في يوم الغفران خرقت نيران البنادق الرشاشة الهدوء خارج الكنيس الكبير في باريس مرغمة المصلين على إلقاء أنفسهم على الأرض بحثا عن ملاذ.
في الدانمرك، أُطلقت النار على يهوديَين في مركز تجاري ببلدة أودنسي، ثم أعلن مدير مدرسة دانمركية بعد عدة أسابيع أن الطلاب اليهود لم يعد مرحبا بهم في مدرسته، ناصحا أولياء أمورهم بتسجيل أبنائهم في مكان آخر.
في السويد، أقدم مجهولون على إضرام النار في مركز ثقافي يهودي مرتين في أسبوع واحد.
في شيكاغو، حُطم زجاج نوافذ العديد من الكنس والمدارس في سلسلة غير مسبوقة من الاعتداءات اللاسامية، وغطيت بعض جدرانها بالكتابات البذيئة والبعض الآخر بالسخام نتيجة انفجار زجاجة حارقة.
في لندن، جرت محاولات لإحراق الكنس ونهب بعض المحلات التجارية. وقام عدد من الرجال بإخراج سائق سيارة من سياراته بالقوة وضربه.
ووقعت أحداث مماثلة في بلجيكا وأستراليا والبرازيل.
هذه الأحداث وقعت في سنة 2009، لا في سنة 1939، وتم ارتكاب الكثير من تلك الاعتداءات باسم العدالة للفلسطينيين، ومن أجل إحلال "السلام" في الشرق الأوسط، ومن أجل الدفاع عن "الخاسر"، ومن أجل الاعتداء على اليهود!
في سنة 1914 بدأ المؤرخ الروسي سولومون لوريا بإجراء بحث تمهيدي لتأليف كتاب يدور حول اللاسامية في العصور القديمة. وفي مقدمة الكتاب، يروي البروفسور لوريا، أنه في أعقاب ثورة أكتوبر توقف عن إجراء البحث، شعورا منه بأن موضوعه لن يعود يهم القراء المعاصرين في عهد جديد من المساواة الاشتراكية. غير أنه بعد ذلك بثلاثة أشهر، وحين لاحظ بأن حياة يهود روسيا لم تتغير، استأنف العمل على تأليف الكتاب.
هذه الرواية تبدو حقيقية اليوم.
فإذا كان لم يعد جائزا إعلان كراهية اليهود على الملأ، فإن على المعادي للسامية البحث عن أشكال ومحافل جديدة لينفث فيها سمومه. وإذا كان لم يعد من اللياقة السياسية كره اليهود نهارا جهارا، فإن اللاسامي قد نجح في تعليب حقده بما مكنه من نيل دعم الأكاديميين والمنافذ الإعلامية، بل والأحزاب السياسية أيضا.
لا تدَعوا مقولة أن شرور اللاسامية تراجعت تنطلي عليكم، فكل ما في الأمر هو أن اللاساميين تمكنوا من تعليب كراهيتهم في أوعية أكثر استساغة من الناحية السياسية. ولم يعد المستهدف هو الفرد اليهودي أو حكماء اليهود الذين "تسببوا في نشوب الحروب والانهيار الاقتصادي". إنها إسرائيل، دولة اليهود، التي جرّت الحروب والمآسي على العالم.
وفيما كان اليهود يوصفون في السابق بالمتعطشين للدماء والفاسدين أخلاقيا وقتلة الأطفال الرضّع، فإن هذه الأوصاف لم تعد مستساغة عند الكثيرين بعد الحرب العالمية الثانية، لذلك تم إعادة تأطير الهجمة وإعادة صياغتها.
لم يعد ثمة يهود، بل هناك إسرائيليون. والجنود الإسرائيليون يقتلون الأطفال الرضع والجنود الإسرائيليون يعتدون على الأمهات الحوامل، والإسرائيليون هم من أشعل حربي العراق وأفغانستان.
إن إسرائيل, كدولة, لم تخضع للمحرقة، ولا تم ترحيل الإسرائيليين وإرغامهم على تغيير ديانتهم وإبعادهم واستعبادهم. وعليه، فإنك لو هاجمت إسرائيل، لن تكون قد ضايقت الضعيف. لقد حوّل اللاساميون إسرائيل الصغيرة إلى جالوت العملاق، وهو ما يجيز لك كراهية إسرائيل وكراهية الإسرائيليين دون أن توصف بمعاداة السامية، بل فضلا عن حصولك على إجازة بالكراهية، يجوز لك ممارسة العنف وضرب السلام وخرق حقوق الإنسان ما دمت تبغض دولة إسرائيل.
وقد علق القس مارتن لوثر كينغ على تشويه الحقيقة هذا حين رأى هذا النهج النور قبل 40 عاما أو يزيد، إذ قال:
"إن معاداة الصهيونية هي عين معاداة السامية، وستظل كذلك إلى الأبد... ولماذا؟ لأن الصهيونية ليست إلا حلم الشعب اليهودي ومثله الأعلى في العودة للحياة في وطنه... كل من يثمّن هذا الحق غير القابل للنفي لجميع البشر – حق تقرير المصير- عليه تفهم ودعم حق الشعب اليهودي في وطنه القديم، وعلى جميع ذوي النية الحسنة الابتهاج بتحقق الوعد الإلهي بعودة شعبه وبكل فرح وبهجة لإعادة بناء أرض إسرائيل".
"ما معنى أن تكون معاديا للصهيونية؟ إن معناه حرمان الشعب اليهودي من حق أساسي نعطيه جميع الشعوب الأخرى في العالم، أي التمييز ضد اليهود لمجرد كونهم يهودا، وهو باختصار معاداة السامية".
كلما أكون في الخارج، أسمع المرة تلو الأخرى الجملة التالية: يجب إنشاء دولة للشعب الفلسطيني، أما الدولة التي أنشئت للشعب اليهودي فهي دولة عنصرية من أصلها ويجب إزالتها. ولا أعلم ما إذا كانت جملة واحدة قد تضمنت يوما حجة أكثر تناقضا ولا-عقلا ولا-منطقا من تلك الجملة التي تعني أن الفلسطينيين شعب، وهم يستحقون دولة، أما اليهود فهم شعب أيضا، ولكن لا يجوز السماح لهم بأن تكون لهم دولة.
علينا أن نكرر دون انقطاع الحقائق الأساسية التالية: أن تكون معاديا لإسرائيل معناه أنك معاد للسامية، ومقاطعة إسرائيل والأساتذة الإسرائيليين والأعمال التجارية الإسرائيلية ليست فعلا سياسيا، بل هي فعل حاقد وفعل لاسامي!
إن هستيريا معاداة إسرائيل هي هستيريا معاداة السامية، وهما الشيء عينه.
أنظروا إلى الواقع الذي يجابهه الإسرائيليون حين يشاركون في الأحداث الرياضية ويلقون المحاضرات في الاجتماعات التجارية والعلمية، حيث يضطرون إلى أن يتعرضوا بشكل متزايد، وفي كل من السويد وتركيا وبريطانيا وحتى الولايات المتحدة، لعداء الحضور بل لعنفهم، لدرجة تلزم تدخل الشرطة لحمايتهم.
يجب ألا نتردد في فضح هذه الكراهية على حقيقتها، فهي شكل عنيف ودنيء من أشكال كره الأجانب، يعبر عن نفسه من خلال العنف والاستهزاء والإقصاء. إنه موجه نحو الأجنبي، نحو المختلف في مظهره وكلامه أو صلاته.
لقد جمع هذا المنتدى الرسميين المنتخبين من عشرات البلدان، والملتزمين بالتغيير ودفع التشريعات في بلدانهم باتجاه التغيير. ولكن هل يكفي التشريع السليم؟ هل في التشريع ما يغير المواقف ويرغم المتطرفين على التفكير في العوامل الأساسية الكامنة وراء كراهيتهم؟
لقد سئلت عن سبب اشتراك البرلمانيين من غير اليهود في هذا المنتدى. هل علينا أن نشكرهم؟ لست متأكدا من حاجتنا لذلك، لكون أفعالهم أكثر بلاغة بكثير من كلامهم. إن التزامهم بالمساواة وبعالم خال من الكراهية سينعكس خيرا على بلدانهم وعلى سائر البلدان الديمقراطية في العالم.
جاء في سفر حزقيال: "فان رأى الرقيب السيف مقبلا ولم ينفخ في البوق ولم يتحذر الشعب فجاء السيف واخذ نفسا منهم فهو قد أخذ بذنبه أما دمه فمن يد الرقيب اطلبه". لا يمكننا انتظار السيف حتى يهوى على الرقاب، فقد أعلن اللاساميون في أوروبا وأمريكا وفي أنحاء الشرق الأوسط ما يخططونه ليهود إسرائيل.
لا يكفي مجرد الرد على أفعال اللاسامية، بل علينا اتخاذ موقف أكثر استباقية.
إنني آمل في أن يتمكن هذا المنتدى من صد الموجة المتعاظمة للاسامية الجديدة، والتي عرّفها الحاخام الأكبر لبريطاني بأنها "التمييز ضد اليهود كشعب، ففي حين تمثلت اللاسامية القديمة في التمييز ضد اليهود كأفراد، تعبر اللاسامية الجديدة عن نفسها من خلال كره إسرائيل، ولكن المنطق هو هو: الاعتداء على ما ينظر إليه كنواة الحياة اليهودية".
بعد مرور أربعة عقود على حرب الأيام الستة (حرب 1967)، يؤْثر أعداء إسرائيل تفادي الخوض في معركة مباشرة مع الدولة اليهودية، حيث تتستر إيران وراء وكلائها المسلحين من حماس وحزب الله واللذين يتستران بدورهما وراء النسوة والأطفال، واثقين بأن إسرائيل سوف تتردد في الرد بالنار على المسلحين الذين يستخدمون الأبرياء كدروع بشرية.
ويعمل الداعمون الأجانب للتطرف الإسلامي على تشويه سمعة إسرائيل على المستوى الشعبي، وأرجو أن يكون هؤلاء الناشطون جاهلين بما يدعمونه حين ينزلون للشوارع نيابة عن حماس وحزب الله، فإنهم في الحقيقة يدعمون الإرهابيين ويدعمون تطبيق شرائع الإسلام التي تنفي حقوق الأقليات والنساء. ثم إن تلك الاجتماعات الحاشدة تنتهي إلى العنف المرة تلو الأخرى، وتنتهي إلى تحطيم نوافذ الكنس أو نهب محل تجاري أو ضرب أحد اليهود.
ويسرني إعلامكم بإحداث وزارة خاصة في إسرائيل قبل نصف سنة، نأمل أن تمكّننا من مضاعفة جهودنا لمحاربة اللاسامية. وسوف تعمل وزارة الإعلام والشتات بكل همة ونشاط على توسيع دائرة المتعاملين مع هذه القضية، وسوف نبذل كل مستطاع لبناء التحالف البرلماني الدولي لمحاربة اللاسامية، ما يسمح لنا بالوقوف سوية كتفا إلى كتف في ساحة النضال ضد اللاسامية.
أقول ختاما إنه لا يمكن تحديد تأريخ اختفاء اللاسامية، ولكن علينا نذر أنفسنا للقضية، فمن واجبنا الأخلاقي أن نثقف أولادنا بشرور اللاسامية والكراهية الحمقاء.
أدعو كلا منا إلى الجلوس مع أولادنا لنتحدث معهم عن اللاسامية ولنشرح لهم أن كره أي إنسان أمر خاطئ، وأن كره أي دولة خاطئ هو الآخر.
يجب أن يكون هدفنا غرس الحب واللطف والتفهم في قلوب شبابنا، لينشؤوا في عالم تحتضن فيه البشرية جمعاء ما هو مختلف – في عالم تعتبر فيه الألوان الحيوية والثقافات الحيوية لَبِنات نحتاج إليها في بناء عالم أفضل.