أثار الجدل الحديث حول رفع حظر الحرمان عن ريتشارد وليامسون وزميله الأسقف من جمعية القديس بيوس العاشر، أثار الانطباع بأنه قد يكون هناك تراجع في الفاتيكان فيما بتعلق بالتزام الأخير تجاه العلاقات الكاثوليكية اليهودية بخاصة محاربة اللاسامية. غير أن التصريحات الصادرة عن سكرتارية دولة الفاتيكان، ثم عن البابا نفسه، مؤخراً أثناء استقباله وفد اللجنة الثنائية للحاخامية الرئيسية في إسرائيل وهيئة المقام البابوي للحوار الديني مع اليهود، أوضحت بأن ليس هناك ما هو أبعد عن الحقيقة من هذا الانطباع.
لقد أوضح الفاتيكان والبابا بأن رفع حظر الحرمان لا يعني إعادة هذين الأسقفين للكنيسة إلى أن يؤكدا تعاليم مجلس الفاتيكان الثاني التي تشمل التعاليم الإيجابية عن اليهود واليهودية.
لكن فوق ذلك كله، لم يؤكد البابا رفض الكنيسة المطلق للاسامية وإنكار المحرقة (الهولوكوست) فحسب، بل كرر التأكيد على أهمية ثقافة الهولوكوست وكرر بوجه خاص التزامه العميق بالاستمرار في طريق سلفه في دفع عجلة العلاقات الكاثوليكية اليهودية.
إن من يعرفون سجل البابا بنديكتوس السادس عشر لن يدهشهم هذا أبداً.
لقد كان أول بابا يدعو زعماء يهود للمشاركة في تشييع جنازة البابا يوحنا بولص الثاني، وفوق ذلك كله، دعاهم للمشاركة في الاحتفال بتسلمه عرش القديس بطرس عام 2005.
وبعد ذلك بأكثر من شهر بقليل، استقبل وفداً من اللجنة اليهودية الدولية للمشاورات بين الأديان. ان هذه الهيئة المظلة، التي تضم منظمات المناصرة اليهودية الرئيسية وكذلك التيارات الرئيسية لليهودية المعاصرة، هي الشريك الرسمي لهيئة المقام البابوي للعلاقات الدينية مع اليهود. وتجدر الإشارة إلى أنه استقبل هذا الوفد اليهودي فوراً تقريبا في الحاضرة البابوية، حتى قبل أن يستقبل وفوداً من هيئات تمثل فروعاً أخرى من المسيحية، ناهيك عن ديانات أخرى.
لقد أعلن في هذا اللقاء، "في السنوات التي أعقبت المجلس [المسكوني الثاني للفاتيكان]، اتخذ سلفاي البابا بولص السادس، وبطريقة خاصة، البابا يوحنا بولص الثاني، خطوات هامة نحو تحسين العلاقات مع الشعب اليهودي. وقد عقدت العزم على مواصلة السير في هذه الطريق". زد على ذلك، بأن مكان العبادة الأول لطائفة دينية أخرى زاره البابا بنديكتوس السادس عشر كان الكنيس في كلن، حيث زاره في آب / أغسطس 2005 أثناء رحلته إلى ألمانيا في يوم الشباب العالمي.
في تلك المناسبة، أشار إلى اللقاء الآنف الذكر قائلا : "اليوم أود أن أؤكد على أنني عقدت العزم على مواصلة السير بقوة كبيرة على الطريق نحو علاقات وصداقة أفضل مع الشعب اليهودي، في أعقاب القيادة الحاسمة التي خطها البابا يوحنا بولص الثاني". في كلا المناسبتين أوجز المزيد من تفكيره حول طبيعة وهدف هذه العلاقة، وبينما أقر بالماضي المأساوي وندد بمعاودة ظهور اللاسامية، أكد بأن "الإرث الروحاني الذي يحمله المسيحيون واليهود هو ذاته مصدر الحكمة والإلهام القادرين على هدايتنا نحو مستقبل مفعم بالأمل وفقا للخطة الالهية. وفي الوقت ذاته، نظل نذكر الماضي بالنسبة لكلا المجتمعين واجبا أخلاقيا ومصدراً للتطهر في جهودنا للصلاة والعمل من أجل المصالحة والعدل والاحترام والكرامة الإنسانية، ومن أجل ذاك السلام الذي هو في النهاية هبة من الرب ذاته. إن هذه الاهمية، بطبيعة ذاتها، يجب أن تشمل التأمل المتواصل في المسائل اللاهوتية والأخلاقية التاريخية العميقة التي خلفتها تجربة المحرقة (الكارثة).
وفي السنة الأولى من توليه الكرسي البابوي، واصل البابا بنديكتوس لقاء مجموعة منظمات يهودية وزعماء يهود منهم حاخامات إسرائيل الرئيسيين وحاخام روما الأكبر. وعند استقباله حاخام روما أعلن قداسة البابا قائلا: "إن الكنيسة الكاثوليكية صديق مقرب منكم. نعم، إننا نحبكم ولا يمكن إلا أن نحبكم، بسبب الآباء؛ ومن خلالهم أنتم أخوة أعزاء جداً ومحبوبون لدينا" وأعرب البابا كذلك عن امتنانه لحماية الرب للشعب اليهودي التي ضمنت بقاءه على قيد الحياة عبر التاريخ:
"أنقذ شعب إسرائيل من أيدي أعدائه في مناسبات متكررة وفي القرون التي سادتها اللاسامية وخلال المحرقة المأساوية، كانت يد العليّ القدير تحفظهم وتهديهم". وقد تكرر ذكر هذه الأفكار في كتابات جوزيف راتزينغر. ففي كانون أول / ديسمبر عام 2000 في مقالة بعنوان "ميراث إبراهيم: هبة عيد الميلاد" التي نشرتها اوسرفاتور رومانو، كتب يقول: "إبراهيم، أبو شعب إسرائيل وأبو العقيدة، أصبح مصدر البركة، لأن فيه "ينبغي أن تسمي جميع العائلات على وجه الأرض نفسها مباركة". ولذا فإن مهمة الشعب المختار هي تقديم هبة ربهم، الإله الواحد لجميع الناس. والواقع إننا كمسيحيين ورثة عقيدتهم في الإله الواحد. ولذا فإن شكرنا يجب أن يقدم لإخواننا وأخواتنا من اليهود الذين تشبثوا، رغم المشقات التي حفل بها تاريخهم، بعقيدة هذا الإله حتى وقتنا الحاضر ومن يشهدونه..." في هذه المقالة ذاتها عالج الكاردنيال راتزينغر آنذاك مسألة اللاسامية ومدى ارتباط المسيحية بها. يقول: "عبر تاريخ المسيحية بأكمله، ازدادت العلاقات المتوترة تدهوراً، لدرجة أنها تمخضت حتى في حالات عديدة عن مواقف مناهضة لليهودية أدت عبر التاريخ إلى أفعال عنف مؤسفة، حتى ولو تم تكريس أحدث تجربة مقيتة للكارثة باسم أيديولوجية معادية للمسيحية حاولت ضرب العقيدة المسيحية في جذورها الإبراهيمية في شعب إسرائيل، فانه لا يمكن إنكار حقيقة أن مقاومة معينة غير كافية لهذه الفظاعة من جانب مسيحيين يمكن تفسيرها بحاضر موروث معاد لليهودية في قلوب عدد غير قليل من المسيحيين".
إن التنديد باللاسامية يشمل وصف النازية بصفة لا يشترك فيها الجميع. كرر البابا هذه الفكرة عندما زار موقع معسكرات الإبادة في أوشفيتس – بركناو في أيار/مايو 2006.
في وصفه لنوايا النازية صرح قائلا: "في قرارة نفوس هؤلاء المجرمين الشرسين، أرادوا محو هذا الشعب من الوجود، قتل الله الذي دعا إبراهيم، والذي تكلم في سيناء وأرسى المبادىء ليكون هاديا للبشرية، وهي مبادىء أزلية. فإذا كان هذا الشعب، لمجرد وجوده في حد ذاته، شاهداً على الله الذي كلم البشرية وضمنا إليه، فإن ذلك الإله يتعين في النهاية أن يموت على أن تتبع السلطة للإنسان وحده وإلى أناس ظنوا أنهم بالقوة جعلوا من أنفسهم سادة العالم. بتدمير إسرائيل، وبالكارثة، أرادوا في نهاية المطاف انتزاع جذر العقيدة المسيحية واستبدالها بعقيدة من بنات أفكارهم".
بينما قد يتجادل كثيرون مع تحليل البابا بنديكتوس السادس عشر، فإن من المؤكد أنه لا يمكن أن تكون هناك حجة أقوى للمسيحيين لتجنب كل الحقد اللاسامي من الحجة التي قدمها في تصريحاته.
إن من المهم شجب اللاسامية كشر ومن الملفت للنظر التنديد بها "كإثم ضد الله والإنسان" مثلما فعل البابا يوحنا بولص الثاني (كلمات كررها البابا بنديكتوس السادس عشر نفسه). لكن وصف اللاسامية كعدوان على جذور المسيحية ذاتها يعني بأن المسيحي الذي، يكن عاطفة كهذه إنما هو يهاجم ويخون عقيدته/ها، وهذه رسالة ذات أهمية تربوية في الكفاح ضد الكراهية الموجهة لليهود واليهودية.
وكما أشرنا، يرى بنديكتوس السادس عشر الكنيسة بأنها تتمتع بعلاقة خاصة وفريدة في الحقيقة مع الشعب اليهودي. ولا مناص من أن يأخذ هذا في الحسبان التأكيدات المركزية للعقيدة اليهودية وللهوية اليهودية المعاصرة. في هذا الخصوص يتمتع البابا بفهم عميق لأهمية دولة إسرائيل للشعب اليهودي. وبوصفه الكاردينال راتزينغر، كان عضوا في اللجنة الخاصة للمقام البابوي التي راجعت وخولت إقامة علاقات كاملة بين إسرائيل والفاتيكان.
من بين أصدقائه المقربين لسنوات عديدة (ومنهم المرحوم رئيس بلدية أورشليم القدس تيدي كوليك) البروفيسور تسفي فربلوسكي، أحد الرواد الإسرائيليين اليهود في حوار الأديان. اتصل الكاردينال راتزينغر آنذاك هاتفيا بفربلوسكي في أورشليم القدس ليعبر عن بهجته حول هذا التطور، واصفا إياه بأنه ثمرة عمل مجلس الفاتيكان المسكوني الثاني.
لم يرق الدور المركزي الذي تقوم به إسرائيل في مجال الهوية اليهودية التاريخية والمعاصرة، للجميع في الكنيسة. لكنه يروق للبابا بنديكتوس السادس عشر، الذي يدرك تماما بأن العلاقة بين الفاتيكان ودولة إسرائيل مرتبطة بصورة لا انفصام لها مع العلاقة بين الشعب اليهودي والكنيسة الكاثوليكية.
لا يخلو هذا، طبعا، من تعقيدات خاصة به من حيث مصالح الكنيسة المحلية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية ومصالح المقام البابوي داخل العالم العربي والمجتمع الإسلامي إجمالا. إذ من الواضح بأن هذه المصالح المتضاربة تتأثر غالبا وبصورة كبيرة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وبناء على ذلك، فإن موضوع الصلاة من أجل السلام في الديار المقدسة ظل يتكرر في مواعظ وخطب البابا مبينا بأن سلاماً كهذا سيكون مصدر بركة ليس لشعوب وديانات هذه الأرض فحسب، بل للعالم أجمع. والحقيقة هي أن البابا بنديكتوس السادس عشر أشار مراراً وتكراراً إلى ضرورة أن يقوم اليهود والمسيحيون بالصلاة والعمل معا لتحقيق هدف السلام في العالم بأسره.
في لقائه مع الوفد الذي سبق ذكره مع حاخامية إسرائيل الرئيسية، بزعامة الحاخام الأكبر شئار يشوف كوهين، أعرب البابا عن أمله بأن تحقق زيارته القادمة لإسرائيل تقدما في العلاقات الكاثوليكية – اليهودية وأن تحقق التقدم أيضا في عملية السلام بالبلاد وما وراءها. وبينما يشاركه جميع أصحاب النوايا الحسنة في ذلك الأمل، فإن الوضع الراهن على الأرض سيثير الشكوك في نفوس الكثيرين من حيث جدواه الحالية. غير أنه ما من شك بأن زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر، ستساهم مساهمة كبرى في دفع التحول التاريخي إلى الأمام في زماننا الذي تقوم فيه العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والشعب اليهودي.
___________
الكاتب، الحاخام الرئيسي في إيرلندا سابقا، ويرأس دائرة الشؤون الدينية البينيه في اللجنة اليهودية الأمريكية وهو المستشار الفخري حول علاقات الأديان لدى الحاخامية الرئيسية بإسرائيل.