مقال بقلم حاييم ديفون 1/6/2011 نشر في NRG
في تموز/ يوليو 2010, عندما كانت أنظار العالم أجمع تتّجه إلى المونديال الذي أقيم في جنوب إفريقيا – وقعت كارثة جسيمة في كونغو حيث انفجرت ناقلة نفط قرب ستاد (مدرج) مفتوح كان يغصّ بالسكان المتفرّجين الذين شاهدوا مباريات كرة القدم على شاشة كبيرة – ما أسفر عن مقتل وجرح مئات الأشخاص.
كونغو - التي تفتقد الخبرة والتجربة في التعامل الجماهيري مع كوارث كهذه – احتاجت إلى إغاثة ومساعدات خارجية من دول العالم لتمكينها من التغلب على الكارثة والمساعدة في معالجة الجرحى. إن أول دولة هبّت لنجدة كونغو كانت إسرائيل – هي دون غيرها – علمًا بأنها قد أرسلت بعثة إغاثة كانت تضمّ أطباء وممرّضات قدّموا العلاج للمصابين ونجحوا في مداواة وتأهيل العديد منهم. وقد حقّقت إسرائيل ذلك بفضل التجربة والخبرة إلى جانب القدرة على ترجمة الخبرة المتراكمة إلى أرض الواقع.
إنكم لم تقرؤوا– على ما يبدو – خبر هذا الحادث في وسائل الإعلام – مثله مثل العديد من الحالات التي كانت فيها الوكالة الإسرائيلية للتعاون الدولي للتنمية ("مشاف") السبّاقة في تقديم المعونة والإغاثة إلى دول وقعت في ضائقة إنسانية خطيرة.
زد على ذلك أن إسرائيل هي من أكبر الدول المصدّرة للخبرة لا سيّما إلى دول العالم النامية في مجالات مثل الصحة والزراعة. نعم, حقّا ما سمعتم, رغم الأصوات المناهضة لإسرائيل في العالم ورغم الاستنكارات في الأمم المتّحدة ورغم غولدستون ورغم العديد من العوامل الأخرى التي تخلق صعوبات بوجه مكانة إسرائيل الدولية- الا أن إسرائيل تعدّ هيئة ذات وزن في مجال المساعدات الدولية ودولة سبقت العديد من دول العالم.
إسرائيل كانت الأولى – مهما بدا ذلك غريبا –التي أدركت أن هناك حاجة لإنشاء وكالة دولية لتقديم المساعدات لدول العالم وقد عملت على أساس هذه الرؤية الأخلاقية – حتى قبل إحيائها الذكرى العاشرة لإقامتها.
وأحد الدلائل على ذلك يتم في هذه الأيام بالذات - عندما تستضيف إسرائيل عشرات الزعيمات من جميع أنحاء العالم – بينهنّ نائبة الأمين العام للأمم المتحدة والمديرة العامة لمنظمة اليونيسكو في مؤتمر مركز "الكرمل" الذي يعقد مرة كل عامين. ويشكل هذا المؤتمر الامتداد المهني الأكثر أقدمية للوكالة الإسرائيلية للتعاون الدولي للتنمية (مشاف) التي كانت قد أقيمت قبل 50 عاما وكانت أول من قامت بالمساهمة في تعظيم دور المرأة في دول العالم النامي.
الخبرة الإسرائيلية تحظى باهتمام متزايد
إن الطريق إلى نقل الخبرة الإسرائيلية إلى دول العالم يمرّ عبر دورات تكميلية تقيمها إسرائيل في البلاد والخارج وعشرات المشاريع التي بادرت إليها إسرائيل لتقليص مشكلات الفقر والنقص في العالم النامي.
وقد شارك خلال السنين الطويلة من النشاط في الدورات الاستكمالية ضمن الوكالة الإسرائيلية للتعاون الدولي للتنمية ("مشاف") ما لا يقل عن 270,000 شخص من جميع أرجاء العالم حيث تلقوا الإرشاد والمساعدة في عشرات المشروعات في مجالات الزراعة والتنمية المجتمعية والاجتماعية-الاقتصادية والصحة والطبّ وتعظيم دور المرأة وبالطبع المساعدة الانسانية.
ويشار إلى أن كلا من ال -270,000 شخص الذين تلقوا الإرشاد والمساعدة من دولة إسرائيل قد أصبح وكيلا للتغيير داخل الدولة التي وصل منها.
وتحظى الخبرة الإسرائيلية باهتمام كبير بسبب "النموذج الإسرائيلي الفريد من نوعه" الذي يدمج بين دولة توجد في حالة النزاع المتواصل مع الدول المجاورة لها وكون إسرائيل دولة استوعبت عددا هائلا من المهاجرين كان يفوق عدد المستوعِبين, مواطني الدولة, وكونها دولة يعيش جزء كبير منها في ظروف صحراوية.
رغم كافة ظروف الافتتاح الصعبة تحولت إسرائيل من دولة نامية إلى دولة غربية متقدمة ودولة مصدّرة متفوقة في غضون فترة وجيزة. فضلا عن ذلك تشكّل إسرائيل نموذجا لدولة ذات اقتصاد شاب أفلحت في التطور بوتيرة سريعة بحيث أصبحت في عداد الدول الأكثر تطورا في العالم اقتصاديا وأصبحت عضوا كاملا في منظمة OECD.
لقد ساعدونا - فالآن جاء دورنا نحن لتقديم المساعدة
يوجّه إلينا غير مرة سؤال عن سبب اضطرار إسرائيل لتكريس وقت ثمين جدا لأولائك الذين ليسوا "الأقرباء الأوْلى بالمعروف". وإنني أردّ دائما على هذا السؤال بالقول إنه لحسن حظنا لم تعتقد الولايات المتحدة ذلك بل قررت مساعدة إسرائيل بالإضافة إلى "الأقرباء الأوْلى بالمعروف" علمًا بأن إسرائيل هي الأخرى دولة أنشئت بفضل مساعدات خارجية. فإننا نعلم أحسن من أي أمّة مدى أهمية وقوف دول العالم إلى جانبنا كما ندرك ماذا حدث لنا عندما لم تفعل دول العالم ذلك.
لذا من الأهمية بمكان أن تستمر إسرائيل - بعد مضيّ 63 عاما على تحوّلها من دولة, لم يعلم أحد بفرص بقائها, إلى إحدى الدول المتقدمة في العالم الغربي- في تنفيذ هذا المشروع الفريد من نوعه والذي كان أنشأه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دافيد بن غوريون ووزيرة الخارجية سابقا غولدا مئير - هذا المشروع الذي أصبح روح الشعب الإسرائيلي على أحسن وجه.
وخاصة من الأهمية أن نذكر أقوال بن غوريون التي كان أدلى بها لدى بدء مشروع إسرائيل الخاص بالمعونة الدولية حيث قال: "كما أننا هنا, اليهود في وطنهم, يجب علينا أن نسأل أنفسنا: هل سيكون باستطاعة إسرائيل المساعدة في النهوض بالدول الأسيوية والإفريقية؟ هذا سؤال أخلاقي وسياسي على حدّ سواء بالنسبة إلى إسرائيل.
وما من شكّ - من هاتين الناحيتين - في أنه من واجب إسرائيل اعتبار المساعدات إلى هذه الدول مهمة تأريخية كبرى حيوية لإسرائيل بقدر ليس أقلّ من مدى جدواها بالنسبة للدول التي تتلقى هذه المساعدات.
* * * * *
الكاتب هو نائب مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية ورئيس الوكالة الإسرائيلية للتعاون الدولي للتنمية ("مشاف")