مع تطبيق خطة الانفصال عن قطاع غزة على أرض الواقع على الرغم من الشكوك التي أحيطت بذلك، تنهي إسرائيل وجودًا مدنيًا وعسكريًا في القطاع استغرق 38 سنة. تأمل إسرائيل مخلصة في أن تخلق هذه الخطوة التأريخية قاعدة أفضل للحوار مع جيرانها الفلسطينيين كما تخلق واقعًا أكثر استقرارًا في المنطقة مما يؤدي في نهاية المطاف إلى التوصل إلى اتفاق سلام شامل في منطقة الشرق الأوسط. وترى إسرائيل أن هدف تحقيق السلام في المنطقة هو أمر حيوي لدرجة أنها أبدت استعدادها لاتخاذ خطوات تنطوي على مجازفات كبيرة، وتقديم تنازلات كثيرة، إلى حد مواجهة أزمة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وتنص خطة الانفصال التي جاءت ثمرة قرار شجاع اتخذه رئيس الوزراء أريئيل شارون على تفكيك 25 مستوطنة في قطاع غزة وشمالي الضفة وإخلاء آلاف السكان من منازلهم وهي خطة أخذها المجتمع الإسرائيلي بأسره على عاتقه من خلال دفع ثمن باهظ على المدى القريب مع الأمل في تحقيق مستقبل أفضل.
ومما لا شك فيه أنه يوجد لكلا الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء اهتمام مشترك بإنهاء أعمال العنف، وتحسين أمن ومستوى معيشة الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، وذلك من أجل خلق واقع تعيش فيه في نهاية المطاف دولتان ديموقراطيتان لشعبين يعيشان بسلام وأمن واحترام متبادل جنبًا إلى جنب. مع تنفيذ خطة الانفصال تثبت إسرائيل لجاراتها الدول العربية بل للعالم أجمع بأنها تولي أهمية كبرى لعلاقات حسن الجوار والتعاون الإقليمي المطلوب لخلق مناخ من السلام. وتثق إسرائيل بأنه في أعقاب خلق الواقع الجديد في غزة، سيكون منطق التعاون واضحًا في حد ذاته، للقيادة الفلسطينية أيضًا.
ونأمل أن الوقت الذي ذهب سدى والتضحيات التي قدمها الطرفان بالأرواح والممتلكات والمعاناة الشديدة، كل هذه ستكون قدوة لأصحاب الشجاعة بأن الطريق الحقيقي إلى تحقيق إنجازات في المستقبل يجب أن يكون طريق المفاوضات السياسية فقط لا غير.
أما في المجال الدبلوماسي فإنه من بين أهداف خطة الانفصال التسهيل على العملية الدبلوماسية في إطار خطة خارطة الطريق للسلام التي حازت على دعم دولي. إلتزام فلسطيني بوضع حد للإرهاب وتفكيك بنيته التحتية امتدادًا لخطة الانفصال من شأنه أن يشكل حافزًا لدفع خطة خارطة الطريق ودفع العملية السياسية في المنطقة ككل. والآن وبعد إنهاء الوجود الإسرائيلي في قطاع غزة وشمالي الضفة يتولى الفلسطينيون كامل المسؤولية على التطورات في هذه المناطق. وسنحت للسلطة الفلسطينية الفرصة لإثبات قدرتها على إدارة شؤون الفلسطينيين بنفسها والوفاء بالتزاماتها في المجالين السياسي والأمني. فإذا ما استطاعت السلطة الفلسطينية تنفيذ ذلك فيصبح التقدم السياسي والحوار الدبلوماسي في الطريق إلى تحقيق تسوية إقليمية أسرع وفي متناول اليد. وتعرب إسرائيل عن أملها في أن تنجح السلطة الفلسطينية في مواجهة هذا التحدي.
أما فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية فإنه أصبح من الواضح أيضًا أن الشعبين مترابطان ومتكاملان اليوم أكثر من أي وقت مضى، وأن قدرة أي طرف للتوصل إلى الرخاء والازدهار الاقتصادي من خلال تحسين مستوى المعيشة للسكان منوطة بقدرة الطرف الآخر للتوصل هو أيضًا لإنجازات في هذه المجالات. وفي نفس الوقت يمكن الجزم بأن تحقيق هذه الأهداف مشروط بخلق مناخ مناسب يسوده الأمن والهدوء والاستقرار الاقليمي مما يشكل أرضًا خصبة وضرورية من أجل تحقيق النمو والازدهار. وتعلن إسرائيل عن التزامها في المساهمة في تحقيق الرفاهية للشعب الفلسطيني وترى ذلك جزءًا من مسؤوليتها وفي هذه الإطار استأنفت إسرائيل نشاطها لتعزيز التعاون والتنسيق الاقتصادي مع جهات دولية والفلسطينيين واتخذت اجراءات لتسهيل حركة البضائع والخدمات والعمل. ولا شك في أن استتباب الهدوء سيؤدي حتمًا إلى النمو الاقتصادي المشترك الذي يتوق إليه الطرفان بل المنطقة بأسرها.
وأخيرًا هناك الدور الحيوي الذي يقوم به المجتمع الدولي في هذه العملية إذ يستطيع أن يقدم المساعدة لضمان نجاح خطة الانفصال. في هذا الإطار فإنه لأمر بالغ الأهمية أن تستغل الدول العربية عملية الانفصال لإحياء العملية السلمية في المنطقة بأسرها واستئناف مشاركتها فيها. ونرى أن مثل هذا التطور سيشكل برهانًا للشعب الإسرائيلي بأسره بأن التضحية التي قدمها لم تذهب هدرًا. ومن الأمور المهمة أيضًا أن عملية السلام بين إسرائيل والعالم العربي لا تقل أهمية عن عملية السلام في المسار الفلسطيني الإسرائيلي وذلك لأن المسارات التفاوضية المختلفة مترابطة وتدفع بعضها البعض الأمر الذي يلقي مسؤولية متساوية على عاتق جميع دول المنطقة.
وفي هذا السياق لا يمكننا إلا أن نشيد بدور جمهورية مصر العربية بقيادة الرئيس حسني مبارك التي أدركت حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع واتخذت اجراءات شجاعة لتعزيز الحوار مع إسرائيل وبناء جسر من التفاهم بينها وبين الجانب الفلسطيني. وكان الرئيس مبارك قد أدرك منذ وقت طويل برؤيته الحكيمة وحكمته السياسية أن السلام لن يتطور من تلقاء نفسه ولن يدوم بدون إبداء الدعم المستمر وكثف جهود مصر في هذا المضمار. وخير دليل على ذلك هي مبادرته لعقد قمة شرم الشيخ في شهر فبراير من العام الجاري بمشاركة جميع الأطراف المعنية من أجل تذليل العقبات وبناء الثقة بين رئيس الوزراء أريئيل شارون وبين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
خلاصة القول- مبادرة إسرائيل إلى خطة الانفصال وتطبيقها يشكلان تعبيرًا عن إيمانها ورغبتها في السلام. ومن خلال التعاون مع الجانب الفلسطيني وبمساعدة الدول العربية والمجتمع الدولي بأسره يمكن أن تشكل هذه المبادرة نافذة لفرصة جديدة للسلام في ربوع هذه المنطقة. ونبتهل جميعًا ألا تفوت هذه الفرصة.
شالوم كوهين
سفير دولة إسرائيل بالقاهرة