لا يشير من قريب أو بعيد إلى تجنيد الأطفال للقتال واستغلالهم أو إلى تهريب الأسلحة عبر الأنفاق، أو إلى دلائل واضحة تشير إلى سوء استخدام المساجد وسيارات الإسعاف والمستشفيات وأماكن السكن.

وفي الوقت نفسه يوجه التقرير مطالب غير واقعية وغير قابلة للتنفيذ إلى أي دولة تسعى للدفاع عن مواطنيها من الهجمات الإرهابية. وعلى سبيل المثال، يوجه التقرير انتقادا إلى القرار الذي اتخذته القوات الإسرائيلية بشأن استخدام قذائف الهاون لمنع إرهابيي حماس من إطلاق الصواريخ "نظرًا لسرعة تحريك طائرات الهليكوبتر والطائرات المقاتلة". إن الفرضية القائلة بإمكان استدعاء الجنود العاملين في الميدان للطائرات المقاتلة في خضم القتال المكثف على جبهات متعددة، تدل على انفصال مقلق عن الواقع العسكري.
إن مثل هذه المقاربة التبسيطية البعيدة عن الواقع كل البعد للتحدي المعقد المتمثل في مجابهة الإرهاب يجرّم في الواقع القوات النظامية لأي دولة تتصدى للإرهابيين في أي ظروف كانت.

التقليل من التهديدات الموجهة إلى الدول الديمقراطية التي تواجه الإرهاب

إن التقرير يحد من نطاق رد الدول على التهديدات الإرهابية من خلال التقليل من فعالية مثل هذه الاعتداءات. وعلى سبيل المثال، حين يصف الاعتداءات الصاروخية على مدينة أشدود الإسرائيلية، يتطرق التقرير إلى تأثيرها على أنه "تعطيل قصير لاقتصادها ناتج عن التهجير المؤقت لبعض سكانها". أما مقتل وإصابة سكان أشدود جراء الاعتداءات الصاروخية فإن التقرير يغض الطرف عنه بكل بساطة.
مثال آخر: إن صفحات التقرير البالغ عددها 575 صفحة لا تحوي ولو إشارة واحدة إلى تهريب الأسلحة والذخائر إلى قطاع غزة عبر مئات الأنفاق المحفورة تحت الحدود بين مصر والقطاع.
إن التقليل من فاعلية التهديد الموجه من جراء النشاط الإرهابي يقوض شرعية الإجراءات التي تقوم الدول باتخاذها دفاعا عن مواطنيها.


مطالبة الدول المدافعة بدفع التعويضات

يقترح التقرير إلزام الدول المتصدية للإرهاب بدفع التعويض عن أضرار ناتجة عن قيامها بالدفاع عن نفسها، في الوقت الذي لا يعترف فيه بواجب الجماعات الإرهابية في دفع التعويضات عن الخسائر التي ألحقتها متعمِّدة.
إن التقرير يدعو الجمعية العمومية للأمم المتحدة إلى تأسيس صندوق ضمان لدفع التعويضات المناسبة للفلسطينيين مطالبا الحكومة الإسرائيلية بتوفير أموال هذا الصندوق. ولكن التقرير لا يوجه أي مطلب إلى حماس للتعويض عن الخسائر المادية والبشرية التي أسفرت عنها اعتداءاتها الإرهابية، رغم اعترافه بأن الاعتداءات الصاروخية على مدينة سديروت اضطرت إسرائيل إلى إنفاق مئات الملايين من الدولارات لحماية منازل السكان المدنيين وعماراتهم.


حظر استخدام أسلحة شرعية من قبل الدول المتصدية للإرهاب بوجه خاص

يدعو التقرير إلى إجراء "نقاش عاجل" حول "الشرعية المستقبلية لاستخدام ذخائر معينة جاء ذكرها في هذا التقرير". وفي انتظار النتائج المترتبة على هذه المحاولة لحظر استخدام ذخائر تتمتع بالشرعية حاليا، يدعو التقرير إسرائيل إلى "تعليق استخدام مثل هذه الأسلحة".
إن تأثير مثل هذه الدعوات الخالية من أية دعوة مماثلة للجماعات الإرهابية نفسها لوقف استخدام الصواريخ التي تحول طبيعتها دون التمييز بين هدف وآخر وتسفر عن إلحاق الضرر بالبنى التحتية المدنية، لا يعني سوى تقييد أيدي القوات التابعة للدول الديمقراطية في مجابهة التهديدات الإرهابية.


رفض النظم القانونية الوطنية وأجهزة التحقيق الداخلية

يهدد التقرير بتحدي شرعية النظم القانونية الوطنية ومساعيها التحقيقية في جميع أنحاء العالم، إذ يرفض باستخفاف النظام المتشعب والشامل لإجراء التحقيقات في دعاوى المخالفات داخل الجهاز القضائي الإسرائيلي، من خلال جزمه بأن ذلك كله لا يرتقي إلى معايير التحقيق بما يسميه بطريقة "نزيهة ومستقلة وحازمة وفعالة".
إن النظام الإسرائيلي للتحقيق في دعاوى المخالفات هو في حقيقة الأمر النظام نفسه المعتمد في العديد من الدول الديمقراطية ومن بينها بريطانيا والولايات المتحدة، بل إن الجهاز القانوني الإسرائيلي يفرض في جوانب مختلفة إجراءات وقائية أكثر صرامة من ضمنها حق أي فرد، إسرائيليا كان أم فلسطينيا، في تقديم التماس إلى المحكمة للنظر في القرار المتعلق باتخاذ إجراءات جنائية في أي قضية كانت من عدمه، علما بأنه منذ عملية غزة تم إجراء ما يزيد عن مئة تحقيق، بما فيها تحقيقات جنائية في 23 قضية.
إن التقرير، عندما يرفض بمثل هذه السهولة وهذا التساهل الإجراءات القانونية المحلية التي لا تقل بل قد تزيد حزما عن تلك المتبعة في غالبية الدول الغربية، يشير إلى أن جنودا من هذه البلدان ق يتعرضون للملاحقة القانونية الأجنبية أو الدولية، مما يفرض قيودا على العمليات الدفاعية في أي مكان في العالم.


تشجيع الإجراءات الجنائية في الدول الأجنبية

رغم دعوة التقرير إلى إجراء التحقيقات في دعاوى المخالفات من قبل الجانبين، إلا انه "يدعم الاعتماد على الاختصاص القضائي العالمي كمسلك تسلكه الدول للتحقيق في المخالفات".
إن هذه الدعوة تمثل تهديدا خطيرا لأي دولة مارست قواتها العسكرية الدفاع عنها، لأنها تشجع الدول الأجنبية على ملاحقة جنودها أمام القضاء، رغم أن الدولة نفسها تبذل مساعيها في فرض القانون الإنساني الدولي على أجهزتها المحلية.
إن الطبيعة السياسية لهذه الحملة من "الحرب القضائية" بادية للعيان من خلال إصرار التقرير على أن مثل هذا الإجراء ضروري بسبب "إحجام إسرائيل المتزايد عن فتح تحقيقات جنائية تتماشى مع لمعايير الدولية". إن الانفراد بإسرائيل وعدم الإشارة إلى غياب أي مسعى فلسطيني للتحقيق في الانتهاكات يشير إلى أن الإسرائيليين وحدهم هم المعنيون باتخاذ الإجراءات.
هذه المقاربة يجب أن تمثل مصدر قلق لأي دولة تتصدى للإرهاب، لأنها تقول بأن الدولة وحدها يمكن أن تتعرض للإجراءات القانونية الدولية، فيما الجماعات الإرهابية معفاة عنها.


الدعوات إلى مد اختصاص محكمة الجنايات الدولية

زيادة على الدعوة إلى الملاحقات القضائية الدولية، يسعى التحقيق لمد اختصاص محكمة الجنايات الدولية إلى ما يتجاوز أحكام نظامها الأساسي.
إن الإشارة إلى إعلان فلسطيني مفاده القبول باختصاص المحكمة الدولية تعكس تجاهل التقرير لحقيقة عدم وجود دولة فلسطينية في الوقت الحالي، ما معناه أن لا أساس للاختصاص بموجب نظام المحكمة. وبدلا من ذلك يقضي التقرير بأن "للمدعي أن يقرر أنه فيما يتعلق بالبند الثالث من المادة 12، وبموجب القانون الدولي المتبع، يمكن اعتبار فلسطين وكأنها دولة".
وضمن توصياته يلمح التقرير بوضوح شديد إلى أن قرار المدعي بهذا الخصوص يجب أن يكون في صالح مد اختصاص المحكمة حين يصر على أن "المسؤولية أمام الضحايا" تحتم اتخاذ القرار القانوني من قبل المدعي بأسرع ما يمكن.
إن السعي وراء مد اختصاص محكمة الجنايات الدولية بهذا الأسلوب يقوض احترام سيادة القانون، كما أنه يمثل مصدر قلق لأي دولة اختارت عدم الالتحاق باختصاص المحكمة، إذ إنه يتضمن إشارة إلى أن مثل هذه الدول قد تجد رعاياها خاضعين للملاحقة القانونية في لاهاي على أية حال.


مكافأة الترهيب، معاقبة الديمقراطية

يعكس التقرير مقاربة للحالات العسكرية تكافئ في الواقع الترهيب وتعاقب الديمقراطية.
إن التقرير لم يعثر على أي دليل على استخدام حماس للدروع البشرية خلال الحرب ولا على تخزين أسلحته في المساجد والمستشفيات وإطلاقه لصواريخه منها، وذلك رغم كثرة الأدلة الإسرائيلية والمستقلة المشيرة إلى عكس ذلك. أما بالنسبة لتحقيقاتها هي فقد اعترفت البعثة الدولية بأن الذين قابلتهم في غزة بدا عليهم عدم الرغبة في الحديث عن وجود جماعات فلسطينية مسلحة أو عن قيامها بالأعمال العدوانية. ورغم هذه الأدلة الواضحة على التهديد الموجه للناس، فإن التقرير لم يمض قدما بهذا الأمر ولو خطوة واحدة، مكافئا بذلك تكتيك الترهيب.
لا بل إن التقرير، وتحت عنوان "قمع الرأي المخالف"، ينسب الترهيب إلى الجانب الإسرائيلي بالذات، مستندا في ذلك بصورة رئيسية على الدعم الواسع للعملية العسكرية من قبل الجمهور الإسرائيلي، ومقررا بأن إسرائيل "خلقت أجواء سياسية لا تحتمل الرأي المخالف"، حيث يبدو أنه لم تخطر ببال أعضاء البعثة فكرة أن أكثرية الإسرائيليين يدعمون فعلا عملية تستهدف وضع حد لسنوات من الاعتداءات الصاروخية على المدنيين الإسرائيليين.