كلمة أدلى بها السفير أهارون ليشنو-ياعر, المندوب الدائم للبعثة الإسرائيلية الدائمة إلى الأمم المتحدة في جنيف :
الجلسة الاعتيادية ال 12
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
الموضوع رقم 7 على جدول الأعمال
29 سبتمبر أيلول 2009
نص الكلمة:
سيدي الرئيس،
صادف يوم أمس عيد يوم الغفران الذي احتفل فيه اليهود في كل أنحاء العالم، في أورشليم القدس وفي مدينة سديروت وهنا في جنيف، بهذه المناسبة وهي أقدس يوم في التقاليد اليهودية، حيث يتقرر فيه مصيرنا للعام القادم: "من سيعيش ومن سيموت، من سيتقدم ومن سيتراجع". إنه يوم حاسم ليس بالنسبة للأفراد فحسب، بل بالنسبة للدول، إذ نقول في صلواتنا: "من منها للحرب ومن للسلام، من للمجاعة ومن للرخاء".
إنه فعلا يوم حاسم بالنسبة للدول الأعضاء في هذا المجلس. إن النقاش الذي يدور اليوم يمثل اختبارا حقيقيا لنزاهة هذه المؤسسة ولنواياها، بل أكثر من ذلك، إن الرد على التحدي الموجه اليوم سيكون له تأثير واضح على قدرتنا الفردية والجماعية على مواجهة بعض التحديات الكبرى في السنوات المقبلة.
قبل خمس سنوات، وفي لفتة ملحوظة من أجل السلام، سحبت إسرائيل جنودها حتى آخرهم وما يزيد عن 8000 مدني من قطاع غزة. لقد سحبنا المستشفيات ورياض الأطفال والكنس والمقابر ولم نترك سوى الدفيئات التي كنا قد صارعنا من أجل بنائها أملا في أن تكون بداية لمجتمع فلسطيني منتج. وكنتم أنتم، الدول الأعضاء في هذا المجلس، قد امتدحتم هذا الإجراء غير المسبوق، وأوضحتم لنا بما لا يقبل التأويل، أنكم في أسوأ سيناريو كابوسي يرسخ فيه الإرهاب جذوره في القطاع، ستدعموننا في حقنا الطبيعي في الدفاع عن النفس.
وبعد مرور خمس سنوات، نلقى الدفيئات وقد أقدم بلطجية حماس على نهبها، كما تم إطلاق ما يزيد على 8000 صاروخ وقذيفة هاون على المدارس ورياض الأطفال في سديروت وغيرها من المدن الإسرائيلية، في الوقت الذي تم فيه تهريب الأسلحة بلا انقطاع عبر الأنفاق إلى قطاع غزة من الدول الداعمة للإرهاب مثل إيران. أما دعوات إسرائيل العاجلة إلى المجتمع الدولي، فلم تُجْدِ نفعا، كما لاقت محاولاتنا لتمديد وقف إطلاق النار الهش وابلا جديدا أعنف من صواريخ حماس. وفي تلك الأثناء كان مدى الاعتداءات يزداد، حيث أصبحت مدينتا أشكلون وبئر السبع ضمن مدى النيران. واضطر مليون طفل وامرأة ورجل إلى العيش لحظة بعد لحظة على مسافة لا تزيد عن ثوان من الجري إلى أقرب ملجأ.
إن قرار تنفيذ عملية عسكرية ليس سهلا أبدا، بل إنه أكثر تحديا حين يتوجب علينا مجابهة عدو يتعمد نشر قواته في مناطق مأهولة بكثافة ويقوم بتخزين متفجراته في منازل خاصة ويطلق صواريخه من ساحات المدارس المكتظة بالتلامذة ومن المساجد. إنها تحديات جديدة رهيبة، وقد سعينا للتعامل معها بمسؤولية وإنسانية، ولكننا حين أسقطنا ملايين المناشير وأجرينا عشرات الآلاف من الاتصالات الهاتفية لإبلاغ المدنيين بعملياتنا قبل وقوعها شاهدنا تكتيك حماس القاسي والمحسوب في إرسال النساء والأطفال إلى أسطح مقرات الإرهابيين ومعامل سلاحهم. وفي مثل هذه الحالات، تم إجهاض العمليات المخطط لها المرة تلو الأخرى، ما مكن إرهابيي حماس من الفرار. وهكذا قامت إسرائيل بحماية الفلسطينيين الذين وضعتهم حماس على كف عفريت.
إننا بتعاملنا مع هذه المعضلات نسعى لتلقي النصح من الدول الأخرى. قد لا نملك جميع الأجوبة الصحيحة، ولكننا نكافح من أجل وضع الأسئلة الصحيحة. وخلال المداولات الجارية بين المسؤولين المكلفين بصون حياة المدنيين في بلدانهم، نستمع إلى كلام يعبر بكل صدق عن إعجابهم بما نبديه من ضبط النفس. على سبيل المثال، حين سئل الكولونيل ريتشارد كيمب، قائد القوات البريطانية في أفغانسان، عن سلوك إسرائيل في غزة، رد قائلا: "لا أعتقد أنه كان يوما عهد في تاريخ الحروب، بذل خلاله جيش من الجيوش جهدا لتقليل عدد الضحايا من المدنيين وموت الأبرياء أكبر مما يبذله جيش الدفاع الإسرائيلي في غزة".
ولكن حرب المدن المعقدة لا يمكن فيها تفادي سقوط الضحايا المدنيين وهو فعلا أمر مأسوي. قد تكون وقعت حوادث لم يحافظ فيها الجنود دائما على المعايير المتوقعة منهم. ولكن الاختبار الحقيقي للديمقراطية الحقيقية يكمن في طريقة تعاملها مع مثل هذه الحالات وكيفية فحصها تقصيراتها. لقد فتحت إسرائيل في أعقاب عملية غزة أكثر من 100 تحقيق منفصل في مسائل عملياتية أساسية مثل إلحاق الضرر بمراكز الأمم المتحدة ومنشآتها الطبية، وشكاوى تدور حول سوء السلوك. وقد أفرزت هذه التحقيقات حتى الآن 23 ملاحقة جنائية، علما بأن الإجراءات ما زالت مستمرة وأن أي قرار يتم اتخاذه حول مسألة القيام بالملاحقة القانونية من عدمه قابل للاستئناف من جانب أي مواطن إسرائيلي أو فلسطيني أمام المحكمة الإسرائيلية العليا، وهي المحكمة التي نالت الاحترام والإعجاب من العالم الديمقراطي بأسره.
إن إسرائيل تكافح من أجل التعامل مع جميع هذه المشاكل التي يتسبب فيها الإرهابيون الذين يعملون من المراكز المدنية. من المؤسف أن تنشغل بهذه القضايا أيضا العديد من الدول الديمقراطية وأن يتوجب علينا وعلى هذه الدول مواصلة التعامل معها.
ولكن يبدو أن تلك المشاكل لا تشغل بال واضعي التقرير المخزي المقدم إلى هذا المجلس.
إننا، كالعديد من دول هذا المجلس، لم نستطع تأييد قرار يتعامل مع أحد طرفي النزاع فقط، وهو القرار الذي أنشئت بمقتضاه أربع آليات منفصلة للتنديد بإسرائيل ولا حتى آلية واحدة لفحص حماس.
إننا، مثل الكثير من الأفراد المحترمين الذين رفضوا دعوات ترأس لجنة تقصي الحقائق المزودة بتفويض أحادي الجانب، عارضنا قيام لجنة "ترشدها السياسة وليس حقوق الإنسان"، والكلام للسيدة ماري روبنسون. وفي حين تعاونت إسرائيل مع عشرات التحقيقات والاستقصاءات من جانب منظمات دولية وأخرى غير حكومية حول أحداث غزة، فقد رفضت التعاون مع هذه اللجنة، والتقرير المقدم اليوم يبرر هذا الرفض بشكل كامل.
لم يكن التحقيق قد بدأ، حين أعلن أحد أعضاء هذه اللجنة على الملأ أن دفاع إسرائيل عن سكانها المدنيين من اعتداءات حماس كان "عدوانا وليس دفاعا عن النفس". والوثيقة المقدمة اليوم تكرر هذا الحكم المسبق بكل بساطة.
سيدي الرئيس،
إنه تقرير يمتد على 575 صفحة ولكنه لا يتضمن تعبير "الدفاع عن النفس"، ولا يرى من المناسب التطرق بكلمة واحدة إلى تهريب الأسلحة إلى غزة عبر مئات الأنفاق.
إنه تقرير يعتمد على شهود فلسطينيين تم انتقاؤهم بعناية، ولم يوجه إلى أي منهم سؤال عن نشاط حماس الإرهابي أو سوء استخدام المدنيين والمستشفيات والمساجد في تنفيذ الاعتداءات الإرهابية.
إنه تقرير يعتمد على الأحداث المنتقاة بعناية وحرص لتحقيق الأثر السياسي المطلوب، وكما كشف القاضي غولدستون في رسالة علنية: "لم نتطرق إلى المشاكل المرتبطة بإدارة العمليات العسكرية في المناطق المدنية، ولقد تفادينا الحاجة إلى القيام بذلك في الأحداث التي اخترنا التحقيق فيها".
إنه تقرير يمنح المصداقية لأي ادعاء أو إشاعة بحق إسرائيل، في الوقت الذي لا يأبه فيه حتى باعترافات قادة حماس المباشرة بالذنب. إنه تقرير يقبل بمرجعية مصدر معين، حين يتعلق الأمر بتوجيه اللوم إلى إسرائيل، ولا يثق بالمصدر نفسه حين يتعلق الأمر بحماس.
سيدي الرئيس،
إن واضعي "تقرير تقصي الحقائق" هذا لم يعتنوا بتقصي الحقائق، فلقد أثير أمر التقرير كجزء من حملة سياسية وهو يمثل هجمة سياسية موجهة ضد إسرائيل وضد أية دولة تضطر لمجابهة التهديدات الإرهابية. إن توصياته متماشية تماما مع جدول أعماله أحادي الجانب وتستهدف تعبئة مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية ومجلس حقوق الإنسان والمجتمع الدولي بأسره في حملته السياسية. وبذلك يسعى لحقن هذه المؤسسات بنفس السموم السياسية التي أساءت بمثل هذا القدر إلى نزاهة هذا المجلس.
سيدي الرئيس،
إن إسرائيل، وخلافا لإرهابيي حماس الذين يبتهجون بسقوط أي ضحية بين المدنيين، تنظر إلى كل إصابة مدنية على أنها مأساة، وهي ملتزمة بالفحص الكامل لكل ادعاء بوقوع إثم أو جريمة، ليس بدافع من هذا التقرير، وإنما رغم هذا التقرير.
ليكن واضحا تماما أن هذا التقرير لن يفيد بشيء في تسهيل حياة سكان سديروت أو غزة أو كريات شمونا أو جنين، فهو بإعطائه صك البراءة للأساليب الإرهابية، يخون الإسرائيليين والفلسطينيين المعتدلين على حد سواء.
في التحليل النهائي يكمن الاختبار الحقيقي لمثل هذا التقرير فيما إذا كان سيؤدي في النزاعات العسكرية المستقبلية إلى زيادة أم تقليل احترام الطرفين لسيادة القانون. هذا التقرير الأحادي الجانب يدعي تمثيل القانون الدولي ولكنه يحرف هذا القانون في الحقيقة ليتم استخدامه كجدول أعمال سياسي، ومن المؤسف أن لا يفيد التقرير إلا في إضعاف القانون الدولي في النزاعات المستقبلية. إنه تقرير يبعث برسالة مقلقة منعدمة الأساس القانوني إلى الدول التي تواجه التهديدات الإرهابية في كل مكان مفادها أن القانون الدولي لا يملك ردا مؤثرا يسعفها به، وبذلك يحبط الرغبة في الالتزام بأحكامه. بل إن التقرير يوجه رسالة أكثر خطورة إلى الجماعات الإرهابية أينما وجدت، من أن التكتيك القاسي المتمثل في استغلال المعاناة البشرية لبلوغ الأهداف السياسة هو فعلا تكتيك ذو مردود عال.
وختاما، نريد إيجاد طريق للتعايش مع جيراننا، وقد يكون ذلك أهم الأمور جميعا. إنه السؤال المطلق الذي وجهه السيد بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء إلى الجمعية العامة في نيو يورك في الأسبوع الماضي:
"هل هي نفس الأمم المتحدة التي صفقت لإسرائيل وهي تغادر غزة ووعدت بدعم حقها في الدفاع عن نفسها، هل هي نفسها التي تتهمنا الآن... بجرائم الحرب؟ ولماذا؟ هل لأننا سلكنا المسلك المسؤول بدفاعنا عن أنفسنا؟ (...) إن إسرائيل دافعت عن نفسها بكل حق بوجه الإرهاب. إن هذا التقرير المنحاز وغير المنصف يمثل اختبارا حاسما لكل الحكومات. هل ستقفون إلى جانب إسرائيل، أم ستقفون إلى جانب الإرهابيين؟ إذ لو كانت إسرائيل تطالَب مرة أخرى بالمخاطرة من أجل السلام، فعلينا أن نعرف اليوم أنكم ستقفون إلى جانبنا غدا. لا يمكننا تحمل المزيد من المخاطر من أجل السلام إذا لم نكن واثقين بقدرتنا على الدفاع عن أنفسنا. "
شكرا جزيلا لكم.