س: قلت بضع مرات بأنه من الحيوي لإسرائيل أن تتوصل إلى حل الدولتين. فهل لك أن تسهب فيما قلت... وقد نُقل عنك قولك بأن البلاد مقضي عليها إذا لم يتحقق ذلك.
ج: لم أقل ذلك بالضبط قط، وقد أكدت جهارا على أنني لم استخدم تلك الكلمات قط. ويحدث أحيانا في الصحف، وليست صحيفتكم طبعا، بأن يؤخذ نصف جملة من البداية، ونصف جملة من النهاية فيضيع كل شيء في الوسط.
قلت إنه اذا لم يتحقق حل الدولتين للشعبين – بحيث يتوجب على إسرائيل أن تتعامل مع واقع دولة واحدة لشعبين – فإن هذا يمكن أن يجلب النهاية لوجود إسرائيل كدولة يهودية. ذلك خطر لا يمكن لأحد أن ينكره، وهو قائم، بل حتى واقعي.
قلت هذا بداية في مقابلة قبل أربع سنوات مع يديعوت أحرونوت وقد توصلت إلى إدراك أنه لا خيار لنا سوى الإنفصال عن الفلسطينيين. فالعيش معا مستحيل وينطوي على تهديد لهوية دولة إسرائيل اليهودية.
...
يجب أن نقدم حلا لتلك المسألة. لا يمكننا تجاهلها. وهل تستطيع إسرائيل مواصلة التمسك بالمناطق من نهر الأردن الى البحر مع سكان غير يهود يقترب عددهم حتى في يومنا هذا من عدد اليهود في إسرائيل، وعندما نأخذ بعين الاعتبار معدل التكاثر بين (السكان العرب) فسنجد بأن عددهم سيفوق عدد (السكان اليهود) بعد 20 أو 30 عاما.
ماذا سيحدث إذا لم نُرٍد الانفصال؟ هل سنعيش إلى الأبد في واقع ملخبط فيه 50 بالمائة من السكان أو أكثر مقيمون ولكنهم ليسوا مواطنين متساوين لهم حق التصويت مثلنا؟ في اللحظة التي يحدث فيها ذلك, فمن المحتمل أن يتحقق التهديد للصبغة الديمقراطية اليهودية لدولة إسرائيل. ومهمتي كرئيس للوزراء، أكثر من أي شيء آخر، هي أن أضمن عدم حدوث ذلك.
س: لكن ذلك سيخلق وضعا قد نريد فيه حل الدولتين أكثر مما يريده الجانب الآخر. وذلك هو السؤال: هل يريد الفلسطينيون – الذين يدركون أيضا معنى العملية الديمغرافية –حقا (حل دولتين قابلتين للحياة). هناك انطباع بأن هذه الفكرة تشهد تراجعا لديهم.
ج: الغالبية العظمى من الفلسطينيين يريدون العيش في دولة خاصة بهم... لكن السؤال عم اذا كانوا يريدون هذا أم لا, فهو ليس المقياس الذي يتعين عليَّ الحكم على الأشياء بموجبه. السؤال هو, إذا كنا ندرك ونحن ندرك فعلا بأن علينا أن نستخلص الاستنتاجات الضرورية، وأن ندفع الثمن أيضا... والثمن هو ثمن عال جدا وينطوي على مخاطر.
إنني لا أعيش في فقاعة... ولا أتوهم بأن كل شيء بسيط وميسر... إنني أعرف ما أتعامل معه، وأعرف من هم الفلسطينيون. هناك أناس كثيرون يودون، في نظري، العيش معنا بسلام. لكن هناك جماعات إرهابية وهناك أصولويون ومتعصبون, وأولئك لا يعرفون للتسامح معنى، ويعيشون وفقا لنظام قيم يختلف تماما عن نظام قيم العالم الغربي الذي نعتبر أنفسنا جزءا لا يتجزأ منه. هذه الجماعات وهؤلاء الأشخاص يشكلون تهديدا. لا توجد حلول بسيطة. كل حل سيكون مؤلما، لكن يجب علينا أن نتعامل معه. لا يمكننا أن نغمض أعيننا.
س: ألا يمكن أن يكون هناك حل نتلهف بموجبه على الإنسحاب، غير أن ذلك مستحيل بكل بساطة بسبب المشاكل الأمنية؟
ج: في نهاية المطاف سوف نجد السبيل إلى الحل. أولا، يجب أن نجرب طريق المفاوضات بكامل الجدية، وهذا ما نفعله الآن.
س: وكيف تسير المفاوضات؟ هل تحرك شيء منذ أنابوليس؟
ج: إننا نتحدث عن صراع يستمر منذ 100 سنة أو اذا شئت 60 سنة، وأنت تسأل الآن عما حدث بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع منذ أنابولس، ولماذا لم ينقلب العالم رأسا على عقب في غضون ذلك. هذه عملية تستغرق وقتا. قال الصينيون بأن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. لقد خطونا خطوات عدة، ليس منذ أنابولس فحسب، بل قبل أنابوليس أيضا.
إسمع، جلس أبو مازن وأبو علاء في هذه الغرقة (يوم الخميس الماضي). وأتخيل أنك لو سألتني قبل 30 سنة عن رأيي في أبو مازن – وقد كنت عضو كنيست قبل 30 سنة – فمن شبه المؤكد اني كنت سأقول بأنه إرهابي. كان عضوا في فتح، التي رفعت شعار وضع حد لوجود دولة إسرائيل، ولم تكن حتى مستعدة للتفكير بالاعتراف بإسرائيل أو في التوصل إلى سلام مع إسرائيل. أما اليوم، فأنت تجلس مع أبو مازن وتسمعه يتكلم بعبارات لا تقبل التأويل عن الاعتراف بإسرائيل وعن التوصل إلى سلام مع إسرائيل. لقد وقع اتفاقيات معنا، وقال بأنه سيطبق تلك الاتفاقيات وهو يؤمن بها. لقد طرأ تغير، ولم يقتصر ذلك التغيير عليه وحده، بل نسمع ذلك أيضا من سلام فياض رئيس الوزراء (الفلسطيني).
لا أقول إنه لا توجد خلافات (بيننا). هناك خلافات. إنهم يريدون أراض أكثر، وأنا أريد أن أعطي أراض أقل. وهم يريدون أجزاء من أورشليم القدس لن أتخلى عنها أبدا.
لكنهم يريدون السلام معي، وهذا يعني بأنه قد طرأ تغير معين؛ وقبل كل شيء، يتعين عليك أن تؤمن بأن هذا التغير ممكن, وأنه من الضروري تشجيعه وتطويره بعناية، بعناية فائقة – مع الالتفات إلى كافة العناصر الأمنية، من خلال معرفة الإتجاه الذي نقصده.
س: هل طرأ تغير على الموقف الفلسطيني بخصوص مسألة اللاجئين؟
ج: أعتقد أن بالإمكان حل مشكلة اللاجئين، بطريقة لا تحمل في طياتها تهديدا لهوية دولة إسرائيل اليهودية. إنني لا أقبل مبدأ "حق العودة". لا أقبله ولم أقبله قط.
لقد ولدت فكرة حق العودة في نهاية أربعينيات وبداية خمسينيات القرن الماضي، عندما كانت هناك مشكلة لاجئين. ولا يهم الآن كم كان حجم المشكلة آنذاك، أو ما هو مسببها، لكن كانت هناك مشكلة. ولا أعتقد أننا خلقناها متعمدين. إذ أن إقامة دولة إسرائيل خلقت واقعا كانت إحدى نتائجه مشكلة اللاجئين.
عندما فكروا في حل (مشكلة اللاجئين)، ولما لم يفكروا في إقامة دولة فلسطينية، فقد بدا بأن الحل الوحيد (الممكن) كان العودة الى الأماكن التي غادروها.
إن فكرة إنشاء دولة فلسطينية تتمثل بتمكين أولئك الناس أنفسهم من العيش في دولة فلسطينية، وليس في دولة إسرائيل. ولذا فإن الحديث اليوم عن حل لمشكلة اللاجئين بعبارات كانت تتناسب وحقبة الخمسينيات (من القرن الماضي) أو تتناسب والعام 1949، معناه الإنفصال عن الواقع.
إننا نؤمن في قلوبنا بأنهم هم الذي حالوا دون إيجاد حل قبل سنوات عدة، إنهم ينحون باللائمة علينا. هناك شيء واحد مؤكد: واقع اليوم يختلف عما كان عليه الواقع آنذاك، ولذا فإن ذلك الحل (عودة اللاجئين) لا يمت للواقع اليوم بأية صلة، ولن يتحقق.
يتفق العالم بأسره على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وذات تواصل جغرافي، حرة وديمقرطية، تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل، وتقام لكي يعيش فيها الفلسطينيون, ولا يعقل أن تقام دولة فلسطينية لكي يأتي الفلسطينيون للعيش في إسرائيل.
س: هل يفهمون ذلك؟
ج: الكثيرون منهم يفهمون ذلك، ولكن ربما لا يفهمه الجميع. إنني مقتنع بأن العديد منهم سيوافقون على القبول بذلك. وأعتقد أنهم يجدون مشكلة في ترجمة هذا الفهم إلى عملية سيتم تنفيذها على الصعيد السياسي.
س: طالما بقيت حماس قوية، فهل يستطيع أبو مازن أن يبدي مرونة بخصوص أي شيء مثل مسألة اللاجئين أو غيرها؟
ج: أبو مازن لا يسيطر على غزة، ولذا فإن كون حماس قوية في غزة لا يزيد أو ينتقص من قدرته على التوصل الى تفاهمات. ذلك هو اختبارهم. ففي نهاية المطاف سيترتب على الفلسطينيين الاختيار بين أسطورة "حق العودة"، وإمكانية إقامة دولة فلسطينية، يعيش فيها الفلسطينيون. هذا هو خيارهم. اما خيارنا فهو بين رغبتنا الطبيعية جدا بالعيش في أرض إسرائيل كلها، وهذا ما نؤمن به من كل قلوبنا، وبين ضرورة المصالحة حول بعض أجزاء أرض إسرائيل لكي نضمن وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية.
يتعين علينا أن نقرر، ويتعين عليهم أيضا أن يقرروا. ولست واثقا من أن الجميع في جانبنا على جاهزية لاتخاذ القرار. هنالك العديد من الأطراف في الكنيست ممن يتحدثون بطريقة منفصلة عن الواقع.
...
س: هل بحثت مسائل جوهرية في آخر لقاء لك مع أبو مازن، أم أثاروا مرة أخرى مسألة هار حوماه (جبل ابو غنيم) وتحدثت أنت عن الأمن؟
ج: لقد بحثنا قضايا جوهرية أيضا، وبشكل رئيسي خلال اللقاء الخاص بيني وبين أبو مازن. إننا نحرز تقدما. من جانبهم, طرحوا على مائدة المفاوضات المسائل التي تزعجهم، ومنها قضية البناء في المستوطنات والمستوطنات – وذلك أمر يمكنني تفهمه – ومن جانبي, طرحت عليهم اهتماماتنا ومواقفنا.
الحقيقة هي أننا نواصل الحديث؛ وذلك لا يعني أننا قد اتفقنا على كل شيء... يتوجب علينا أن نتحادث كثيرا، كثيرا فعلا. أنظر، إضراب المعلمين استغرق شهرين من المفاوضات وكان من الصعب إنهاؤه، وصراعنا مع الفلسطينيين لن ينتهي بلقاء واحد أو 50 لقاء بيني وبين أبو مازن.
السؤال هو ما إذا كنا نشعر بالتزام مواصلة السير في هذه العملية... إنني أتوجه الى المباحثات مع الفلسطينيين من منطلق موقف عاطفي يختلف عن موقف بعض الساسة الإسرائيليين الذين يتعاملون مع هذه المسألة. إنني أعلم في قرارة نفسي الثمن الباهظ من الدماء الذي دفعناه طوال أجيال بسبب كراهية العرب والفلسطينيين لنا.
لقد شاهدت الألم، لربما أكثر مما شاهده كثيرون غيري، لأنني كنت رئيس بلدية (أورشليم القدس) طوال سنوات عدة، وفي أصعب الأيام من تاريخ أورشليم القدس الحديث. يوما بعد يوم، كنت أرى سكان أورشليم القدس، مواطنينا، الأطفال الصغار، والعائلات تتمزق على الشوارع. لن أنسى أبدا المشهد الذي رأيته في مقهى "مومينت"، الذي يسمى اليوم رستروبار، على بعد 50 مترا فقط من مقر رئيس الوزراء؛ حيث وقع انفجار مروع، فذهبت إلى هناك كرئيس للبلدية. وبطبيعة الحال، سمحوا لي بالإقتراب أكثر من أي شخص آخر... رأيت من النافذة كيف كان الناس يجلسون على كراسيهم وكأنهم ينتظرون النادل لكي يحضر لهم كأسا. وكان كل منهم يجلس في موقعه... لكنهم كانوا جميعا أمواتا... كان المنظر مرعبا وفظيعا. كما أذكر ضحايا العملية التخريبية ضد سبارو، وضحايا العملية التخريبية ضد الحافلة 19 من غيلو إلى بات .
لكنني أعي أيضا أنه كان هناك قدر كبير من المعاناة في الجانب الآخر، وهذه حقيقة لا يمكنني سوى الإعتراف بها. إن مهمتي كزعيم هي إيجاد التوازن الصحيح عندما نذهب لحل المشاكل، أثناء التعامل باحترام مع الصعوبات التي يتعين على الجانب الآخر التعامل معها.
طوال عقود أظهرت الدول العربية درجة مبالغا فيها من الابتعاد والإغفال وعدم الاكتراث بالفلسطينيين. لكن من المستحيل أيضا تجاهل حقيقة وجود آلاف، بل عشرات الآلاف، وحتى مئات الآلاف ممن يعيشون في مخيمات (لاجئين) طوال عقود، وفي ظروف مروعة. كثيرون منهم ما زالوا يعيشون فيها حتى يومنا هذا.
وأدرك أنه إذا لم نستطع إيجاد الآلية التي تيح لهم بالعيش مع الإحساس بالكرامة دون الشعور بإهانة دائمة، مثلما يعيشون اليوم، فإننا لن نستطيع أن نخلق الديناميكية التي تصنع السلام. ويتعين علي أن أفكر بذلك أيضا.
س: من الواضح أن رأيك قد استقر على الخيار الذي ذكرته (بين رغبتنا الطبيعية "جدا في العيش على أرض إسرائيل كاملة"، وبين ضرورة المصالحة لضمان وجود إسرائيل "كدولة يهودية"). هل تعتقد أن أبو مازن قد اتخذ ذلك الخيار كذلك (بين "أسطورة حق العودة" وامكانية إقامة دولة فلسطينية)؟
ج: أعتقد أن أبو مازن قد توصل إلى ذاك الخيار في قرارة نفسه، لا يمكنني التحدث نيابة عنه. غير أني أعتقد بأنه قد اتخذ القرار. وانطباعي هو أنه يريد السلام مع إسرائيل وأنه يقبل إسرائيل كما تعرِّف اسرائيل نفسها، اعتقد أنه يفعل ذلك. وهذا أمر ليس عديم الشأن، ربما لا يكون كافيا، لكنه ليس عديم الشأن.
...
س: بخصوص سوريا، يبدو أن هناك قطع اتصال. يبدو أننا ضربنا هدفا في سوريا (يوم 6 سبتمبر/أيلول) كان يشكل تهديدا يستوجب اتخاذ إجراء. في الوقت نفسه، فإنك تتحدث بإيجابية كبيرة عن سوريا وعن استعدادك للشروع في مباحثات معها، وعن فصل سوريا عن إيران. فمن أين ينبع ذلك التفاؤل، إن كانوا حتى برهة وجيزة يشكلون تهديدا خطيرا.
ج: أولا وقبل كل شيء، أنا لا أدري (عن 6 سبتمبر/أيلول)، وإن كنت أدري، فإني لا أريد التحدث عما كان. لو أردت التحدث، لما كنت قد انتظرت حتى اليوم.
يتوجب علي أن اسأل نفسي سؤالا واحدا: لنفرض أن هناك خطرا من السوريين، وأن هذا الخطر يمكن أن يتفاقم بسبب صلاتهم مع الإيرانيين وحزب الله وحماس. فهل من مصلحتي أن لا يحدث هذا، أم أنه من مصلحتي أن يستمر محور الشر هذا في الازدهار والتطور والتوسع؟ يجب أن أسأل نفسي ما هو في مصلحة دولة إسرائيل... سيكون من صالح إسرائيل إذا استطعنا التوصل الى تسوية سلام مع سوريا. من الواضح انه سيكون هناك ثمن لهذا السلام، ولكن ستكون له فوائده أيضا.
سيتوجب على السوريين أن يقرروا إن كانوا مستعدين لمثل هذا الأمر، ويمكنني القول فقط, من الضروري أن نفحص إذا كان من الممكن إجراء مباحثات جدية وعميقة وحقيقية (مع دمشق)، مع الأخذ بعين الاعتبار ماذا يريدونه، لكن مع توفير الردود أيضا على الأمور التي تثير قلقنا، وقلق الولايات المتحدة وأوروبا, مثل صلتهم بإيران وحماس والإرهاب في العراق. إنني مستعد لفحص هذا الأمر بدون اية صلة لما حدث أو لم يحدث مع سوريا (قبل أربعة أشهر).
يقولون إنهم يريدون السلام. وآمل أنهم ينوون ما يقولونه. وعلينا نحن أيضا أن نرى إذا كانوا يستطيعون ترجمة ما يقولونه إلى لغة المفاوضات. ليس من السهل خلق آلية تفاوض.
قبل سنة، أو سنة ونصف السنة، جاءني من ينتقدونني أثناء مقابلات، ويتساءلون لماذا لا أصنع سلاما مع سوريا. قلت إن ذلك غير صحيح، وإنني أريد السلام فعلا. ثم سألوا لماذا رضخنا للضغط الأمريكي، وإن الأمريكيين لا يريدون من (إسرائيل أن تتحدث إلى سوريا). ذلك غير صحيح أيضا. وكما يمكن أن ترى من الصور (على جدار مكتب أولمرت مع جورج بوش الرئيس الأمريكي)، تربطني علاقة طيبة جدا مع بوش. ونجري محادثات على مستوى من الصداقة الحميمة التي لا توجد بين زعيم أهم دولة في العالم وزعماء آخرين. ولم يطلب مني الرئيس (بوش) أبدا عدم إجراء مفاوضات مع سوريا، أبدا.
الأمر منوط بنا. لقد أردنا دوما التوصل إلى سلام مع سوريا. لكننا نريد إجراء مفاوضات في ظروف يكون فيها (للمحادثات) قيمة، آمل في أن تنضج وتتهيأ مثل هذه الظروف.
س: قبل بضعة أشهر قلت بأن على سوريا أن تثبت نفسها، أن تثبت رغبتها في السلام، من خلال طرد حماس من دمشق وقطع صلاتها مع حزب الله. فهل ما زالت هذه الشروط قائمة؟
ج: لن يكون هناك سلام مع سوريا اذا كانت لسوريا علاقة مع حماس وحزب الله وإيران, وإذا واصلت سوريا تشجيع الأفعال التي تشجعها. هذا واضح. فالخيار هو بين هذا أو ذاك.
س: هل يتعين عليهم قطع صلاتهم قبل بدء المحادثات؟
ج: إنني لا أحدد شروطا عامة حول ما أريده من السوريين. هذا غير مناسب. لم أضع قط أو أقبل شروطا مسبقة.
س: هل تريد مصر القيام بدور الوسيط بين إسرائيل وسوريا؟
ج: لا أعتقد ذلك. وبقدر ما أعلم لم يعرض المصريون أنفسهم كوسطاء (أثناء المحادثات الأسبوع الماضي في القاهرة مع وزير الدفاع إيهود براك).
إنني أتصور بأن المصريين، كجميع الدول العربية، سوف يكونون مسرورين لو حل سلام بين إسرائيل وسوريا. ترتبط مصر بمعاهدة سلام مع إسرائيل وأعتقد أنه على الرغم من كل الصعوبات التي تمر بها العلاقات بيننا، فإنهم راضون جدا عن المعاهدة ويريدون الحفاظ عليها. هذا لا يعني القول بأن كل ما لا يفعلونه أو يفعلونه، يروق لنا، وأتصور أن لديهم بعض الانتقادات إلينا. لكن هناك حوار جار بيننا.
الرئيس المصري حسني مبارك رجل جدير بالإجلال والاحترام، وهو مستقر جدا. وقد دافع عن اتفاقية (السلام) مع إسرائيل أثناء فترات صعبة في مصر. فلماذا لا يرغب بأن يحل السلام بين إسرائيل وسوريا؟ من الطبيعي ان يرغب بذلك. ومن المؤكد أن الشيء ذاته ينطبق على الملك عبدالله الثاني (ملك الأردن)، وهو إنسان غير عادي أيضا.
س: نتحول الآن إلى الملف الإيراني. هل يتقدم الإيرانيون كثيرا (في برنامجهم النووي) على ما كان عليه العراقيون قبل 26 سنة؟ وإذا كانت روسيا تبيعهم المزيد من الدفاعات الجوية المتقدمة، فهل يحد ذلك من قدرتنا ويخلق وضعا يصعب معه تأجيل الرد؟
ج: سمعت تقارير عما يعطيه الروس لهم، ولا أدري مدى دقة تلك التقارير كلها. لكن التهديد الإيراني لا ينبع من النظم الدفاعية التي يبيعها الروس أو لا يبيعونها لإيران.
إنه توليفة من عوامل عدة. أولها طبيعة النظام الإيراني – نظام غير ديمقراطي، متطرف ومبني على الكراهية وفي منأى عن جميع قيم الثقافة الغربية الأساسية، وهو نظام يعيل حركات التطرف الإسلامية المعادية لإسرائيل... فهو يغذيها، ويقويها، ويشجعها. ثم إن إيران، للأسف الشديد، بلد متقدم ومتطور في المجالات التكنولوجية، ولذا فإنها تملك القدرات على تطوير أسلحة يمكن أن تشكل خطرا حقيقيا. وهي أيضا بلد غني جدا ولذا فإن لديها الوسائل لعمل ذلك. إذ تملك إيران ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم كما تملك احتياطيات هائلة من الغاز، تدر هذه عليها دخلا ضخما. من هنا ينبع التهديد. ثم إن الإيرانيين يصرحون بجلاء وفظاظة بأنه يجب محو إسرائيل عن الخارطة. وقد قالوا مرة إنه يجب إرسالنا ألى ألمانيا. والآن يقولون بوجوب إرسالنا إلى ألاسكا. هذا توجه إشكالي جدا.
لذا أقترح أن نطرح جانبا الناحية الروسية حاليا. لا أعتقد بأن روسيا عدو لنا، الرئيس بوتين رجل مبجل جدا... وقد أجريت معه الكثير من المحادثات العميقة والصريحة جدا، وهو يؤكد مرارا وتكرارا بأنه لن يسمح بإلحاق الأذى بأمن إسرائيل. ولم يعد قط بعدم اقامة علاقات مع دول لا تحبنا. روسيا قوة عالمية. ومن الطبيعي أنه يريد رعاية مصالح بلاده العالمية. لكنه أبلغني بأنه لن يكون أحادي الجانب بشأن قضايا ذات تأثير على إسرائيل، بل على العكس من ذلك.
يتعين علينا أن نركز على المسار الإيراني... لإيران قدراتها وهي تحاول أن تحققها, ويترتب علينا أن نعمل لكي نضمن عدم تهديد تلك القدرات لوجود دولة إسرائيل في حد ذاته.
لم يغير الرئيس بوش رأيه بشأن الخطر الذي تشكله إيران، ولم أغير انطباعي بخصوص التزام الرئيس بوش بمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، والآن فإن ما نفعله، وما لا نفعله، وما الحديث الذي دار بيني وبينه عندما تمشينا في حديقة البيت الأبيض، حسنا، إن ذلك سيثير اهتمامك كثيرا، لكنني لا أستطيع أن أبوح به اليك.
عملت إسرائيل وكانت مستعدة دائما لإمكانية أنها قد تضطر للدفاع عن وجودها بنفسها. كانت تلك هي الحال دائما وهي الحال في يومنا هذا، حيثما ظهر خطر يهدد وجودنا. إن من يتوجب عليهم أن يعرفوا، يعرفون فعلا، بأننا نملك الأدوات والوسائل للدفاع عن أنفسنا.
...
س: عودة إلى الفلسطينيين، هل تحبذ تغيير المعايير (لإطلاق سراح السجناء)؟
ج: إنني أحبذ فحص المعايير. فمثلا عندما تقول سجينا "يداه ملطختان بالدم"، فهل يمكن أن تكون هنا حالة فيها شخص لم يؤذ أو يضر يهوديا أو يقتل يهوديا لكنه، مثلا، جزء من جهاز ارتكب أفراده عملا (كذلك)، فهل يمكن لإنسان القول بأن يدي هذا الشخص ملطختان بالدم؟ ربما تكون هناك تعريفات تحتاج الى إعادة فحصها. لقد أثير هذا الموضوع وكلفت لجنة بفحصه، بمشاركة عدد من كبار الوزراء وبالتشاور مع أجهزة الأمن، وسنرى ما توصي به اللجنة. وقد يكون هناك مجال للمزيد من التعريفات المحددة حول ما يشكل "الدم على الأيدي".
س: هل لك أن توضح لنا موقفك من بناء المستوطنات وأخبرنا إذا كان الأمريكيون يقبلون هذا في سياق خريطة الطريق؟
ج: سوف نفي بواجباتنا كما وردت في خريطة الطريق. إنها بسيطة جدا. خذ خريطة الطريق. سنحترم ما مكتوب فيها.
س: مكتوب فيها أنه يجب على إسرائيل أن توقف البناء في المستوطنات بما في ذلك ما تحتاجه تلك المستوطنات من أجل النمو الطبيعي.
ج: صحيح. ذلك هو الالتزام، وإذا بدأ كل شيء وانتهى بذلك، فذلك هو ما يترتب علينا عمله وفقا لالتزامنا، لكن وكما تعلم جيدا، فإن أمريكا راعية خريطة الطريق، والرئيس بوش قد بعث برسالة بتاريخ 14 أبريل/نيسان 2004 جاء فيها بإن المرء لا يمكنه أن يتجاهل الواقع الديمغرافي الناشئ في المناطق وأنه لا بد من ايجاد تعبير للأمر في الاتفاقيات بيننا وبين الفلسطينيين، ويمكنني القول بأن هذا يضفي مرونة إلى درجة معينة على أهمية ما هو مكتوب في خريطة الطريق. لقد أعلنت بأن دولة إسرائيل لن تبني مستوطنات جديدة ولن تصادر أرضا لهذا الغرض، وأنوي الوفاء بهذا الالتزام.
س: اذن ما الذي نستطيع أن نبنيه في المستوطنات؟ أنا أعيش في معاليه أدوميم، ولذا فالامر يهمني كثيرا؟
ج: معاليه أدوميم جزء لا يتجزأ من أورشليم القدس ومن دولة إسرائيل... ولا أظن بأن الأشخاص عندما يتحدثون عن المستوطنات فإنهم يتحدثون عن معاليه أدوميم.
س: حسنا، يبدو أن العالم يتحدث عنها كما يتحدث عنها الفلسطينيون، وينطبق الشيء نفسه على هار حوماه (جبل ابو غنيم)
ج: للفلسطينيين اهتمام وهو من وجهة نظرهم اهتمام مشروع. أتصور أنه إذا كان كل ما حدث، منذ قبول خريطة الطريق، هو توسيع معاليه أدوميم وهار حوماه، فإنني أتصور بأن الفلسطينيين، مع أنهم قد لا يكونوا سعداء بذلك، ما كانوا سيردون بالطريقة التي يردون بها كل سنة عندما تواصل المستوطنات في جميع المناطق النمو. هناك تناقض معين في هذا بين ما نراه حقيقة وبين ما وعدنا به نحن أنفسنا. إننا نشكو دائما من نكث وعود الطرف الاخر... الالتزامات لا ينبغي أن تطلب من الغير فقط، بل يجب أن نفي بها نحن أيضا. ولذا توجد مشكلة معينة هنا. لا نريد الخوض في كل تلك الفروق الدقيقة. لدينا التزامات تتعلق بالمستوطنات وسوف نحترمها. ذلك واضح تماما.
س: لماذا لا يفعل المصريون المزيد على الحدود (لمنع تهريب الأسلحة)؟
ج: لقد طلبت مرارا وتكرارا من الرئيس مبارك أن يظهر عزما أكبر في الوفاء بالتزاماته بالنسبة لممر فيلادلفي وبخصوص عمليات التهريب في كل ليلة تقريبا من سيناء إلى إسرائيل. يترتب عليهم أن يفعلوا ذلك وآمل في أن يفعلوه.
لقد صوتُ ضد اتفاقيات كامب ديفيد (حول السلام مع مصر) عام 1978. وأذكر الحديث الذي دار بيني وبين رئيس الوزراء آنذاك (مناحيم) بيغين حول هذا الموضوع. قال بيغن إنه لن يكلم أحدا (في محاولة للتأثير على تصويتهم). لكنه مشى معي ثلاثة أرباع الساعة، جيئة وذهابا في ردهة الكنيست، وعندما قلت إنني لا أستطيع أن اصوت مع، قال لي: "ستكون انت رجل الضمير وسأكون انا الرجل الذي باع أرض إسرائيل؟ قال لي أشياء قاسية؛ لكنني لم أتقبلها وقلت له بانني سأصوت ضدها. وسأقول لك الآن، من منظور ما يقرب من 30 سنة، الحمد لله والشكر لمناحيم بيغن، لقد كان على صواب وكنت مخطئا.
كانت الاتفاقية مع مصر نقطة تحول تأريخية في تاريخ دولة إسرائيل، وقد تحلى بيغن بشجاعة غير عادية لتغيير موقفه. قبل أن يتولى السلطة، كان يقول بأنه سيفرض القانون الإسرائيلي حالا على يهودا والسامرة وعلى جميع أنحاء أرض إسرائيل. لكنه فعل عكس ذلك... ليس العكس تماما، لكنه تخلى عن جميع سيناء وكان على استعداد للتوصل إلى تقبل الحقيقة الأساسية بأنه لن تكون هناك سيادة إسرائيلية على يهودا والسامرة. لقد تحدث عن حكم ذاتي. تحدث عن ترتيب شيء لتجنب الصراع مع الواقع، لكنه أدرك بأننا لن نستطيع بسط سيادتنا على جميع أرجاء يهودا والسامرة.
كما قلت... كان (السلام مع) مصر نقطة تحول تأريخية، وذلك لا يعني بأننا نوافق على كل شيء أو أنهم يفعلون دائما ما نريد. لكن عندما أفكر حتى فيما ستكون عليه الأمور لو كنا نتعامل مع أناس غير مبارك، حسنا، إنني أدعو الله في كل يوم بأن يمده بمزيد من العافية والصحة.
س: هل ستصنع زيارة الرئيس بوش حدثا تأريخيا الأسبوع القادم؟ وهل سيأتي ليكون عراب الدولة الفلسطينية؟
ج: لا أعتقد أنه سيعرف زيارة كهذه بتلك العبارات. أولا وقبل كل شيء، الرئيس بوش صديق لإسرائيل. خلال جميع سنوات عملي في الحياة العامة منذ العام 1973، لا أذكر بأن أمريكا أنجبت زعيما ودودا مثله لإسرائيل منذ أيام الرئيس فورد. كان فورد صديقا طيبا وحكيما لإسرائيل، ويختلف تماما عن الصورة، وقد مات قبل سنة، وقابلته حوالي عشر مرات في السنوات العشر الأخيرة وزرته في بيته بضع مرات في كولورادو وفي كاليفورنيا. منذ أيامه وحتى يومنا هذا، لا أذكر رئيسا آخر أظهر بانتظام وثبات نفس المستوى من الالتزام تجاه إسرائيل كما يفعل جورج دبليو بوش، إنه شخص عظيم أيضا، وأعرف أن الناس يقولون عنه شتى الأشياء. أيها السادة، إنه خريج جامعتي ييل وهارفارد، والناس لا يتخرجون من ييل وهارفارد دون حكمة وفهم للعمليات والعلاقات الداخلية والدولية. إنه رجل حكيم جدا.
يمكنني أن اقول لك أنه قبل الاجتماع العلني في أنابولس جلسنا في لقاء ثلاثي – ثلاثة أمريكيين ونحن والفلسطينيين في غرفة واحدة – وتكلم مدة 10 دقائق وطرح جميع المشاكل، محللا الوضع بأكمله دون أوراق أو بطاقات أو مذكرات. كان يتذكر جميع التفاصيل، وعرض كل شيء بمنتهى الفصاحة.
س: ما هو الهدف من الزيارة إذن؟
ج: إنه يزورنا ليعبر عن صداقته، ويأتي أيضا للتعبير عن تأييده للعملية الدبلوماسية، وأعرف أناسا قالوا لبوش بضع مرات: "ما الذي تفعله؟ هذا يمكن أن يضر بإسرائيل". فقال ردا على ذلك: "إنني لا اسمع ذلك من الأشخاص الذين يمثلون إسرائيل". ذلك صحيح. هل يعتقد أي منا جديا بأن القيام بعملية دبلوماسية يضر بإسرائيل، وينبغي أن لا يحدث ذلك؟ إنه لا يفعل شيئا واحدا لا أوافقه عليه. وهو لا يؤيد شيئا أعارضه؛ ولا يقول شيئا يعتقد بأنه سيزيد من صعوبة حياة إسرائيل.
لكن يجب أن نفهم شيئا. إن العالم الودود لإسرائيل – وليس العالم المكون من متعصبين ومتطرفين – بل العالم الذي يدعم إسرائيل فعلا، عندما يتحدث عن المستقبل فإنه يتحدث عن إسرائيل من حيث حدود العام 1967. وهو يتحدث عن تقسيم أورشليم القدس. يجب أن نتذكر هذا.
تذكروا أيضا، لقد كانت هناك حكومة في إسرائيل وكانت مستعدة عام 2000 ليس لتقسيم أورشليم القدس فحسب، بل لتقسيم البلدة القديمة، والتخلي عن السيادة على جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف). جبل الهيكل؟ كان ذلك هو موقف رئيس وزرائنا. وبعد ذلك، عندما لم يقبل الفلسطينيون ذلك، أعلنا بطلانها والغاءها، ذلك ما قلناه. لكن الذاكرة أحيانا أقوى من القرارات.
الان، الرئيس بوش صديق عملاق لنا وقال أحد كبار معاونيه انه لا يعلم عن علاقة أخرى تشبه حميمية ترابط الأرواح كما هو الحال بين إسرائيل والولايات المتحدة.
س: ويريد بوش الالتزام بالإطار الزمني لأنابولس (للتوصل الى اتفاق دائم عام 2008).
ج: إنه لا يمارس الضغط. كلا، لا يمارس ضغطا. إنه يريد الالتزام بالجدول الزمني، ولا أدري إن كنت استطيع الالتزام بذلك الجدول الزمني، ولم أعد بذلك أبدا. قلت آمل ذلك، لكنني لا أدري. لكن دعني اسألك: اذا لاحت فرصة للتوصل الى اتفاق وللحصول على مساعدة لاتمام اتفاق، فأيهما أفضل لنا، أن يتم ذلك في عهد الرئيس بوش أو في عهد رئيس آخر, ونحن لا ندري حاليا من سيكون ذلك الرئيس وماذا سيكون موقفه؟ فكر بالأمر.
والان، قد يتضح في نهاية الأمر بأنه لا توجد فرصة (للتوصل إلى اتفاق خلال سنة).
....