المقطع الأول
إنني أول مَن يمثل أمام هذه اللجنة المحترمة وسيتبعني كثيرون آخرون حيث أعتقد بأنكم ستتمكنون من استيضاح جميع التفاصيل واكتناه الحقيقة.
إنني على قناعة بأنه سيتبيّن في نهاية تحقيقاتكم أن دولة إسرائيل وجيش الدفاع عملا وفقاً للقانون الدولي وأن مقاتلي جيش الدفاع الذين عملوا على ظهر السفينة "مرمرة" قد أبدوا شجاعة خارقة في أداء المهمة التي كُلفوا بها والدفاع عن أنفسهم بوجه خطر حقيقي لحياتهم كانوا قد تعرضوا له. إنني أثق بمقاتلي جيش الدفاع حيث تعتزّ دولة إسرائيل بأكملها فيهم.
إن مثول رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام هذه اللجنة اليوم يشكل خير دليل على المعايير العالية التي يلتزم بها النظام الديمقراطي الإسرائيلي.
ويشار إلى أن الديمقراطية في الشرق الأوسط ما هي إلا جنس نادر الوجود حيث توجد في منطقتنا للأسف الشديد أنظمة حكم تقدم على إطلاق النار على معارضيها في وضح النهار وقمع النساء بعنف وإعدامهن رجماً بالحجارة وسلب الأقليات وبعض الشرائح السكانية الكاملة أبسط حقوق الإنسان. وتخلو هذه الدول من الصحافة الحرة القادرة على الكشف عن هذه الجرائم ونشرها كما أنها تخلو من المجالس البرلمانية الحقيقية التي تجري النقاشات وتستوضح الأمور ومن المحاكم المستقلة الضامنة لسير العدالة ومن منظمات حقوق الإنسان المحلية. ولا يوجد في هذه الدول إلا الإرهاب والاستبداد.
أما إسرائيل فكانت دوماً مختلفة تماماً عن هذا المشهد القاتم. إذ إن إسرائيل هي دولة ديمقراطية ليبرالية تعمل بمقتضى سيادة القانون وتملك المحاكم المستقلة والبرلمان المفعم بالنشاط والصحافة الحرة. إن إسرائيل هي حالة نموذجية لدولة ديمقراطية تتعرض للهجمات وتهديدات الحرب غير المسبوقة لكنها رغم ذلك تتمكن من صيانة القيم الديمقراطية والاحتياجات الأمنية في آن واحد. وتستطيع الدول الديمقراطية الأخرى التي تواجه في السنوات الأخيرة التحدي المتمثل بحماية القيم الديمقراطية بوجه الإرهاب أن تتعلم كثيراً من الديمقراطية الإسرائيلية التي تنجح في هذه المهمة منذ 62 عاماً.
ومن أسباب نجاحنا في هذه المهمة المزدوجة حرصنا المستديم على مراجعة إجراءاتنا. إن مجرد كلامي هنا اليوم – ومن ثم مثول الشخصيات الواقفة على القمة السياسية والأمنية الإسرائيلية أمام هذه اللجنة – لهو الرد القاطع على أولئك الذين يشككون في مدى قدرة واستعداد إسرائيل لمراجعة ذاتها. وفي حقيقة الأمر لا توجد أي دولة أو جيش آخر يراجعان نفسيْهما بشكل أفضل من دولة إسرائيل وجيش دفاعها.
وبالتالي فإنني أوجه التساؤلات الآتية لأولئك الذين يوجهون إلينا أصابع الاتهام:
- كما دولة أبدت استعدادها لتشكيل لجنة مستقلة مثل هذه اللجنة؟
- كم دولة كانت ستدعو مراقبين أجانب للمشاركة في لجنة كهذه؟
- كم رئيساً للحكومة ورئيساً للدولة كانوا سيمثلون أمامها؟
لذلك أقول لأولئك الذين يدّعون بأن إسرائيل لا تراجع نفسها بما يتفق مع المعايير الدولية المتعارف عليها إنه حري بالحكومات الكثيرة لدول العالم أن تراجع نفسها حسب المعايير الرفيعة التي وضعتها إسرائيل في هذا المضمار.
المقطع الثاني:
أيها الأكارم ، أرجو رداً على أسئلة اللجنة أن أوضح بداية سياستنا إزاء حكومة حماس في غزة التي تمخضت عنها الإجراءات التي لجأنا إليها في قضية التعامل مع رحلة قافلة السفن الدولية.
لقد تلقت حماس خلال العقد الأخير المساعدات على نطاق متزايد من إيران التي تدعو بدورها إلى إزالة إسرائيل عن الخارطة ، إذ قامت إيران بإمداد حماس بآلاف الصواريخ والقذائف وقطع الأسلحة الأخرى. وقد حوّلت حماس قطاع غزة إلى جيب إرهابي يعمل برعاية إيرانية وهو واقع سبق لي أن أطلقت عليه في يناير كانون الثاني 2006 اسم "حماستان". كما تقدم إيران لحماس مساعدات استخبارية وتدريبات عسكرية ودعماً سياسياً ورؤوس أموال طائلة.
وكانت حماس قد سيطرت على قطاع غزة عام 2007 بالقوة العسكرية وحرمت السلطة الفلسطينية من أي تواجد فعال هناك. وبدأت حماس منذ ذلك الحين بتحصين القطاع بوتيرة متصاعدة وتسليحه لجعله مستودعاً عملاقاً للأسلحة وقاعدة لمهاجمة إسرائيل. وكانت حماس قد أمطرت دولة إسرائيل انطلاقاً من قطاع غزة بآلاف القذائف والصواريخ وقذائف الهاون التي أصابت تجمعاتنا السكنية ومواطنينا. واستهدفت هذه النيران بداية بلدة سديروت والقرى المحيطة بقطاع غزة لكنها امتدت فيما بعد وطالت أشكلون وبئر السبع وأشدود. أما الآن فإن حماس تعكف على جمع الأسلحة التي تطال بمداها تل أبيب ومناطق بعيدة أخرى في البلاد.
ورغم تراجع حجم عمليات إطلاق القذائف والصواريخ منذ عام ونصف عام بشكل ملحوظ إلا أن النيران لم تتوقف كلياً. إذ سمحت حماس قبل أيام عدة لا أكثر – ودون أن يسبق ذلك أي عمل استفزازي – بإطلاق صاروخ "غراد" باتجاه حي سكني في أشكلون وقذيفة "قسام" باتجاه كلية (سابير) في منطقة شاعر هنيغيف. كما أرسلت حماس خفية مجموعة إلى سيناء لإطلاق الصواريخ على إيلات والعقبة.
وتجري عمليات إطلاق النار على الأراضي الإسرائيلية في كثير من الأحيان انطلاقاً من مناطق مأهولة داخل غزة سواء أكان ذلك من داخل المنازل السكنية والمدارس والمواقع المحاذية للمستشفيات والمساجد ومنشآت تعود للأمم المتحدة أو ما أشبه.
وكانت حماس قد اختطفت عام 2006 الجندي غلعاد شاليط لتحتجزه منذ 4 سنوات معزولاً تماماً بمنتهى القسوة دون السماح ولو بزيارة واحدة للصليب الأحمر مما يشكل انتهاكاً سافراً لقواعد القانون الدولي والقيم الإنسانية الأساسية.
أرجو الاستشهاد بكلمات سابقة لرئيسة المحكمة العليا القاضية دوريت بينيش حيث قالت "إن قطاع غزة يخضع لسيطرة تنظيم إرهابي قاتل يعمل بلا هوادة للاعتداء على دولة إسرائيل وسكانها وينتهك أي قاعدة ممكنة للقانون الدولي من خلال ممارساته العنيفة التي تستهدف عشوائياً المدنيين من رجال ونساء وأطفال".
بما أن هذه اللجنة تتعامل مع قضية تخص القانون الدولي فأرجو التنويه إلى أن حماس مسؤولة عن ارتكاب 4 جرائم حرب مختلفة على الأقل وهي: الدعوة إلى إبادة شعب ، وإطلاق النار المتعمد والمُمَنْهج باتجاه المدنيين ، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية ، ومنع زيارات الصليب الأحمر للجندي المخطوف غلعاد شاليط (أرجو اغتنام هذه الفرصة لأطلب من اللجنة أن تضمّن تقريرها النهائي المطالبة بإطلاق سراح غلعاد شاليط والسماح كخطوة أولى بزيارة ممثل للصليب الأحمر له).
إن جرائم الحرب الأربع هذه ليست من وحي الماضي فحسب بل إن حماس ما زالت تقترفها الآن أيضاً. وآمل في أن تجد اللجنة أنه من المناسب تأكيد هذا الأمر في تقريرها. أرجو الإشارة إلى هذه النقطة نظراً لوجود لجان أخرى – تدّعي بأن حقوق الإنسان والقانون الدولي تعزّ عليها كثيراً لكنها تجاهلت بصورة شبه مطلقة المسائل الجوهرية هذه.
إنني على قناعة بأن تحقيقاً حقيقياً مثلما تُجرونه بمعنى التحقيق المستقل والشفاف والموضوعي والمسؤول لن يتغاضى عن هذه المسائل. أما أنا فبصفتي رئيساً لحكومة إسرائيل يتولى المسؤولية عن أمن الدولة ومواطنيها لا يجوز لي تجاهل الطابع الحقيقي لحماس والتهديد الذي تشكله بالنسبة لإسرائيل.
المقطع الثالث:
عندما تبوأت منصب رئيس الوزراء قررت إسناد سياسة إسرائيل إزاء هذا التهديد [لحركة حماس] إلى المبادئ الآتية:
1. إتخاذ الإجراءات للإفراج عن غلعاد شاليط.
2. الرد الفوري على أي عملية إطلاق نار على إسرائيل من قطاع غزة.
3. إتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع إدخال الأسلحة والوسائل الداعمة للقتال إلى القطاع.
4. منع وقوع أزمة إنسانية في القطاع.
أرجو أن أبدأ حديثي بقضية غلعاد شاليط: إن هذه القضية تلامس قلوب جميع أبناء الشعب في إسرائيل. وعندما توليت منصبي عيّنت السيد حغاي هداس مسؤولاً عن المفاوضات الرامية إلى إطلاق سراح غلعاد [شاليط] ، كما أنني وافقت على انخراط الوسيط الألماني صاحب الخبرة المثبتة في العملية التفاوضية. وقد أنجزنا بعد نصف عام صفقة حصلنا بموجبها على شريط مصور يظهر غلعاد يتحدث ويؤدي الوظائف الجسدية والعقلية. وأولي هذا الأمر أهمية كبيرة كون هذا الشريط برهاناً أمام ناظرَيْ العالم أجمع على أن حماس تحتجز غلعاد [شاليط] وتتحمل المسؤولية عن سلامته.
وبعد ذلك بثلاثة أشهر وافقتُ على اقتراح الوسيط [الألماني] لإنجاز صفقة تقضي بالإفراج عن 450 سجيناً حمساوياً بالإضافة إلى 550 سجيناً فلسطينياً آخر مقابل الإفراج عن غلعاد [شاليط]. غير أنني حرصت مع ذلك على المتطلبات الأمنية لمنع العناصر الخطيرة التي سيتم الإفراج عنها من الاعتداء على المواطنين الإسرائيليين مرة أخرى. وبعد مضي 8 أشهر على موافقتنا على اقتراح الوسيط فإننا لا نزال بانتظار ورود رد حماس عليه. كما أننا نواصل في الوقت ذاته بطرق مختلفة ومتعددة العمل على ضمان إطلاق سراح الجندي غلعاد شاليط.
أما بالنسبة لسياسة الرد [على عمليات إطلاق النار من قطاع غزة] فكانت المقاربة التي اعتمدتها دوماً تنص على أن انتهاج سياسة من ضبط النفس لن يؤدي سوى إلى تحوّل هذا "الرذاذ" من الصواريخ إلى "مطر" ثم إلى "عاصفة". وبالتالي قررت اعتماد سياسة تقضي بأن يقوم جيش الدفاع بالرد على أي هجوم بالصواريخ والقذائف على أراضينا في توقيت قريب قدر الإمكان من وقت الهجوم.
فيما يتعلق بمنع دخول السلاح [إلى قطاع غزة] فإننا تابعنا سياسة الحكومة السابقة القاضية بمنع دخول الأسلحة والوسائل الداعمة للقتال إلى قطاع غزة. وتشتمل الجهود التي نقوم بها على إجراءات استخبارية وعملياتية إلى جانب ممارسة النشاط السياسي المتشعب إزاء دول كثيرة أهمها مصر.
إنني أعرتُ أهمية كبيرة لتوثيق علاقات إسرائيل مع مصر وذلك أولاً لغرض تعزيز محور السلام والاستقرار في منطقتنا ثم إدراكاً لأهمية تكثيف الجهود الرامية إلى منع عمليات تهريب السلاح من سيناء إلى القطاع. لقد طرحتُ هذا الموضوع في جميع اللقاءات الخمسة التي عقدتها مع الرئيس مبارك على مدى العام ونصف العام الأخيريْن. وتجدر الإشارة إلى أن العام الأخير شهد تكثيفاً للجهود المصرية الرامية إلى منع دخول السلاح إلى المنطقة الخاضعة لسيطرة حماس.
كما واصلت الحكومة برئاستي – ضمن المجهود المبذول لمنع دخول السلاح إلى القطاع – انتهاج سياسة الطوق البحري الذي كانت الحكومة السابقة قد فرضته خلال عملية "الرصاص المصبوب" في يناير كانون الثاني 2009 وذلك استمراراً للقيود وإجراءات مراقبة حركة البضائع عبر المعابر البرية التي سبق وتم فرضها في سبتمبر أيلول 2007. وسوف أتطرق إلى هذه المسألة فيما بعد.
أما المبدأ الرابع لسياستنا فكان تجنب وقوع أزمة إنسانية في غزة. إذ ثبت لدي عند تسلّمي منصب رئيس الوزراء أن العديد من أصدقائنا في العالم إنما يرددون ادّعاء حماس بأن القيود التي فُرضت عام 2007 والطوق البحري الساري منذ يناير كانون الثاني 2009 قد أدت إلى نشوء أزمة إنسانية في غزة. غير أن المعلومات المتوفرة لدينا أظهرت بوضوح بطلان هذا الادعاء حيث لم تكن هناك مجاعة أو نقص في الأدوية والحاجيات الضرورية الأخرى في غزة.
ورغم خضوع هذه المنطقة لجهة إرهابية معادية تدعو إلى القضاء علينا فإننا لم نتوقف عن إمداد القطاع بالكهرباء والمياه والوقود كما أفسحنا المجال أمام إدخال الأغذية والأدوية وسائر الحاجيات الأساسية. إلى جانب ذلك واصلنا استيعاب الحالات المرضية الخطيرة من غزة في مستشفياتنا بغية إنقاذ الحياة أو معالجة الحالات الخاصة وذلك على نطاق يعادل 1500 مريض ومُرافق كل شهر. ولا يوجد ما يدل أكثر من ذلك على حجم المفارقة العجيبة التي تنطوي عليها الادعاءات بأن إسرائيل تعامل غزة بشكل لا إنساني.
ليت نظام حماس الإرهابي كان سيعامل سكان إسرائيل والجندي المخطوف غلعاد شاليط من منطلق إظهار مثقال ذرة من المعاملة الإنسانية التي تبديها إسرائيل إزاء سكان غزة وسجناء حماس.
وقد وقفت نصب أعين حكومتي – شأنها شأن الحكومة السابقة – ضرورة منع وقوع أزمة إنسانية في غزة والرغبة في تفاديها. وقد حققنا فعلاً هذه الغاية لكننا لم نتمكن من منع نشر هذه الصورة المنافية للحقيقة التي تدّعي وجود أزمة إنسانية [في غزة]. ورغم عدم حصول أزمة إنسانية في غزة إلا أنني قررت أن أخفف تدريجياً من القيود المفروضة على حركة البضائع عبر المعابر البرية. وقد أقدمت على ذلك نظراً لأن هذه القيود أصبحت شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن عبئاً سياسياً وإعلامياً وجرى توظيفها في حملة دعائية كاذبة باتت تنال من دعم المجتمع الدولي لسياستنا القاضية بمنع دخول السلاح إلى غزة. وبناءً على هذا الموقف فقد قمنا بتوسيع قائمة المنتجات الغذائية [المسموح بإدخالها إلى غزة] حتى في عام 2009 بالإضافة إلى زيادة عدد الشاحنات التي تدخل القطاع بنحو 30% خلال الأشهر الخمسة التي سبقت أحداث قافلة السفن الدولية.
غير أن هذه التسهيلات ذات المغزى للقيود المفروضة على دخول البضائع المدنية لم تُجْدِ نفعاً فيما يتعلق بالخطاب الدولي الجاري حول هذه القضية. إذ رغم هذه التسهيلات وصور "البسطات" المحملة بالمنتجات في أسواق غزة التي نشرناها في العالم إلا أن التصور الذي يدّعي حصول أزمة إنسانية في غزة قد أخذ يتكرس لدى المجتمع الدولي. واستخدمت جهات معادية لإسرائيل الحجج الباطلة حول وجود أزمة إنسانية سعياً لاختراق الطوق البحري. وكان هذا – ولا يزال – الدافع الرئيسي لدى حماس في محاولاتها لتشجيع رحلات السفن المختلفة ، لا بل إن هذا الموقف قد قيل صراحة في بعض الأحيان مثلما قالت المتحدثة باسم رحلة السفن من على ظهر السفينة "نافي مرمرة" يوم 27/5/2010: "إن مهمتنا ليست نقل المساعدات الإنسانية بل كسر الطوق".
ويشار إلى أن مبادرة إسرائيل – وليس منظمي قافلة السفن – إلى مراجعة الأمم المتحدة هي التي أدت إلى إدخال بعض البضائع [التي نقلتها السفن] إلى غزة.
المقطع الرابع:
لقد أكدتُ خلال نقاش تمهيدي لرحلة السفن (يوم 26/5/2010) في إطار الفريق الوزاري المسمى "الطاقم السُباعي" (وأفترض أن تقرأوا لاحقاً محضر النقاش) على ضرورة الحرص على اتخاذ السياسة الصائبة بالنسبة لإسرائيل في ظل محاولات ضعضعة الطوق الأمني من خلال سَوْق الادعاء الكاذب بوجود أزمة إنسانية [في غزة].
وكان النقاش في إطار "الطاقم السُباعي" استمراراً لنقاش آخر كان قد جرى صبيحة ذلك اليوم ضمن فريق وزاري حول مجمل سياساتنا إزاء حكومة حماس في غزة حيث أكدتُ الحاجة لإعادة النظر في سياسة الطوق بما تنطوي عليه من تداعيات أمنية وسياسية. أما النقاش الذي جرى ضمن "الطاقم السُباعي" فقلت خلاله إن المبدأ الواجب أن نهتدي به هو "ضرورة منع تهريب الوسائل القتالية" على اعتبار أن هذا هو المبرر الإسرائيلي الوحيد الذي يقبل به المجتمع الدولي مما يعني بدوره أن السياسة الصائبة هي أن تقوم إسرائيل بدور الجهة "المراقبة والمشرفة" التي تحول دون دخول السلاح إلى القطاع.
وقد واصلنا هذا النقاش بعد تفجر قضية قافلة السفن ليصار إلى اعتماد القرار في المجلس الوزاري المصغر تمشياً مع المؤشرات التي تمخضت عن مداولات "الطاقم السُباعي" في فترة ما قبل تسيير قافلة السفن ، بمعنى إنجاز إجراءات رفع القيود المفروضة على البضائع المدنية [المحوَّلة إلى غزة] وإبقاء الطوق الأمني ساري المفعول.
ومن الواضح أن تكون أحداث قافلة السفن وما أعقبها من الخطاب الدولي قد أدت إلى تسريع وتيرة صنع هذا القرار لكن – كما تستطيعون استدلال ذلك من مداولات "الطاقم السُباعي" – كان التوجه نحو اتخاذ هذا القرار قد لاح في وقت سابق. وبالتالي كانت سياستنا ترمي إلى الإبقاء على الطوق البحري كآلية مساعدة لفرض الطوق الأمني.
أرجو تبيان مدى خطورة وجود ممرّ بحري مخترق بالنسبة لأمن دولة إسرائيل. إذ كانت إيران قد حاولت عبر سفينة واحدة هي "كارين A" إرسال عشرات الأطنان من قطع الأسلحة إلى غزة. كما حاولت إيران عبر سفينة أخرى تُدعى "فرانكوب" أن ترسل إلى حزب الله مئات الأطنان من الذخائر بما يماثل ثلثَيْ مجموع الذخيرة التي أُطلقت على الأراضي الإسرائيلية إبان حرب لبنان الثانية [عام 2006].
ومن هذا المنطلق واصلت حكومتي بحكم مجمل الاعتبارات الأمنية فرض الطوق البحري الذي كانت الحكومة السابقة قد فرضته. وقد حرصنا على ذلك سواء بالنسبة لقافلة السفن الدولية مدار حديثنا أو فيما يتعلق بالرحلتيْن اللتين تبعتها إحداهما لسفينة إيرلندية والأخرى لسفينة ليبية. وكان جيش الدفاع قد استعد لفرض الطوق تمهيداً لتسيير قافلة السفن الدولية أسوة باستعداداته لمواجهة رحلات بحرية سابقة.
ونظراً لعدد السفن وحجمها وعدد المشاركين فيها وتصريحاتهم فقد ارتأينا وجوب الإقدام على مسعى سياسي خاص في محاولة لمنع وصول قافلة السفن إلى شواطئ غزة أو على الأقل إقناع منظميها بالوصول إلى أشدود أو العريش حيث يتم من هناك تحويل البضائع [إلى قطاع غزة] عبر المعابر البرية بعد إخضاعها لتفتيشات أمنية.
وقد قامت وزارة الخارجية خلال شهر مايو أيار الماضي بمساعٍ سياسية متواصلة في دول كثيرة من أجل تحقيق هذه الأهداف حيث كانت من بين الدول المستهدفة تلك الدول التي تواجد مواطنوها على ظهر السفن أو الدول التي كانت موانئها قابلة للاستخدام خلال رحلة قافلة السفن في إحدى مراحلها بما فيها مصر واليونان وقبرص وإيرلندا وبريطانيا بالإضافة إلى الأمم المتحدة. وجاءت تركيا في مقدمة الدول التي جرت هذه الاتصالات معها ، فيما شارك وزير الدفاع في هذه الجهود أيضاً.
وفي ضوء الأهمية التي أوليتها للدور التركي المحوري في رحلة السفن المذكورة فقد عمل ديواني بشكل مباشر لدعم الجهود السياسية التي جرت إزاء تركيا (يمكنني الخوض في تفاصيل هذه الاتصالات وراء أبواب مغلقة إذا رغبتم في ذلك). وابتداء من يوم 14 مايو أيار أجرى ديواني اتصالات مع أعلى المستويات في الحكومة التركية حيث استهدفت هذه الاتصالات – مثلها مثل الاتصالات التالية لها التي أجراها وزير الدفاع مع وزير الخارجية التركي الذي يعرفه منذ عدة سنوات – منع حصول مواجهة مع رحلة السفينة "مرمرة". واستمرت هذه الاتصالات حتى عشية وصول رحلة السفن إلى المنطقة المقابلة لسواحل غزة. كما أنني راجعت شخصياً جهة مسؤولة في الحكومة المصرية يوم 27 مايو أيار بطلب التعامل مع الحكومة التركية. لكن كلما اقترب تأريخ وصول رحلة السفن اتضح شيئاً فشيئاً أن الاتصالات السياسية لن توقفها.
بما يختلف عن ذلك فقد اسهمت الجهود السياسية في منع وقوع مواجهات عنيفة مع السفينتين اللتين جاءتا بعد رحلة السفن على اعتبار أن الحكومة الإيرلندية وكذلك جهات معيّنة في ليبيا تصرفت بشكل مسؤول وساعدت على منع المواجهات بالإضافة إلى أن منظمي هاتيْن الرحلتيْن لم تكن لديهم أي نية لمواجهة قواتنا – وذلك خلافاً لمنظمي رحلة السفن الدولية الآنفة أو على الأخص نشطاء منظمة IHH [التركية] الذين تواجدوا على السفينة الرئيسية لها وهي "نافي مرمرة".
فالحقيقة هي أن ركاب السفن الخمس الأخرى التي شاركت في قافلة السفن لم يرغبوا في وقوع مواجهة عنيفة ولذا لم تقع مواجهة كهذه ، غير أن المشهد على ظهر السفينة "مرمرة" كان مختلفاً.
وبالرغم من مساعينا السياسية المتواصلة فإن الحكومة التركية لم تمنع في نهاية المطاف محاولة "مرمرة" اختراق الطوق البحري. وذهبت كل اقتراحاتنا بإخضاع حمولة السفينة لتفتيش أمني في أشدود ومن ثم تحويلها إلى غزة عبر المعابر البرية أدراج الرياح. كما لم ترسل الحكومة التركية أي رسالة عامة لتهدئة الخواطر الملتهبة للنشطاء الذين تواجدوا على ظهر تلك السفينة. ويبدو أن الحكومة التركية لم تعتبر أي احتكاك محتمل قد يقع بين نشطاء أتراك وإسرائيل أمراً يخالف مصالحها أو يستدعي ممارسة الضغوط الفعالة على نشطاء ال-IHH.
ويجب الإشارة إلى أن رئيس الوزراء التركي كان قد التقى يوم 17 من ذلك الشهر [مايو أيار الماضي] بالرئيس الإيراني أحمدي نجاد وبالرئيس البرازيلي لصياغة بيان مشترك حول صفقة نووية مع إيران بصورة تتناقض مع موقف الولايات المتحدة وسائر الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. وقد عززت تركيا بذلك في فترة ما قبل تسيير رحلة قافلة السفن مدى تضامنها وتعاونها مع إيران.
أما بالنسبة لنشطاء منظمة ال-IHH فإنهم لم يسعوا لتجنب المواجهة فحسب بل أعلنوا أنهم معنيون فيها ويرغبون في اختراق الطوق قائلين "إنه يتعين على اليهود العودة إلى أوشفيتس [معسكر الإبادة النازي الشهير إبان الحرب العالمية الثانية حيث قضى الملايين من اليهود]".
المقطع الخامس
بغياب أي ضغط فعال من جانب الحكومة التركية وانعدام أي إرادة لدى منظمي قافلة السفن بتوجيه السفن إلى موانئ بديلة فإن أي مجهود سياسي لم يُجدِ نفعاً:
* لقد حاولنا إحباط انطلاق رحلة السفن على الصعيديْن الدبلوماسي والأمني – دون جدوى ؛
* لقد اقترحنا نقل البضائع عبر ميناء أشدود وميناء العريش [إلى قطاع غزة] – دون جدوى ؛
* لقد أجرينا اتصالات متواصلة مع أعلى المستويات في الحكومة التركية – دون جدوى.
سوف أوسع الحديث في منتدى مغلق لأبيّن الأسباب التي كانت ستعرقل أي مجهود سياسي يرمي إلى ثني "مرمرة" عن محاولة اختراق الطوق.
وعندما اتضح قبل وصول قافلة السفن بعدة أيام أن هذه هي الحالة الناشئة فقد قررتُ عقد اجتماع للمنتدى السُباعي المشار إليه لاتخاذ الاستعدادات اللازمة بشكل متناسق إعلامياً ودبلوماسياً. وعلى اعتبار أن الحدث المزمع كان إعلامياً ويدور حول حدث عملياتي [عسكري] فقد دعوتُ إلى حضور النقاش أيضاً – بالإضافة إلى الوزراء المعنيين – كلاً من رئيس الأركان وممثلي وزارة الخارجية وممثلي هيئة الإعلام.
إنني طلبت الاطّلاع على الأنشطة السياسية والإعلامية الأخيرة التي جرت آنذاك والاستماع إلى أفكار أخرى حول سبل تقليص الثمن الإعلامي والسياسي للاحتكاك الذي بدا في تلك المرحلة حتمياً. وفي نهاية جلسة "الطاقم السُباعي" قمت بتوزيع المهام السياسية والإعلامية اللازمة تمهيداً لرحلة قافلة السفن لأنني أوشكت على التوجه [إلى واشنطن] لعقد لقاء هام مع الرئيس الأميركي. وقد طلبت تقليص مساحة الاحتكاك ما أمكن وكذلك "بذل قصارى الجهود لتفادي وقوع إصابات جسدية أو نفسية". وأعلم بأن توجيهات مماثلة صدرت عن وزير الدفاع ورئيس الأركان أيضاً. كما أنني أصدرت سلسلة توجيهات بتقليص الضرر الإعلامي بوسائل مختلفة.
أرجو لفت انتباهكم إلى أحد هذه التوجيهات الذي نص على إلحاق مراسلين أجانب بقوات جيش الدفاع ليقوموا بتوثيق وتصوير مجريات الحدث لمنع نشر تقارير كاذبة. لقد أردتُ ضمان وجود تغطية كاملة لما يجري عندما يصعد جنودنا ظهر السفن خشية من محاولة أخرى للافتراء على جنود جيش الدفاع في إطار الحرب الدعائية الجارية ضد إسرائيل.
إذ يؤسفنا القول إن الافتراءات على جيش الدفاع ودولة إسرائيل صارت نمطاً ثابتاً لأعدائنا حيث جرى ذلك خلال عملية "السور الواقي" عندما افتروا على جيش الدفاع أكذوبة إقدامه على مذبحة جماعية في جنين. وتكررت الافتراءات خلال حرب لبنان الثانية ثم خلال عملية "الرصاص المصبوب" عندما اتُهمت إسرائيل بشكل كاذب تماماً باستهداف المدنيين عمداً.
وبدأت الأمور تجري في هذا الاتجاه في الحدث المنوَّه به أيضاً صبيحة 31 مايو أيار حيث أفادت التقارير الأولية التي نُشرت في العالم بإقدام جنودنا على قتل نشطاء سلام أبرياء ومسالمين. ولم يُكشف النقاب عن تلك الأكذوبة إلا عند نشر أفلام الفيديو [التي التقطها جيش الدفاع] بعد ذلك بعدة ساعات. أرجو أن تتصوروا ما كانت الأمور ستؤول إليه لو لم نكن نملك الأشرطة المصورة هذه.
وعند نشر هذه الأفلام أخذ الإدراك يتغلغل لدى أناس منصفين ومستقيمين في أنحاء العالم ليوحي لهم بأن "مرمرة" لم تكن قط سفينة محبّة وأن نشطاء ال-IHH لم يكونوا دعاة سلام مسالمين على وجه الدقة. ولم يفهم الكثير من الأشخاص إلا في ذلك الحين أن جنودنا قد واجهوا خطراً حقيقياً لحياتهم متمثلاً بهجمات عنيفة بالهراوات والقضبان الحديدية والسكاكين وأيضاً – كما تم بالطبع إبلاغكم بالأمر – السلاح الناري. ولذا قام جنود جيش الدفاع بما قاموا به من منطلق الدفاع عن النفس. لقد بذلنا جهوداً جبارة لمنع وقوع خسائر في الأرواح لكن يحق لجنود الجيش الدفاع عن أنفسهم.
ولا يساورني أدنى شك بأن اللجنة سوف تستوضح كل الحقائق وأن الحقيقة سترى النور لتتلاشى كل الافتراءات المختلفة التي تتعرض لها إسرائيل وجنود جيش الدفاع والمرتبطة بقضية قافلة السفن الدولية. ايها أعضاء اللجنة الأكارم ، بذلك ينتهي الكلام الذي أردت سَوْقه إليكم في مستهل أقوالي.