التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
 نشرتنا الإخبارية
   
 
التواصل     علاقات ثنائية     الكرسي الرسولي     وقع زيارة قداسة البابا يوحنا بولص الثاني لاسرائيل عام 2000

وقع زيارة قداسة البابا يوحنا بولص الثاني لاسرائيل عام 2000

10 أيار / مايو 2009

بقلم: الحاخام دافيد روزين

كانت للزيارة البابوية التاريخية لإسرائيل وللمنطقة عام 2000 العديد من الأبعاد. علاوة على رحلة الحج الشخصية التي يقوم بها قداسة البابا، فإنه يسعى من وراء زيارته إلى تثبيت وتعزيز دعائم التواجد المسيحي في الديار المقدسة. وكانت هناك قضايا علاقات مسيحية داخلية وعلاقات مسيحية – إسلامية يجب تناولها؛ كما انطوت الزيارة أيضا على رغبة البابا في دفع عملية السلام التي استلزمت لا محالة الأخذ بعين الاعتبار المصالح القومية المختلفة، وتطلعات وادعاءات الأطراف المعنية.
لكن مما لا ريب فيه هو, أن الناحية الكاثوليكية اليهودية للزيارة كانت مركزية بالنسبة لنوايا قداسة البابا بولص الثاني وقد أظهرتها وسائل الإعلام العالمية وفقا لذلك بالتأكيد. وفي هذا السياق بوجه خاص، شهدنا براعة البابا بولص الثاني في الاستفادة من قوة الصورة المرئية التي استغلها استغلالا طيبا أثناء رحلته البابوية. ولا يعني هذا أبدا التقليل من جوهر وأهمية التصريحات التي صدرت عنه والوثائق التي صدرت عن الفاتيكان والتي سأشير إليها؛ لكنني سـأوضح بأن البابا يوحنا بولص الثاني قدر حقيقة أن الصورة المرئية تمكن الرسالة من الانتقال إلى مدى ودرجة أكبر. ولذلك, فإنه عندما زار الكنيس الكبير في روما عام 1986، كان معظم ما قاله قد أعرب عنه في السابق. وعلى الرغم من ذلك، فإنها عندما "شوهدت"، "سمعت" أيضا في العالم بأسره بدرجة لم يسبق لها مثيل.
 وعلى غرار ذلك، فإن نبذ اللاسامية التي استنكرها المرة تلو الأخرى باعتبارها إثما ضد الله والإنسان؛ وتضامنه مع المعاناة اليهودية وخاصة في الهولوكوست النازية (الكارثة)؛ وتعبيره عن الندم على العداء المسيحي والعنف تجاه اليهود في الماضي؛ وتفهمه لما تعنيه إسرائيل بالنسبة للشعب اليهودي, وبالتالي أهمية إقامة علاقات كاملة بين الحبر الأعظم ودولة إسرائيل في سياق المصالحة الكاثوليكية مع الشعب اليهودي، كل ذلك تم قبل الزيارة البابوية إلى إسرائيل. غير أن صور البابا في مؤسسة "ياد فاشيم" لتخليد ضحايا الهولوكوست النازية (الهولوكوست) وعند حائط المبكى، وكذلك الاستقبال الرسمي الذي أجرى له في مطار بن غوريون وفي مقر رؤساء دولة إسرائيل، كل ذلك نقل إلى العالم بأسره واقع هذا التحول المدهش في تعاليم ومواقف الكنيسة الكاثوليكية تجاه الشعب اليهودي، بشكل لم يسبق له مثيل.
جدير بالذكر، بوجه خاص، ذلك الأمر الذي تركته تلك الصور وصور أخرى غيرها على شعب إسرائيل. فالإسرائيليون اليهود لا يعيشون في بيئة مسيحية كما أنهم لا يلتقون بمسيحيين عصريين بطبيعة الحال. وحتى عندما يسافر الإسرائيليون إلى خارج البلاد، فإن مقابلاتهم مع غير اليهود تكون في أغلب الأحيان مع غير اليهود وليس مع مسيحيين. ولما كانت المسيحية غير ذات صلة أساسا بالغالبية العظمى منهم، فإن الصور التي يحملونها معهم تكون بصورة رئيسية مأخوذة من الماضي المأساوي. وبالتحديد, فإنه نظرا لقلة معرفة الإسرائيليين بالتغييرات التي حدثت خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية، فإن الزيارة البابوية دفعت الكثيرين إلى اكتشاف الحقيقة, ليس أن الكنيسة الكاثوليكية لم تعد تكن العداء لليهود فحسب، بل أنها تسعى إلى إقامة علاقة احترام إيجابية مع الشعب الذي وصفه البابا يوحنا بولص الثاني بأنه: "أخوة الكنيسة الكبار, الأحبة الأعزاء أصحاب العهد الأصلي الذي لم يفسخه الله قط".
هذا الواقع الذي اكتشفه معظم الإسرائيليين فقط نتيجة للزيارة البابوية، إنما هو بطبيعة الحال حصيلة تحول ملفت للنظر في المواقف والتعاليم الكاثوليكية... فقد دأبت المسيحية في غالبيتها، عبر التاريخ، على إظهار اليهود كشعب رفضه الله، لتحل محله الكنيسة، وقضى عليه الله بأن يعاني وأن يتيه لإخفاقهم في الاعتراف بدعوى العقيدة المسيحية، وكان هذا الموقف هو السبب الكامن وراء عداء الكنيسة الكاثوليكية لفكرة عودة الشعب اليهودي إلى موطن أجداده لإعادة تأسيس سيادته هناك.
بينما كان لروح البحث العلمي الحديث صلة باتجاهات جديدة ظهرت في أوائل القرن تجاه إعادة تقييم التعاليم الكاثوليكية بشأن اليهود، فقد كان لوقع الهولوكوست النازية (الهولوكوست) والالتزام الشخصي للبابا يوحنا الثاني والعشرين كلاهما الأثر الذي أدى إلى الانسلاخ الراديكالي عن هذا اللاهوت الماضي، ومما لا شك فيه أنه كان متأثرا بخبراته أثناء الحرب العالمية الثانية وبمواجهاته الشخصية حول هذا الموضوع وبخاصة مع جولس آيزاك.
وبناء عليه كانت هذه إحدى القضايا المركزية التي سعى يوحنا الثاني والعشرين، من بين ما سعى إليه، إلى معالجتها في عقد المجلس المسكوبي الثاني للفاتيكان. ونتيجة لذلك، فإن الوثيقة المعروفة باسم "نوسترا ايتاتي" (وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح), والتي أعلنت عام 1965، رفضت رفضا قاطعا "تعاليم الاحتقار" تجاه الشعب اليهودي واليهودية وأدخلت "الثورة الإيجابية" في تعاليم الكنيسة بخصوص الشعب اليهودي واليهودية، والتي استمرت طوال أكثر من ثلاثين سنة. في هذه الوثيقة، رفضت الكنيسة فكرة اشتراك اليهود ومسئوليتهم المستمرة عن موت يسوع؛ وأكدت الوثيقة العهد الرباني مع الشعب اليهودي كعهد أبدي لا ينفصم؛ ونددت الوثيقة باللاسامية.
منذ صدور وثيقة "نوسترا ايتاتي" عمل الفاتيكان، والبابا يوحنا بولص بوجه خاص، على تعميق عملية المصالحة الكاثوليكية مع الشعب اليهودي مؤكدا على الرابطة الخاصة معه ومنددا بعبارات لا لبس فيها تدين اللاسامية، وفي العام 1990، أكد البابا أيضا الإعلان الذي صدر في براغ من قبل الكاردينال كاسيدي، رئيس هيئة الفاتيكان للعلاقات الدينية مع اليهود، من أن "حقيقة إيجاد اللاسامية مكانا لها في التعاليم والفكر المسيحي، يتطلب التوبة (تشوفاه) من جانبها". وفي العام ذاته، عند استقباله أول سفير لألمانيا المتحدة، قال البابا يوحنا بولص الثاني "بالنسبة للمسيحيين يجب أن يظل العبء الثقيل للشعور بالذنب نتيجة لمقتل الشعب اليهودي، دعوة دائمة للتوبة؛ وبذا نستطيع أن نتغلب على كل شكل من أشكال اللاسامية وأن نقيم علاقة جديدة مع الأمة المتجانسة معنا في العهد القديم.
من بين معالم الفاتيكان الملفتة منذ صدور أل "نوسترا ايتاتي"،  تلك الخطوط الإرشادية الصادرة في العام 1975 التي أسهبت في شرح ما سبق، والوثيقة التي تحمل عنوان الرابطة المشتركة: مسيحيون ويهود – ملاحظات للوعظ والتعليم، الصادرة عام 1985 عن الهيئة البابوية للعلاقات الدينية مع اليهود. فقد تم الاعتراف، ولأول مرة في وثيقة رسمية للفاتيكان، بأهمية دولة إسرائيل بالنسبة للشعب اليهودي وبهويتها الذاتية، والحقيقة هي أن البابا يوحنا بولص الثاني كان قد عبر عن اعترافه الشخصي بمركزية إسرائيل بالنسبة لليهود في رسالته الرسولية "الفداء" (20 نيسان / أبريل 1984) وعلى غرار ذلك في خطابه أمام زعماء الجالية اليهودية في ميامي (11 أيلول / سبتمبر 1987) عندما أعلن أنه... "بعد الإبادة المأساوية في الكارثة (الهولوكوست)، بدأ الشعب اليهودي فترة جديدة في تاريخه.
إن لهم الحق في وطن كأية أمة مدنية، وفقا للقانون الدولي [وهو ما نسعى إليه] للشعب اليهودي الذي يعيش في دولة إسرائيل..." وفي العام 1994 (في مقابلة مع مجلة باريد)، أعلن بأنه "يجب أن يكون مفهوما بأن اليهود الذين تشتتوا طوال آلاف السنين بين أمم العالم قرروا العودة إلى أرض أجدادهم. وهذا حقهم!".
بناء عليه، كان تطبيع العلاقات بين الكرسي الرسولي ودولة إسرائيل أمراً مطلوبا منطقيا منذ زمن طويل كمحصلة طبيعية لهذه التغييرات العميقة في اللاهوت والمواقف. علاوة على ذلك، وطوال سنوات عديدة قبل إقامة علاقات دبلوماسية، أعلن الكرسي الرسولي بصورة قاطعة بأنه لا توجد حواجز ثيولوجية تحول دون تطبيعه الكامل للعلاقات الدبلوماسية مع دولة إسرائيل.
غير أن ما أعاق الفاتيكان بهذا الخصوص هو أن للكنيسة طوائف ومؤسسات وموجودات في المجتمعات العربية والإسلامية، مما أدى إلى خشية الكنيسة من رد فعل عنيف لأي تقارب مع دولة إسرائيل.
فتحت عملية السلام في الشرق الأوسط والتي بدأت بعد حرب الخليج عام 1991 فرصا جديدة أمام العلاقات الثنائية. ففي المؤتمر الصحفي للإعلان عن تأسيس الهيئة الثنائية الدائمة بين المقر البابوي ودولة إسرائيل في صيف عام 1992، قال الناطق باسم الفاتيكان جواكين نافارو فالس رداً على سؤال: "العرب ومنهم الفلسطينيون يتحدثون مع الإسرائيليين، فلماذا لا نتحدث معهم نحن أيضا!" وتبعا لذلك لم يعد هناك خوف من رد الفعل العربي, وكان لدى الفاتيكان العديد من الأسباب الوجيهة التي تدعوه إلى الرغبة في دفع عجلة العلاقات الرسمية مع إسرائيل.
وفضلا عن إبداء أصالة إصراره على أنه لم تعد هناك عوائق ثيولوجية تحول دون قيام علاقات كاملة مع دولة إسرائيل، كان مقر الحبر الأعظم يرغب في أن يكون ممثلا في المفاوضات حول مستقبل المنطقة التي سيكون لها أثر على مصالحه، مثل: ما يتعلق بأورشليم القدس، وكذلك من أجل دفع مصالح طوائفه في الديار المقدسة. أثمرت مفاوضات الهيئة الثنائية عن توقيع الاتفاق الأساسي بين دولة إسرائيل ومقر الحبر الأعظم في نهاية العام 1993، مما تمخض عن تبادل السفراء. وقد تم تسهيل هذه المهمة بجزء غير يسير نتيجة للثقل الشخصي الذي أضفاه اعترافه بأهمية المصالحة الكاثوليكية اليهودية مثلما ورد في ديباجة الاتفاقية الأساسية ذاتها.
وبينما كان هذا يعني حقبة جديدة من الحوار الإسرائيلي الفاتيكاني، كانت هناك لجنة اتصال يهودية كاثوليكية دولية رسمية (آي إل سي) تعمل سلفا طوال عقدين ونصف. وقد رأى الشركاء اليهود كهدف رئيسي لهم في هذا الإطار العمل على التأكد من أن التغييرات التي طرأت على اللاهوت الكاثوليكي سيتم إدخالها وتطبيقها على صعيد عالمي في البرامج والسياسة التعليمية الكاثوليكية، لمحاربة مناهضة اليهودية واللاسامية. ورأوا كذلك بأن من مسئوليتهم إقناع الكرسي الرسولي بأهمية إقامة علاقات كاملة مع دولة إسرائيل بالنسبة للعلاقة الكاثوليكية اليهودية ذاتها. كما انصب الحوار أيضا على ضرورة دفع عجلة التفاهم والتعاون المتبادل من أجل قيم مشتركة. وبموجب ذلك قامت آي إل سي بمعالجة اجتماعات وإصدار بيانات مشتركة حول مواضيع مثل الأسرة، وقدسية حياة الإنسان وقضايا البيئة وما يتعلق بالعيش فيها.
إن إقامة علاقات ثنائية كاملة بين دولة إسرائيل والمقام البابوي، وموقف الأخير الذي لا لبس فيه ضد اللاسامية، كانت من نواح عديدة ثمرة هذا الحوار حتى ولو سهل ذلك التطورات الدولية.
ولهؤلاء الذين عرفوا القليل أو لم يعرفوا شيئا عن مدى تقدم الحوار الكاثوليكي اليهودي طوال العقود الثلاثة ونصف الماضية، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الزيارة البابوية فتحت أعينهم على واقع متغير. ولهؤلاء الذين تعلموا ولم يتحاملوا على هذا الحوار وإنجازاته، لم تكن الزيارة البابوية سوى تأكيد ودعم لما حدث وما يستمر في الحدوث.
مما لا ريب فيه، إن وقع الزيارة الآنفة الذكر على المجتمع الإسرائيلي سوف يسهّل فهما إسرائيليا أكبر ودعما للحوار. وقد برز هذا في تعميم مدير عام وزارة المعارف للمدارس الإسرائيلية في أعقاب الزيارة البابويه، لتشجيع النقاش حول التغييرات في العلاقات المسيحية اليهودية إلى جانب نصوص ذات صلة، قديمة وحديثة وليس أقلها، وبمبادرة من البابا، أقام الفاتيكان هيئة ثنائية للحوار مع الحاخامية الرئيسية في إسرائيل، مما يعكس علاقة جديدة بين المؤسسات الدينية في كلا الجانبين.
وكما أشار رئيس الوزراء إيهود باراك في ملاحظاته لقداسة البابا يوحنا بولص الثاني أثناء زيارته لياد فاشيم عام 2000، ليس بالإمكان أن نطرح الماضي وراء ظهورنا بين عشية وضحايا. فمما لا شك فيه، أنه لن تبقى هناك خلافات ثيولوجية عميقة تفصل بين مجتمعينا العقائديين فحسب،... بل ستبقى هناك أيضا خلافات تتعلق بالذاكرة التاريخية وتفسير الماضي. ومهما يكن، فقد دخلنا دون شك حقبة جديدة في العلاقات الكاثوليكية اليهودية، علاقات سينظر فيها إلى زيارة البابا يوحنا بولص الثاني لإسرائيل كمعلم بارز على طريق تلك الرحلة التاريخية للمصالحة والتعاون المثمر.


---------------------
الحاخام دافيد روزين، رئيس دائرة الشؤون الدينية في اللجنة اليهودية الأمريكية (إيه جي سي). وهو رئيس اللجنة اليهودية الدولية للمشاورات الدينية البينية (أي جي سي أي سي) والمستشار الفخري للحاخامية الرئيسية للشؤون الدينية في إسرائيل.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
   رحلة قداسة البابا  يوحانا بولص الثاني للأماكن المقدسة - 2000
   ما وراء العناوين: إسرائيل ترحب بحج قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر للديار المقدسة
   المواقع التي سيزورها قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر
   على طريق يسوع في الديار المقدسة
   الطوائف المسيحية في إسرائيل
   علاقات إسرائيل مع الكرسي الرسولي
   علاقات إسرائيل – الفاتيكان
   التوراة والعهد الجديد
   شخصية المسيح في اليهودية وفي المسيحية
متوفر بـاللغات التالية
  الانجليزية
   
 
   
 
     الردود (feedback) | خارطة الموقع     
 
ملكية أدبية © 1998 دولة إسرائيل. جميع الحقوق محفوظة.   شروط الاستخدام