التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     مكافحة الإرهاب     السياج الأمني     أجوبة على أسئلة كثيرًا ما تُطرح

السياج الأمني الفاصل- أجوبة على أسئلة كثيرًا ما تُطرح

في هذا المقال نحاول إعطاء الأجوبة على بعض الأسئلة المطروحة على جدول الأعمال مثل السياج الأمني وخطة خارطة الطريق ودور العالم العربي في عملية السلام وموقف إسرائيل من الدولة الفلسطينية إضافة إلى ظاهرة اللا-سامية وإنكار الكارثة.
 
  
  
السياج الأمني.التصوير: ساسون تيرام

ما هو السياج الأمني؟

يشكّل السياج الأمني الذي تتمّ إقامته حاليًا بين المراكز السكّانية الإسرائيلية والفلسطينيين في الضفة الغربية خطوة دفاعية الهدف منها منع الإرهابيين من تنفيذ اعتداءات داخل إسرائيل, حيث لا يشتمل بناء السياج على ضمّ أراض إلى إسرائيل أو ترسيم الحدود بأي شكل من الأشكال بل تمّ تحديد مساره تمشّيًا واعتبارات أمنية وتضاريسية حرصًا على بذل كل الجهود للامتناع قدر الإمكان عن التشويش على حياة السكّان الفلسطينيين اليومية.

منذ أيلول/سبتمبر 2000 انطلق معظم العمليات الإرهابية الفلسطينية التي أودت بحياة 900 إسرائيلي فأكثر من مناطق الضفة الغربية مع العلم أنّ مراكز الإرهاب الفلسطيني لا تبعد عادةً سوى مسافة سير قصيرة عن المراكز السكّانية الإسرائيلية. إسرائيل وبحثًا عن الطرق والوسائل الكفيلة بمنع تسلّل الإرهابيين وأسلحتهم إلى مدنها لم تأخذ القرار بإقامة السياج الأمني إلاّ بعد تجربة الخيارات الأخرى التي فشلت في الحيلولة دون وقوع الهجمات الإرهابية.

يشكّل السياج الأمني خطوة دفاعية الهدف الوحيد منها هو نصب حاجز مادّي يعترض سبيل الإرهابيين ويحول دون تسلّلهم إلى الأراضي الإسرائيلية حيث تمّ إقامة سياج مماثل في غزّة وفقًا لما ينصّ عليه اتّفاق غزة وأريحا الموقّع عام 1994 بين إسرائيل ومنظّمة التحرير الفلسطينية وقد تأكّدت نجاعته في منع الاعتداءات الإرهابية.
تتوافق إقامة السياج مع القانون الدولي بل أكثر من ذلك, مبادرة السلام المنصوص عليها في خارطة الطريق لا تقيّد اتّباع الإجراءات الدفاعية مثل السياج الأمني والمأمول من هذا السياج بالفعل أن يساهم في المساعي المبذولة لإحلال السلام على اعتبار أنّ الإرهاب ما زال أكبر العوائق في طريق السلام.

إنّ السياج الأمني أشبه بشريط بعرض شارع رئيسي له أربعة مسارات, في وسطه سياج من الحلقات المتشابكة يدعم نظام تحري الاقتحام المتطوّر تكنولوجيًا ويستعمل للإنذار من المتسلّلين والغرض نفسه مقصود من الممرّ الرملي وغيره من وسائل المراقبة. بالرغم من نشر وسائل الإعلام الدولية صورًا عديدة تقدّم السياج على أنّه جدار اسمنتي مرتفع إلاّ أنّ الجزء الأكبر من السياج الأمني, أي نحو 95 بالمائة منه يتكوّن من نظام الجلقات المتشابكة المذكورة تفاصيله أعلاه.

بالإضافة إلى الجهود الرامية إلى ضمان أمن مواطنيها تهتمّ إسرائيل اهتمامًا كبيرًا في ضمان مصالح السكّان الفلسطينيين المحلّيين إدراكًا منها لضرورة إيجاد التوازن المناسب بين الضرورة الحتمية لمنع الإرهاب من جهة والاحتياجات الإنسانية للسكّان المحلّيين من جهة أخرى.

أكثر ما يلفت للنظر أنّ السياج الأمني لا يعني أي محاولة كانت لرسم حدود مستقبلية إذ إنّ هذه القضية متروكة للمفاوضات بين الطرفين. كما من المهمّ الإشارة إلى أنّ منطقة السياج الأمني لا تضمّ أية أراضٍ إلى دولة إسرائيل حيث لم يقصد استغلال أراضٍ في الضفة الغربية بشكل خاص, وبالفعل يتم بناء بعض المقاطع من السياج الأمني داخل خطوط إسرائيل ما قبل 1967. لا يؤدّي السياج الأمني إلى تغيير مكانة الأراضي الفلسطينية أو ملكيتها أو مكانة السكّان في هذه المناطق ولن يشمَل سوى قرى فلسطينية معدودة في الطرف الغربي من هذا السياج, ولكن هؤلاء السكّان لن تعاد موقعتهم وتبقى مكانتهم القانونية كما هي عليه الآن بدون أي تغيير.

أعطت إسرائيل الأولوية لبناء السياج الأمني على أراضٍ عامّة لتتفادى قدر الإمكان استملاك الأراضي الخاصة. أمّا إذا تعذّر الأمر يتمّ استملاك الأرض وليس مصادرتها على أن تبقى ملكًا لصاحبها, وفي حالة استخدام الأراضي الخاصة يعرَض على أصحابها كامل التعويض وفقًا للقانون إلى جانب اتّخاذ الإجراءات القضائية المسموح بموجبها لكل مالك تقديم اعتراض على استخدام أرضه.

فيما يتعلّق بالزراعة, أقيم السياج الأمني قدرَ الإمكان على أراضٍ غير مستخدمة حيث تبذل كل الجهود الممكنة لتحاشي الفصل ما بين أصحاب الأراضي وملكهم. في حالات يتعذّر فيها الأمر تفتَح بوابات خاصة يستطيع المزارعون الوصول إلى حقولهم عبرها, ومن الخطوات الأخرى في هذا المجال إعادة غرس الأشجار المتأثّرة بالبناء.

يدّعي الفلسطينيون بأنّ السياج الأمني أقيم بصورة متعمّدة ليقيّد حقوقهم ولكن هذا الإدّعاء لا أساس له من الصحة, ذلك أنّ إسرائيل لم تألُ جهدًا في ضمان ألاّ يشكّل السياج الأمني أقلّ مصدر تشويش وانزعاج على استمرار الحياة اليومية مع الأخذ بالاعتبار الأوضاع الأمنية. المقصود من هذا الإدّعاء اتّهام إسرائيل وهي ضحية الإرهاب باتّخاذ خطوة دفاعية محضة مع تجاهل التهديد المحدق على حياة البشر الذي يشكّله الإرهاب الفلسطيني المنطلق من أراضي الضفة الغربية. فلولا الحملة الإرهابية المبيّتة التي تستهدف الإسرائيليين رجالاً ونساء وأطفالاً لكُنّا بغنىً عن هذا السياج الأمني.
ليس ثمة أي دافع وراء إقامة السياج الأمني سوى رغبة إسرائيل في الدفاع عن حياة الأبرياء.

 

كيف ترى إسرائيل خارطة الطريق؟

في يوم 25 مايو/ايار 2003 وافقت الحكومة الإسرائيلية على الخطوات المنصوص عليها في خارطة الطريق أملاً في أن تساعد هذه المبادرة في تحقيق سلام متفاوَض عليه مع الفلسطينيين, إلاّ أنّ الطرف الفلسطيني لم يرتقِ بعد إلى مستوى الالتزامات التي تقضي بها المرحلة الأولى من تطبيق خارطة الطريق وفي مقدّمتها "الوقف غير المشروط لأعمال العنف".

تشكّل خارطة الطريق دليل يستند إلى الأداء تولّى صياغته أعضاء الرباعية أي الولايات المتحدة والاتّحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتّحدة. قبول إسرائيل لخارطة الطريق رافقته ملاحظات ترى فيها إسرائيل جزءاً لا يتجزأ من تطبيقها والتزمت الولايات المتّحدة بالتعامل الكامل والجدّي مع هذه الملاحظات. بل أكثر من هذا, تعلّق إسرائيل الأهمّية على خطاب الرئيس بوش من يوم 24 يونيو/حزيران 2002 وما تضمّنه من رؤيا تحقيق السلام وفقًا لما تنصّ عليه خارطة الطريق. فقد شدّد الرئيس بوش في خطابه هذا على أنّ تحقيق رؤيا الدولتين اللتين تعيشان جنبًا إلى جنب بسلام يتطلّب لمرحلة حيوية أولى إصلاحاً فلسطينيًا ووضع حدّ للإرهاب الفلسطيني.

يعبّر قبول إسرائيل بالخطوات المنصوص عليها في خارطة الطريق تعبيرًا آخر لرغبة إسرائيل في مدّ يدها من أجل تحقيق السلام وبالفعل يعكس قرار الحكومة استعدادًا لتقديم تنازلات جوهرية بغية إنهاء الصراع, شريطة ألاّ تهدّد أمن إسرائيل بأي شكل من الأشكال. بالإضافة إلى ذلك وتمشّيًا مع الظروف الأمنية تريد إسرائيل المساهمة في تحسين الحياة الفلسطينية وإعادة تأهيل الاقتصاد الفلسطيني.

مع ذلك تتطلّب خارطة الطريق واستعداد إسرائيل للتقدّم ارتقاء الفلسطينيين إلى مستوى التزاماتهم في كل مرحلة بعينها ومن أبرز وأخطر متطلّبات المرحلة الأولى التي تنصّ عليها خارطة الطريق أن يعمل الفلسطينيون على "الوقف غير المشروط للعنف" من خلال تفكيك البنية التحتية للإرهاب ومصادرة الأسلحة واعتقال والاعتراض للضالعين في تنفيذ والتخطيط للاعتداءات العنيفة على إسرائيليين أينما كانوا. كما يجب على الفلسطينيين وضع حدّ للتحريض. إلتزمت السلطة الفلسطينية ومن خلال قبولها لخارطة الطريق بوضع حدّ للإرهاب والتحريض على النحو المنصوص عليه في خارطة الطريق. وقد شدّدت إسرائيل على أنّ هذه الشروط ضرورية قبل التقدُّم والانتقال إلى المرحلة الثانية من خارطة الطريق.
تعتبر الحكومة الإسرائيلية أنّ ملاحظاتها بشأن خارطة الطريق علاوة عن الالتزام الأميركي بالتعامل مع هذه الملاحظات محوريةٌ بالنسبة لتطبيق خارطة الطريق وتتضمّن هذه الملاحظات بالإضافة ضرورة التحرُّك فلسطينيًا ضد الإرهاب والتحريض رفض الادّعاء الفلسطيني بشأن عودة اللاجئين. إن حكومة إسرائيل وإذ توافق على الخطوات المنصوص عليها في خارطة الطريق تؤكّد أنّ حلّ قضية اللاجئين لن يشتمل على دخولهم أو استيطانه داخل أراضي دولة إسرائيل.

 

موقف إسرائيل من الدولة الفلسطينية

لا ترغب إسرائيل في أن تحكم حياة الفلسطينيين بأي شكل من الأشكال. وفيما يشكّل هذا الأمر بعدًا هامًّا من موقف إسرائيل حول إنشاء دولة فلسطينية إلاّ أنّ الأمن الإسرائيلي وغيره من الحقوق والمصالح الحيوية للدولة كل هذه العناصر تنطوي دورًا هامًّا هي الأخرى. إسرائيل لا يمكنها أن تقبل تحت أي ظرف من الظروف إنشاء دولة إرهابية على حدودها.

في الخطاب الذي ألقاه في يوم 4 يونيو/حزيران 2003 خلال لقائه في قمّة العقبة مع الرئيس الأميركي بوش ورئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباّس عبّر رئيس الوزراء شارون عن موقفه من الدولة الفلسطينية كما يلي:
"أيّدت إسرائيل كغيرها شديد التأييد لرؤيا الرئيس بوش التي أعلن عنها في يوم 24 يونيو/حزيران عام 2002 حول دولتين, إسرائيل وفلسطين تعيشان جنبًا إلى جنب بسلام وأمن. ترحّب إسرائيل حكومةً وشعبًا بفرصة استئناف المفاوضات المباشرة تمشّيًا والخطوات المنصوص عليها في خارطة الطريق التي تبنّتها الحكومة الإسرائيلية من أجل تحقيق هذه الرؤيا".

تقضي مصلحة إسرائيل بألاّ تحكم حياة الفلسطينيين وإنّما أن يحكموا أنفسهم في دولة خاصة بهم. وفي المدى البعيد ستكون دولة فلسطينية ديموقراطية تعيش بسلام كامل مع إسرائيل بمثابة تشجيع أمن ورفاهية إسرائيل كدولة يهودية. كما ونستطيع التأكيد لشركائنا الفلسطينيين أنّنا نتفهّم لما ينطوي عليه تواصل الأراضي الجغرافي في الضفة الغربية من أهمّية بالنسبة لوجود دولة فلسطينية حيوية.

وفي الوقت ذاته شدّد رئيس الوزراء شارون في خطابه المذكور على أنّ "السلام لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بالعزوف عن والقضاء على الإرهاب والعنف والتحريض" باعتبار هذا الشرط ليس فقط أساسيًا ومنصوصًا على تفاصيله في المرحلة الأولى من خارطة الطريق بل بغياب تحقيقه لن يكون المغزى من إنشاء دولة فلسطينية إلاّ إنشاء دولة إرهابية على امتداد الحدود الإسرائيلية وهذا أمر مرفوض.

يجب أن يركّز كل نقاش حول إقامة دولة فلسطينية على طابع هذه الدولة, معايير هذه الدولة, بما في ذلك حدودها النهائية التي ستطرَح للتفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين. ثمة عوامل وعناصر أخرى حيوية بالنسبة لأمن إسرائيل والجهود الرامية إلى إنشاء دولة فلسطينية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حقوق إسرائيل ومصالحها الأساسية لا سيّما في القضايا الأمنية إذا أريد إحلال السلام والاستقرار في المنطقة.

 

التلويح بمسدّسات اللعب خلال حفل التخرج في إحدى روضات الأطفال الفلسطينية.

كيف ينال التحريض من السلام؟

تربط صلة مباشرة بين التحريض المعادي لإسرائيل وللسامية وبين الإرهاب إذ إنّ التحريض والتوجيه المعنوي السلبي على الأفكار المعادية لإسرائيل اللذين أطنبت جذورهما في المجتمع الفلسطيني يغذيان ثقافة الكراهية التي تؤدّي بدورها إلى الإرهاب.

ليس من باب الصدفة أن تكون الجهود الكثيرة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي قد عرفت باسم العملية السلمية فالانتقال من حالة الحرب إلى السلام ليس نتاج خطوة دبلوماسية واحدة تتمثّل بتوقيع اتّفاق وإنّما هو عبارة عن عملية مستمرّة على مدار الوقت تتطلّب مجهودًا متبادلاً في مسعىً لتغيير المواقف والقيم والمفاهيم المتعلّقة بعدو الأمس وتستدعي التحوّل إلى نموذج ونمط جديدين وخلق حالة ذهنية غيرية.

يحتلّ الكفاح ضد إسرائيل مقدّمة المسرح في العديد من الدول العربية والمجتمع الفلسطيني ولطالما تمحورت الروح العامة لشعوبها سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا حول الدعوة إلى القضاء على دولة إسرائيل وتبقى هذه الصورة على ما هي عليه حتى يومنا هذا في بعض المجتمعات العربية وقد تمثل أثر البلاغة الفلسطينية الشديدة اللهجة ضد إسرائيل في تعثر الجهود الرامية إلى إحلال السلام في المنطقة بأسرها حيث هيّجت التغطية المكثّفة للأحداث من وجهة النظر الفلسطينية والتحريض من قبل متحدّثين فلسطينيين المشاعر المعادية لإسرائيل في الدول العربية وحتّى دفعت بالعديد من الدول العربية المؤيّدة للسلام إلى خفض مستوى علاقاتها مع إسرائيل. في المدى القصير يثير التحريض الفلسطيني مظاهر العنف أمّا في المدى البعيد فإنّه ينال من فرص إحلال السلام والمصالحة بين إسرائيل وجاراتها.

يتمّ توظيف جهاز التعليم والإعلام والأدب والغناء والمسرح والسينما الفلسطينية لغرض التوعية المعادية لإسرائيل والتي تتدهور أحيانًا وتتحوّل إلى اللا سامية الفظّة. يتغلغل التحريض والكراهية والعنف في كافة مستويات المجتمع الفلسطيني تقريبًا بدءا بروضات الأطفال وحركات الشبيبة واستمرارًا بالمدارس والجامعات وانتهاء بالمواعظ في الجوامع والمظاهرات في الشوارع الأمر الذي يخلق ثقافة من الكراهية والعنف التي تشكل بدورها أرضًا خصبة للإرهاب والقتل.

التحريض ضد إسرائيل له أوجه متعدّدة إذ يبدأ بتجاهل مجرّد وجود دولة إسرائيل تجاهلاً تامًّا الأمر الذي يلقى تعبيرًا له بتغييب اسم إسرائيل ومدنها الكبرى وبلداتها من على الخرائط المستعملة في المدارس والجامعات والأكثر من ذلك أنّ من خلال هذا التحريض يتمّ تمجيد أسماء وأعمال المخربين المنتحرين مرتكبي الاعتداءات الإرهابية ويتمّ تسمية فرق كرة القدم باسمائهم ويعتبر الإرهابيون مثالاً يحتذى به. يشتمل التحريض على رسومات كاريكاتورية لا سامية تستخدم نفس الموضوعات الدالة (الموتيفات) والتصويرات التي كانت تُستخدم ضد اليهود إبان الحكم النازي.

يجب أن يطرح السؤال حول نوعية المستقبل الذي تعرضه صناعة التحريض على الجيل القادم الذي يترعرع على الكراهية. هل سيكون الجيل الناشئ قادرًا على التفكير بمصطلحات سلمية وحسن الجيرة والتسامح والتسوية؟ هل يستطيع المجتمع الفلسطيني خلق الحالة الذهنية المطلوبة من أجل السلام والتي تتجاوز مجرّد التوقيع على اتفاقية سلام؟
لا يمكن تجاهل كثافة المشاعر لدى طرفي الصراع الشرق أوسطي مع العلم أنّ الغضب والإحباط العميقين يسودان المجتمع الإسرائيلي أيضًا, ومع ذلك شتان ما بين مشاعر الغضب والإحباط من جهة وتنمية ثقافة الكراهية من جهة أخرى.

بعكس جزء كبير من المجتمع الفلسطيني يعتبر المجتمع الإسرائيلي السلام أسمى هدف له وأعلى درجة تطلعاته على المستويين الفردي والوطني وتشكل الرغبة في تحقيق السلام والهدوء والتطبيع محور الوجود والثقافة الإسرائيليين. تحصى بآلاف الأناشيد والكتب والأعمال الفنية والمقالات حول السلام التي وضعت في إسرائيل منذ إنشاء الدولة حيث أنّ السلام قيمة رئيسية هامّة بل أعظم حلم عند كل أم وأب يجسّد الفكرة الصهيونية القائلة برؤية إسرائيل تعيش بسلام وتعاون مع جيرانها.

ما من سبب يبرّر تعلّم طلاّب المدارس الإسرائيليين عن السلام والتعايش فيما العكس صحيح في المدارس الفلسطينية التي تعلّم طلابها احترام الانتحاريين المتفجّرين والجهاد فالذي يتوق للسلام يجب أن يربّي من أجل السلام وألاّ يشجّع ويروّج للكراهية والقتل.


 

– مصافحة ثلاثية بين زعماء مصر والولايات المتّحدة خلال مراسم توقيع اتّفاق السلام الإسرائيلي المصري ( 26 مارس/اذار 1979). GPO
: مصافحة بين ضباط كبار من جيش الدفاع الإسرائيلي والجيش الأردني خلال مراسم توقيع اتفاق السلام بين البلدين (26 اكتوبر/تشرين الأوّل , 1994) GPO

دور العالم العربي

ترغب إسرائيل في تحقيق السلام مع جميع الدول العربية وهي تستطيع أن تقدّم مساهمة إيجابية للعملية السلمية إضافة إلى تغيير صورة المنطقة للأحسن. ولكن لتحقيق ذلك على الدول العربية أن تتوقّف عن التحريض ونشر الدعاية اللا سامية ضد إسرائيل واللذين لا يولّدان إلاّ المزيد من الكراهية وهذه بدورها توفّر أرضية خصبة للإرهاب. يجب استبدال سياسة المواجهة المتّبعة في العالم العربي بسياسة الحوار.

تتلقّى المنظّمات الإرهابية الفلسطينية منها والأخرى الدعم من دول عربية مختلفة بما في ذلك الأسلحة والتمويل. كما وتؤيّد بعض الدول العربية منها سوريا وكذلك إيران أكثر المنظّمات الإرهابية عنفًا وخطورة منها حزب الله, وتؤوي سوريا أيضًا مقارّ وقواعد تدريب عدّة منظّمات إرهابية بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي. لا بدّ لهذا الدعم أن يتوقّف إذا أريد وضع حدّ للإرهاب, حينها فقط تحمل الجهود السلمية فرص النجاح.
خلال السنوات الأخيرة سمحت الدول العربية بتنامي أكثر مظاهر التحريض اللا سامي تطرُّفًا بصورة تعيد إلى الأذهان حقبًا سابقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. تنشَر الدعاية اللا سامية في المساجد والمدارس ووسائل الإعلام الرسمية والمؤسّسات الأكاديمية وتولّد المواد العنصرية التي تشابه مواد كانت تستخدم ضد الشعب اليهودي خلال عصور مضت (مثل فرى الدم وما سمّي ببروتوكولات حكماء صهيون) المزيد من الكراهية التي تشكّل أرضًا خصبة للإرهاب.
صورة عن مكتب الصحافة الحكومي – مصافحة ثلاثية بين زعماء مصر والولايات المتّحدة خلال مراسم توقيع اتّفاق السلام الإسرائيلي المصري ( 26 مارس/اذار 1979).

لا أحد يوهم نفسه بأن توافق الدول العربية مع إسرائيل حول القضايا مدار الخلاف ولكن عليها أن توافق على أنّ حلّ هذه القضايا سيشتمل على تسويات متبادلة من الطرفين لا يعقل أن يتوقّع من إسرائيل الخضوع لإنذارات أو القبول باقتراحات من مبدأ "خذه أو اتركه" مثل الاقتراحات التي اختتمت إليها قمّة الجامعة العربية في بيروت في نهاية آذار 2002 وقد اعتمدت على مبادرة العربية السعودية. فقد أكّدت هذه القرارات عمليًا بعقد السلام مع إسرائيل شريطة قبولها لكافة المطالب والشروط  العربية فقط مع تجاهل تام للحقوق الإسرائيلية وضرورة خوض مفاوضات والتوصل إلى تسوية بغية حل كافة المشاكل العالقة.

كما ويجب أن تتوقف الدول العربية عمّا تفعله عامًّا تلو الآخر من سوء استخدام المنابر والمنتديات الدولية مثل الأمم المتّحدة والحث على تبنّي تلك القرارات العقيمة الأحادية الجانب المناوئة لإسرائيل بدلاً من البحث عن أسلوب بنّاء وجديد لحلّ الخلافات.

إسرائيل على إيمان بأنّ طريق التوصّل إلى السلام يتطلّب استخدام كافة الأطر الملائمة لإجراء الحوار والعمل نحو التعاون الإقليمي. يجب إنعاش عملية برشلونة التي تستبصر التعاون بين الدول الأوروبية وحوض البحر الأبيض المتوسّط والمفاوضات المتعدّدة الأطراف حول موضوعات المياه واللاجئين ومراقبة التسلّح والبيئة والتنمية الاقتصادية ممّا سيفسح التعامل مع قضايا تؤثّر على حياة الذين يعيشون في هذه المنطقة الأمر الذي سيخلق بدوره أجواء إيجابية تعزّز الجهود الرامية إلى حلّ القضايا السياسية المعقّدة التي تشتمل عليها العملية السلمية.

أظهر الرئيس المصري أنور السادات وملك الأردن الملك حسين, القيادة الحقيقية من خلال عقد اتفاقات سلام مع إسرائيل, ويمكن لدول كمصر والأردن والمغرب الذي لعب هو الآخر دوراً محورياً في النهوض بعملية صنع السلام المساهمة في هذا المجال من خلال فتح الطريق أمام العالم العربي لدخول علاقات سلمية وتعاون مع إسرائيل.

هل ثمة فرق بين اللا صهيونية واللا سامية؟

تتقبّل إسرائيل وباعتبارها دولة ديموقراطية النقد النزيه والمشروع ولكن في العديد من الأحيان تحاسب إسرائيل بخلاف غيرها ويحكم عليها وفقًا لمعايير لا تطبّق على أية دولة أخرى وفيما الانتقاد المشروع لا علاقة له إطلاقًا باللا سامية إلاّ أنّ بعض التنديدات غير المنطقية تعود جذورها إلى التوجّهات اللا سامية وتقدّم عادةً تحت غطاء "اللا صهيونية". تمامًا كما كان أبناء الشعب اليهودي في الماضي كبش الفداء المتّهم به بمشاكل كثيرة نشهد اليوم محاولات تستهدف جعل إسرائيل منبوذة دوليًا.

اللا سامية مصطلح أطلق على أسلوب عنصري يمارس ضد الشعب اليهودي وفيما تشير الترجمة الحرفية لهذا المصطلح إلى أنّه قد يعني مناصبة العداء لجميع الشعوب السامية إلاّ أن هذا المظهر خادع مع العلم أنّ مصطلح اللا سامية طرح في ألمانيا عام 1879 لوصف الحملات الأوروبية المناوئة لليهود في تلك الفترة ثم أصبح تعريفًا باضطهاد اليهود أو التمييز ضدّهم على مرّ القرون.

كراهية الشعب اليهودي طاعنة في القدم تتعلّق تقليديًا بمظاهر كره الأجانب وعدم التسامح الديني بينما اللا سامية أخذت أبعادًا مختلفة واستخدمت موتيفات متنوّعة على مرّ التاريخ تغذيها وتنمّيها في الوقت المعاصر الايديولوجيات القومية المتطرفة وحتى العنصرية حيث تتجلّى اللا سامية حاليًا بمظاهرها الخطيرة في الدول العربية.

رواية مصرية لكتاب "اليهودي العالمي"

رواية مصرية لما يسمّى "بروتوكولات حكماء صهيون" (1994)   

بلغت مظاهر اللا سامية ذروتها خلال الكارثة (الهولوكوست) التي طالت حياة ستة ملايين من أبناء الشعب اليهودي وكانوا يشكّلون في حينه ثلث عدد اليهود في العالم ذبحوا بصورة وحشية ومنظّمة إبان الحرب العالمية الثانية.

بعد أن أخمدت نارها طوال عقود, رفعت معاداة السامية المعاصرة رأسها في أوروبا وتفتقت عن زخم جديد خلال السنوات الأخيرة مرتدية لباساُ جديداً عرف باسم معاداة الصهيونية أو الكراهية لدولة إسرائيل.

تشكّل الصهيونية حركة التحرير الوطنية للشعب اليهودي التي تعبّر عن تطلّعه المشروع إلى تقرير مصيره ونيل الاستقلال الوطني. كان الهدف من تأسيس الحركة الصهيونية توفير دولة سيادية لشعب قديم في وطن آبائه حيث تعتبَر إسرائيل تجسيدًا لهذا الحلم القديم.


تهدف معاداة السامية إلى تقويض شرعية دولة إسرائيل وبالتالي نفي مكانة الشعب اليهودي بين الأمم وعليه فإنّ تسويد وجه الصهيونية يشكّل اعتداء على حق إسرائيل الأساسي في الوجود دولةً متساوية مع غيرها من الدول وانتهاكًا لأحد أبسط مبادئ القانون الدولي. تعتدي معاداة الصهيونية على الشعب اليهودي باعتباره أمّة في الحلبة الدولية تمامًا كما تنفي معاداة السامية حقوق اليهود باعتبارهم أفرادًا في المجتمع. ويشابه اتهام "اليهودي" وجعله كبشَ الفداء للعديد من مشاكل المجتمع الاستنكار المبالغ فيه الموجّه لإسرائيل على الحلبة الدولية.

تلقى معاداة الصهيونية في العديد من المرّات تعبيرًا لها بمهاجمة إسرائيل في الأمم المتّحدة وغيرها من المنتديات الدولية. وقد تمّ على مرّ السنين استغلال لقاءات ومناسبات للمجتمع الدولي فرصةً لشجب إسرائيل بغضّ النظر عن الموضوع المطروح للنقاش أو وهن العلاقة مع الصراع في الشرق الأوسط, بل ليس من باب الصدفة أن يكون لوم إسرائيل في المنتديات ووسائل الإعلام الدولية مؤخّرًا قد رافقه ارتفاع حاد في عدد الأحداث اللا ساميّة في شتّى أنحاء العالم.

تؤمن إسرائيل كونها دولة ملتزمة بمبادئ الديموقراطية بأنّ الانتقاد سواء من دول أخرى أو من داخل شعبها يشكّل قوة عظيمة تحدث التغيير الإيجابي وفي الوقت ذاته يبقى الفرق واضحًا ما بين دعوات التغيير المشروعة ومحاولة نزع الشرعية عن إسرائيل من خلال تمييزها ومحاسبتها وفقًا لمعايير لا تطبَّق على دول أخرى, بما في الأمر من تجاهل للسياق الذي تناضل إسرائيل فيه مجتهدة من أجل البقاء بوجه اعتداءات عنيفة تستهدف مواطنيها ومجرّد وجودها في العديد من الأحيان.

 

صورة عن أرشيف مؤسّسة "ياد فاشيم" لتخليد ذكرى "الهولوكوست": عدد من الناجين في معسكر التجميع "بوخنفلد

ما المقصود من إنكار الكارثة (الهولوكوست)؟

تشكّل الكارثة محاولة متعمّدة ومنظّمة لإبادة جميع أبناء الشعب اليهودي وتعتبر المحاولات العصرية غير المسبوقة من حيث العدد التي تهدف إلى التقليل من حجم هذه المأساة وحتّى إنكارها إهانة لذكرى الملايين من ضحاياها.

في عام 1933 اعتلى أدولف هتلر السلطة في ألمانيا وأسّس نظامًا عنصريًا اعتبر اليهود ما دون البشر (Untermenschen) لا ينتمون إلى العرق البشري. وبعد أن بادرت ألمانيا إلى شن الحرب العالمية الثانية في عام 1939 أقدم هتلر على تطبيق "الحل النهائي" لتصفية الشعب اليهودي وأخذت قواته بتجميع اليهود في الغيتوهات وأقامت معسكرات الأشغال الشاقة والتجميع والإبادة التي نقل إليها اليهود حيث أبيد مَن اعتبر غير أهل للعمل فيما مات معظم اليهود الذين بقوا على قيد الحياة نتيجة التجويع المتعمّد والأمراض وتثبت وثائق كُشف عنها بعد الحرب أنّ هدف هتلر كان إبادة كل يهودي على وجه البسيطة.

خلال سنوات الحرب الستّ قتل النازيون ستة ملايين يهودي منهم مليون ونصف مليون طفل وأدّى المحو المتعمّد الذي قصده هتلر لليهود ونفّذ بنجاعة تقشعر لها الأبدان إلى مقتل ثلث السكّان اليهود في العالم. كانت إبادة الشعب هذه غير مسبوقة من حيث الحجم والإدارة والتطبيق في مسعى إلى القضاء على شعب بأكمله أينما تواجد أبناؤه لمجرّد أنّهم ولدوا يهودًا. لهذه الأسباب اصطلح عليها باصطلاح منفرد هو الهولوكوست.

والآن بعد مرور نحو خمسين عامًّا ينكر العديد من اللا ساميين أن تكون الكارثة قد حدثت فعلاً أو يحاولون التقليل من حجم المأساة مدّعين بأنّه كان أصغر بكثير ممّا يقدّم. كما ويسعى بعض العنصريين إلى غسل العار والشر عن جبين النازية فيما يقول البعض الآخر بأنّ دولة إسرائيل أقيمت لتعويض اليهود عن الهولوكوست محاولين من خلال إنكار الكارثة نفي حقّ إسرائيل في الوجود مما يفسّر التأييد الواسع الذي يحظون به في دول عربية. في الواقع أيّد بعض الزعماء العرب خطّة النازيين لمحو اليهود بينما اعتلى بعض الأصوات العربية مؤخّرًا يشتكي بأنّ هتلر لم يكمل مهمّته.

خلال السنوات الأخيرة لبس إنكار الهولوكوست ثوبًا جديدًا إذ إن كارهي إسرائيل الحاقدين من معسكري اليمين واليسار السياسيين يعمدون إلى مقارنة الإسرائيليين بالنازيين والفلسطينيين باليهود. لا يشكّل ذلك فرية دم مقيتة تستهدف نزع الشرعية عن مجرّد وجود إسرائيل فحسب وإنّما محاولة للتقليل من خطورة الكارثة أيضًا. المقارنة بين الحالتين اللتين لا قاسم ولا قاعدة مشتركة لهما تؤدّي إلى استنكار إسرائيل بغير حقّ إضافة إلى تقزيم معاناة ضحايا الهولوكوست.

إنكار الكارثة بشتّى أشكاله لأمر بغيض أخلاقيًا مرفوض جملة وتفصيلاً ولا يمكن ضمان عدم تكرار مثل هذه الأحداث الجلل يهودًا استهدفت أم غيرهم من شعوب العالم إلاّ من خلال الاستذكار والتوثيق وإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست.


 

خراب ودمار تركه الاعتداء على كنيس جزيرة جربة التونسية (ابريل/نيسان 2002). رويتر

لماذا سجل ارتفاع على عدد الأحداث اللا سامية؟

أسفرت الحملة الرامية إلى نزع شرعية إسرائيل عن زيادة حادةّ في عدد الاعتداءات العالمية على خلفية معاداة إسرائيل والسامية. وقد طمست تدريجيًا الحدود بين الانتقاد المشروع لإسرائيل والاعتداءات اللا سامية على أهداف يهودية.

منذ اندلاع أحداث العنف في سبتمبر/ايلول 2000 تعرّضت إسرائيل لحملة عالمية استهدفت نزع شرعيتها من هجمات متكرّرة في وسائل الإعلام وعلى المنابر الدولية والقذف والتشهير على لسان زعماء وسياسيين والتشكيك وطرح علامة الاستفهام حول مجرّد حقّها في الوجود وواجبها الأساسي بالدفاع عن مواطنيها. واجتمع في الكراهية للدولة اليهودية المتطرّفون من يسار ويمين المشهد السياسي.

تتجاوز هذه الهجمات حدّ النقد المبرّر الذي تعتبره إسرائيل بصفتها ديموقراطية نابضة جزءًا من خطاب الدول المشروع. مع ذلك من غير الشرعي لوم إسرائيل بإفراط متزايد والإشارة إليها والحكم عليها بمعايير غير معقولة لا تخضع لها أي دولة أخرى.

تعدّدت الأسباب وراء تزايد هذه الظواهر منها صلتها الوطيدة باستطاعة الفلسطينيين تسويق أنفسهم على أنهّم هم الضحايا العزل مستغلّين هذه الصورة للعب على الأوتار الحساسة لحملة راية حقوق الإنسان فيما تنتهك القيادة الفلسطينية والإرهابيون أبسط حقوق الإنسان الأساسية للإسرائيليين الأبرياء ضحايا الإرهاب ولأبناء شعبهم أيضًا. أمّا النوع الآخر من الاستنكار فيعتمد أكثر على قاعدة ايديولوجية يروّج لها عادةً مَن هم على استعداد للتغاضي عن كافة الانتهاكات الشائعة في ظل الأنظمة المستبدّة مهما كانت فظيعة وفي الوقت ذاته ينتقدون الخطوات الدفاعية التي تتخّذها دول ديموقراطية. كما وثمة دور تلعبه الاتّجاهات التقليدية اللا سامية المتلفعة بعباءة المواقف المعادية للصهيونية والأمر صحيح بالنسبة لتحيّز وسائل الإعلام والذي أصبح عنصرًا مساهمًا في نزع شرعية إسرائيل.

رافقت هذه الهجمات على شرعية إسرائيل اعتداءات على أهداف يهودية في شتى أنحاء العالم بما في ذلك أوروبا حيث اشتملت الاعتداءات اللا سامية على تفجير الكنس والمدارس اليهودية والتخريب وتدنيس المقابر اليهودية والتهديدات بالقتل والعنف ضدّ اليهود وهجمات لم يسبقها أي استفزاز كادت تنتهي بل وانتهى بعضها إلى القتل. وتقدّم عادةً جرائم الكراهية هذه التي ترتكب ضدّ الأفراد اليهود والمؤسّسات المجتمعتية على أنّها أعمال معادية للصهيونية.

والأوضاع في الشرق الأوسط حتى بالأسوأ حيث شاعت وازدادت فيه الدعاية المسمومة المعادية لإسرائيل. الخرافات المعادية للسامية ولإسرائيل التي تبثّها الحكومات في العديد من الأحيان, ومنها تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس وزراء ماليزيا مخاتير محمد, تنتشر بسهولة ويصدّقها الكثيرون من سكّان المنطقة, وقد كان للسيل الجامح من الاتّهامات الشنيعة التي لا تستند إلى أي أساس وتصدر عن ناطقين بلسان السلطة الفلسطينية الدور والتأثير الكبيرين في تصاعد موجة معاداة السامية وأحد انعكاساتها تزايد الاعتداءات على أهداف يهودية في العالم العربي ممّا أدى إلى إزهاق الأرواح, منها مثلاً قتل 12 سائحًا أوروبيًا وأربعة من السكّان المحليين العرب وآخر يهودي في الاعتداء الإرهابي الذي استهدف الكنيس اليهودي القديم في جزيرة جربة التونسية في شهر ابريل/نيسان 2002.

إسرائيل يساورها شديد القلق حيال التزايد الملحوظ الحاصل مؤخرًا على مظاهر اللا سامية التي تستهدف المجتمعات اليهودية في أوروبا وغيرها وهو ما يجب أن يثير قلق جميع الشعوب المتحضّرة. تدعو إسرائيل حكومات الدول التي تنتشر فيها رقعة المظاهر اللا سامية إلى اتّخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان سلامة المجتمعات اليهودية وتقديم مرتكبي هذه الاعتداءات المشينة للعدالة. كما لا بد من شجب التحريض المعادي للسامية سواء كان يصدر عن الأفراد أو المنظّمات وحتّى عن الزعماء.

هل يتعامل المجتمع الدولي مع إسرائيل بإنصاف؟

تشكّل دولة إسرائيل عضوًا من أعضاء عائلة الأمم ومشاركًا فعّالاً في المنظّمات الدولية. بين حين وآخر تبنّت الأمم المتّحدة قرارات توفّر قاعدة منصفة للتقدّم نحو تحقيق السلام بين إسرائيل وجاراتها ولكن في الغالب وقفت الهيئة الدولية موقفًا متحيّزًا ضد إسرائيل.

كانت إسرائيل الدولة التاسعة والخمسين التي انضمّت إلى منظّمة الأمم المتّحدة وذلك في الحادي عشر من مايو/ايار 1949 لتشارك منذ ذلك الحين في عدد كبير من نشاطات الهيئة الدولية وتساهم بصورة فعّالة في مشاريع المنظّمات والوكالات المنبثقة عنها التي تهتمّ بشؤون الصحة والتنمية والعمل والغذاء والزراعة والتربية والعلوم. بالإضافة إلى ذلك تلعب إسرائيل دورًا في نشاط المنظّمات غير الحكومية العاملة برعاية الأمم المتّحدة في شتّى المجالات بدءًا بالطيران والهجرة واستمرارًا بالاتّصالات وعلم الأرصاد الجوية وانتهاءا بالتجارة وقضايا المرأة.

ينطوي بعض قرارات الأمم المتّحدة على أهمية قصوى بالنسبة لإسرائيل ومنها نخص بالذكر قرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 1967 و338 الصادر في 22 اكتوبر/تشرين الأوّل 1973. يوفّر هذان القراران قاعدة إطار العمل المتّفق عليه لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي. كما وساهمت الأمم المتّحدة في بعض الأحيان في وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل وجاراتها العربية من خلال تعيين الوسطاء وتمديد رعاية الأمم المتّحدة لاتّفاقات الهدنة ووقف إطلاق النار ونشر قوات دولية بين الأطراف المتخاصمة.

من جهة أخرى كثيرًا ما أسيئ استخدام الأمم المتحدة وجعلها ساحة قتال منحازة عاشت حملة سياسية متواصلة شنّها خصوم إسرائيل في المنطقة حيث تحقّق الدول العربية الإحدى والعشرون مؤازرة بدعم الدول الإسلامية ومعسكر عدم الانحياز "أغلبية تلقائية" تؤيّد مبادرات تضمن تبنّي القرارات المناوئة لإسرائيل في الجمعية العمومية وغيرها من منتديات الأمم المتّحدة.

منذ انتهاء الحرب الباردة وإثر اكتساب عملية السلام بين إسرائيل والدول العربية للزخم أخذت القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بخصوص الشرق الأوسط تتّسم بموقف أكثر توازنًا إلى حدّ ما. هكذا على سبيل المثال إلغاء الجمعية العامّة في عام 1991 لقرارها السيئ السمعة والصيت بمساواة الصهيونية بالعنصرية وكان قد صدر عام 1975. بالإضافة إلى ذلك سمح لإسرائيل بزيادة إسهامها في نشاطات الأمم المتّحدة بعد قبولها في إحدى المجموعات الإقليمية مع العلم بأنّها حرمت بشكل خاص ولمدّة طويلة من المشاركة في مثل هذه المجموعة.

مع ذلك انقلب التوجّه الإيجابي وتراجع إثر اندلاع موجة الإرهاب وأعمال العنف الفلسطينية في سبتمبر 2000. سعت القيادة الفلسطينية والدول العربية ومؤيّديها من الأعضاء في الأمم المتّحدة إلى استغلال حالة الاضطراب المدفوع سياسيًا في خدمة مصلحتهم ضد إسرائيل على الحلبة الدولية, وعادت تسود مشاهد الماضي من طرح وتبنّي قرارات أحادية الجانب بشكل صارخ ضد إسرائيل. حتى الاجتماعات الدولية مثل "المؤتمر العالمي ضد العنصرية والتمييز العنصري وكره الاجانب وعدم التسامح" الذي كان قد عقد في دربن تستغلّ و"تختطف" أنظارها في بعض الأحيان لتصبح مسرحًا لضرب إسرائيل من خلال الترويج للتطرف المعادي لإسرائيل وللسامية. سوريا الدولة التي تدعم الإرهاب ومنذ أن أصبحت عضوًا في مجلس الأمن الدولي تسعى إلى استغلال هذا المنتدى كوسيلة أخرى للتحامل على إسرائيل وللأسف كثرت المرات التي يلقي فيها التحيّز السافر من جانب الأمم المتّحدة ضد إسرائيل بظلال قاتمة على استقامة الهيئة بل ويثير شكوكًا خطيرة حول قدرتها على المساهمة في تخفيف حدّة التوتر, ناهيك عن تولّي دورًا بناء في النهوض بسلام حقيقي وعادل بين إسرائيل وجاراتها العربية.

 

هل أنصف الإعلام في تغطية الصراع؟

كانت التغطية الإعلامية للصراع الشرق أوسطي تتسم في العديد من الحالات بعدم التوازن والإنصاف والتحيّز ضد إسرائيل.

تعتبر الصحافة العصرية ولا سيّما الإعلام الاكتروني وسيلة من وسائل نقل كميات هائلة من المعلومات إلى ملايين الأشخاص وتؤثّر المنافسة التجارية على سرعة ودقة تقديم هذه المعلومات الإعلامية. إلاّ أن هذه المنافسة كثيرًا ما تؤدّي إلى وصف سطحي ومبسط لواقع عادةً ما يكون مركبًا ومعقّدًا مثل الواقع السائد في منطقة الشرق الأوسط.
يؤدّي التناقض بين ضرورة تقديم التقارير حول الواقع المركّب في الشرق الأوسط  من جهة وطرح المعلومات الدقيقة في أبسط صورة (وحتى أكثرها سطحية) من جهة أخرى إلى تغطية مشوّهة وغير متوازنة وغير عادلة للقضايا التي تخصّ إسرائيل في العديد من الأحيان.

تميل وسائل الإعلام في حالات كثيرة إلى وصف موقف مركّب بالقوالب السوداء والبيضاء تقدّم إسرائيل من خلالها على أنّها تلعب دور "المحتلّ" الذي يدوس حقوق "الذين تم احتلالهم" الأمر الذي يقود بدوره تلقائيًا إلى تقديم إسرائيل على أنّها مكمن الشرّ في الشرق الأوسط.

بيد أنّ الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك والإنصاف يتطلّب النظر والتمعّن في السبب وراء وصول إسرائيل إلى وضع تحكم فيه المناطق إضافة إلى حقيقة أنّه منذ عام 1948 ما زال العالم العربي يدعو إلى القضاء على دولة إسرائيل بكل الوسائل الممكنة. للأسف يصعب نقل هذا الواقع بتشعّباته العميقة والعريضة عبر تقرير متلفز يستمرّ ثوانٍ معدودة أو عدّة دقائق في أحسن الحالات.

في الغالب توفّر تغطية الأخبار في الشرق الأوسط لمحة وجيزة لا غير حول أحداث الساعة. يمكن للمرئيات أن توفّر فكرة درامية إلاّ أنّها وفي معظم الحالات عاجزة عن تضمين المفاهيم البسيطة حول الظروف الأوسع التي عرضت فيها الصورة ممّا يعني في أحيان كثيرة نزع الأحداث من سياقها.

تشكل صورة الشاب الفلسطيني وهو يواجه دبابة إسرائيلية قصة صحفية تهيّج مشاعر مشاهدي التلفاز, تلاقي رواجاً, ولكن هذا الطرح إنّما تشويه كبير للحقيقة. فالدبابة تظهر في الصورة تمثيلاً عن "المحتلّ القوي الغاشم" وتجسيدًا للظلم المفترض أن يكون مصدر الصراع في الشرق الأوسط. ولكن الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرّد صورة تلتقط لحظة واحدة فما قبلها أو ما بعدها لا يعرفه المشاهد, بل الصورة ترافق تقريرًا يقلّل أو يغيّب تمامًا المعلومات حول الإرهاب الفلسطيني المتواصل الذي يشكّل السبب الوحيد وراء وجود الدبابة في هذا المكان أصلاً. لا تتحدّث وسائل الإعلام إلاّ قليلاً عن الإرهابيين الفلسطينيين الذي ينشطون متعمّدين من داخل المراكز المدنية. كما ولا يعرض إلاّ القليل من كيفية اختلاط الإرهابيين في صفوف السكّان المدنيين الفلسطينيين بصورة متهكّمة وباستخدام الأطفال وغيرهم من المدنيين رهائن لهم ودروعًا بشرية ينطلقون من ورائها لشنّ هجماتهم ضد الإسرائيليين الأبرياء. قليل ما يقال (إذا قيل أصلاً) حول الإرهابيين الذين يعلمون يقينًا أنّ جيش الدفاع الإسرائيلي لن يألو جهدًا تفاديًا للمساس بالمدنيين الأبرياء حتى إذا كان الثمن تعريض حياة الجنود الإسرائيليين للخطر.

من أبواب عدم التوازن في التغطية الإعلامية أيضًا أنّ ممثّلي إسرائيل لدى الإعلام الدولي يعملون في مجتمع منفتح وديموقراطي يضمن لأفراده حرّية الصحافة والتعبير, ويتمتّع الصحافيون والإعلاميون الأجانب في إسرائيل بالوصول إلى كافة المصادر الاخبارية والتعرّف على مختلف الآراء السائدة من كافة ألوان الطيف السياسي كما يجب. بعكس ذلك لا تتوفّر حرّية التعبير والصحافة في المجتمع الفلسطيني وغيره من المجتمعات في معظم الأقطار العربية حيث تتغيّب في الواقع فرصة تقديم التقارير بحرّية فيها وبالتالي تبقى محدودة جدًّا إمكانيات الصحافة الأجنبية في تقديم تقارير ذات مصداقية وموضوعية وموثوق بها.

ثمة أكثر من حالة وقعت في الماضي هدّد فيها الفلسطينيون مراسلين أجانب كانوا سينقلون تقارير عن أحداث من شأنها الإساءة إلى السلطة الفلسطينية, وفي حالات أخرى وافق فيها الفلسطينيون على منح الصحافيين نوعًا من "الحرية" لأداء عملهم شريطة أن تتوافق تقاريرهم مع الآراء والرسالة التي أراد الجانب الفلسطيني نقلها.

إنتقد الإعلام دولة إسرائيل انتقادًا شديدًا لقيامها بتقييد حرّية الفلسطينيين في التنقل ومعاناتهم بسبب الحواجز التي نصبها جيش الدفاع الإسرائيلي منذ اندلاع أعمال العنف في سبتمبر/ايلول 2000. المشاهد التي تقدّم عبر شاشات التلفاز تثير الانزعاج بالفعل إذ يظهر فيها النساء والأطفال ينتظرون وقتًا طويلاً قبل تفتيشهم أمنيًا على الحواجز, ولكن هذه التقارير لا تقدّم صورة الوضع إلاّ بشكل جزئي متجاهلةً على الأغلب السياق وحقيقة أنّ الهدف الوحيد وراء وجود الحواجز في المكان هو منع مرتكبي التفجيرات الانتحارية الفلسطينيين من وصول المراكز السكّانية المدنية الاسرائيلية. بالإضافة يتم تجاهل التزام الحكومة الإسرائيلية بالدفاع عن مواطنيها بوجه الذين انطلقوا في طريقهم وهم يقصدون تفجير أنفسهم وقتل روّاد المقاهي والمحال التجارية وغيرها من الأماكن العامّة وركّاب الحافلات الأبرياء في تل ابيب وأورشليم القدس ومدن إسرائيلية أخرى. هل تعير وسائل الإعلام وهي تركّز على تغطية الحواجز الاهتمام الواجب لحقّ المواطن الإسرائيلي بالعيش بعيدًا عن تهديد الإرهاب والموت العنيف؟ عادة يأتي الجواب سلبيًا.

من أبرز الأمثلة على التحيّز الأساسي والتوجّه غير المنصف للعديد من وسائل الإعلام الدولية تعاطيها مع المعركة الشرسة التي دارت بين القوات الإسرائيلية والإرهابيين الفلسطينيين في جنين في ابريل/نيسان 2002. لم يمر إلاّ وقت قليل عن وقوع المعركة حتى سارع معظم وسائل الإعلام الدولية إلى الاستنتاج وتقديم المعركة على أنها "مجزرة" بحقّ الفلسطينيين. كما واتُهمت إسرائيل رأسًا بتدمير مدينة جنين حيث قضت وسائل الإعلام الدولية وحكمت على إسرائيل حتّى قبل التأكّد من كافة الحقائق, أي أنّ معظم وسائل الإعلام ابتلعت كامل طعم الدعاية الفلسطينية وروايتها لما يحدث. لو استوضحت وتأكّدت من الحقائق لعلمت أنّ ما وصف أصلاً بأنّه "مذبحة" كان في الواقع معركة قتل فيها 56 فلسطينيًا السواد الأعظم منهم إرهابيون مسلّحون وكذلك 23 جنديًا إسرائيليًا. كما واتّضح أنّ ما وصف بأنّه "تدمير جنين" لم يتعدّ حجمه معركة دارت في منطقة صغيرة جدًّا أي نحو مائة متر مربّع تشكّل جزءًا يسيرًا من المدينة.

في أسوأ تجلّيات التحيُّز الإعلامي وخاصة الرسوم الكاريكاتورية السياسية وبعض العواميد الخاصة تستخدم لغة ومضامين تذهب إلى حدّ التطرّف فيما يتعلّق بإسرائيل من وضع علامة استفهام حول مجرّد شرعية إسرائيل في الوجود وحتّى التصويرات  المقولبة والرموز المعادية للسامية بما يعيد إلى الأذهان الهجمات الصحفية التي كان الشعب اليهودي قد تعرّض لها في الماضي.

ومع كل ذلك أكثر ما تميّز به تحيّز وسائل الإعلام الدولية انتهاج معايير مزدوجة تجاه إسرائيل التي ترحّب بصفتها دولة ديموقراطية الانتقاد المشروع ولكنّها تتعرّض لانتقادات إعلامية لا هوادة فيها تتجاوز كل معايير المقارنة مع ما تتعرّض له أية دولة أخرى, بحيث تتجاهل تمامًا وبدون أي مبرّر حقيقة أنّ إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًا من عدد كبير من الدول في المنطقة. هذه الدول التي لم تتّفق بعد مع وجود إسرائيل دولة يهودية أبعد ما تكون عن أبسط معايير الديموقراطية والحرّية. بالإضافة إلى ذلك توجّه وسائل الإعلام الدولية الانتقاد إلى إسرائيل على أي خطوة تقريبًا تقوم بها لمكافحة الإرهاب مع تجاهلها عادةً لحقيقة أنّ ديموقراطيات غربية أخرى لجأت إلى استخدام خطوات مماثلة بل وأكثر صرامة عندما واجهت تهديدًا على أمنها القومي وسلامة مواطنيها.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
   السياج الأمني
روابط خارجية
  The Security Fence