تبدأ اسرائيل هذا الأسبوع، في تطبيق الانفصال عن غزة، منهية بذلك وجودها المدني وحكمها العسكري للمنطقة مدة 38 سنة. تأمل اسرائيل مخلصة في أن تخلق هذه الخطوة الحاسمة واقعا اكثر استقرارا واقل عنفا مع جيرانها الفلسطينيين... وأن تؤدي في النهاية إلى التوصل إلى اتفاق سلام شامل بالشرق الأوسط. وترى اسرائيل أن هذا الهدف حيوي لدرجة أنها أبدت استعدادها لاتخاذ خطوات تنطوي على مجازفات كبيرة، وتقديم تنازلات كبيرة، وحتى مواجهة صدمة وطنية من اجل تحقيق هدف السلام والاستقرار.
الانسحاب هو المرحلة الأولى فقط مما يمكن أن يكون حقبة جديدة من التقدم نحو السلام... ومع ذلك فانه حال زوال الوجود الإسرائيلي، ينصب الاهتمام على ما يستعد الفلسطينيون وما يستطيعون عمله بالأرض التي ستنقل إليهم السيطرة عليها.
موضوعيا، يوجد لكلا الطرفين اهتمام مشترك بإنهاء أعمال العنف، وتحسين أمن ومستوى معيشة الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، لخلق واقع تقام فيه في نهاية المطاف دولتين ديمقراطيتين لشعبين يعيشان بسلام جنبا إلى جنب. وتثبت اسرائيل بأفعالها هذه، إنها تتفهم فوائد التعاون. وتثق اسرائيل بأنها حينما تواجه الواقع الجديد في غزة، سيكون منطق التعاون واضحا في حد ذاته، للقيادة الفلسطينية أيضا.
إن التوصل إلى قرار ديمقراطي لتطبيق الانفصال، وهو قرار يلقى دعما ساحقا من قبل الرأي العام الوطني، كان صعبا جدا على اسرائيل. وقد تطلب اعادة التفكير في مفاهيم أمنية سادت حتى ذلك الحين. فهل يمكن لإسرائيل أن تغادر غزة دون أن يبدو عملها هذا إشارة إلى انتصار الإرهاب؟ وهل كانت البلاد على استعداد لاقتلاع جذور مواطنين عاشوا في المنطقة عقودا من الزمن وبنوا حياتهم المثمرة هناك؟ وهل تعني اعادة الانتشار التخلي عن موجودات أثناء عملية التفاوض دون الحصول على التزام من الطرف الآخر؟ كل هذه الأسئلة تمت مناقشتها وبحثها بحثا مستفيضا بطريقة تليق بمجتمع ديمقراطي نشط كإسرائيل. وعلى الرغم مما ينطوي عليه ذلك من قضايا عاطفية فقد تم النقاش العام بطريقة سلمية في معظم الأحيان، واشتمل على العديد من المظاهرات التي شارك فيها عشرات آلاف الأشخاص من كلا جانبي القضية.
في خضم هذه العملية الداخلية بذلت اسرائيل كل جهد مستطاع لتنسيق عملية الانفصال مع القيادة الفلسطينية. وقد أعلنت تلك القيادة مؤخرا أن هذا الجهد قد تكلل بالنجاح فعلا. والأمل معقود الان أن تتم عملية الانفصال الفعلية بيسر وسلاسة.
لكن لكي نضمن بأن عملية الانفصال تعزز التقدم نحو السلام ولا تحيد عنه، فان اسرائيل قد اوضحت بجلاء انه لا يمكن ان يكون هناك انفصال تحت وطأة إطلاق النار. فاذا ما تعرضت قوات الأمن في اثناء عملية الانفصال، فإن اسرائيل ستكون مجبرة على اتخاذ اجراءات امن حازمة لإسكات الإرهابيين أثناء سير العملية.
في أعقاب اعادة الانتشار الفعلية لا بد من متابعة أربعة عوامل حاسمة متابعة جدية وتقييمها بعناية: الأمن، النمو الاقتصادي، الدبلوماسية، المساعدة الدولية.
فيما يتعلق بالأمن، هناك صلة وثيقة بين احتياجات الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني. إذ لا يستفيد أي منهما من استمرار أعمال العنف. وإذا ما استطاع الفلسطينيون الآن الوفاء بالتزاماتهم بموجب خطة "خارطة الطريق" لوقف الهجمات الإرهابية على اسرائيل، عندئذ سيسود السلام والهدوء. أما إذا سمحت القيادة الفلسطينية باستمرار الاعتداءات على اسرائيل، فان اسرائيل نفسها ستتخذ الخطوات الضرورية لحماية سكانها. تدرك اسرائيل بأن السلطات الفلسطينية لن تنجح دائما في منع الهجمات. لكنها تأمل في أن تبذل القيادة الفلسطينية كل جهد ممكن لمنع تلك الهجمات.
وفيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، تدرك اسرائيل أن لها مصلحة عليا في بلوغ الحد الأقصى من الرخاء وتحقيق افضل مستوى معيشة ممكن للفلسطينيين و كذلك لمواطنيها. ومن المهم أن ينبين بأن الشعب سيكون افضل حالا في ظل السلام والتقدم لا في متابعة طرق العنف والتطرف. ولهذا السبب، فان اسرائيل ملتزمة بتحقيق الرفاه للشعب الفلسطيني وتبذل كل جهد مستطاع لتقديم وتنسيق وتسهيل العون والتعاون الاقتصادي وحرية الحركة للبضائع والخدمات والعمل.
وتهدف عملية اعادة الانتشار أيضا إلى تسهيل العملية الدبلوماسية في إطار خارطة الطريق للسلام المدعومة دوليا. والعنصر الرئيسي في هذه الاتفاقية هو التزام الفلسطينيين بإنهاء الإرهاب، ويشمل ذلك نزع سلاح وتفكيك البنية التحتية للارهاب وإنهاء أعمال التحريض التي تحض على العنف. والآن وبدون وجود إسرائيلي على الأرض، سيتحمل الفلسطينيون كامل المسؤولية عن التطورات في غزة. وقد سنحت الفرصة الان للسلطة الفلسطينية لكي تظهر قدرتها على الحكم والوفاء بالتزاماتها. فإذا استطاعت في الحقيقة الوفاء بوعودها، فعندئذ يصبح التقدم السريع والمستقبل الباهر لجميع شعوب المنطقة أمرا في متناول اليد. إن اسرائيل مفعمة بالأمل بأن تنجح السلطة الفلسطينية في مواجهة هذا التحدي.
وأخيرا هناك دور حيوي يقوم به المجتمع الدولي في هذه العملية. إذ يستطيع هذا المجتمع تقديم المساعدة لضمان نجاح الانفصال. ومع ذلك، فلكي تكون مشاركة المجتمع الدولي مثمرة، يجب على هذا المجتمع أن يشد أزر المعتدلين ويأخذ على يد المتطرفين. ويجب أن لا تغرب عن بالنا أبدا هذه الأهداف النهائية.
وتأمل اسرائيل أيضا في أن ينتهز جيرانها في المنطقة، أي الدول العربية، هذه الفرصة لإعادة المشاركة في عملية السلام لكي نبني معا منطقة تنعم بالسلام والاستقرار والتعاون. ولا تقل عملية السلام الشامل هذه بين اسرائيل والعالم العربي، لا تقل أهمية عن عملية السلام على المسار الإسرائيلي الفلسطيني. فلكلٍ دورُه في إنجاح الجهود لتحقيق السلام.
إن مبادرة اسرائيل إلى الانفصال إنما هي تعبير عن الإيمان والرغبة في السلام. ومن خلال التعاون من جانب الفلسطينيين وبمساعدة المجتمع الدولي يمكن أن تكون هذه المبادرة اختراقا لتلبية احتياجات كلا الشعبين، وتحقيق الحلم بالوئام بدلا من الخصام في المنطقة.