في العام 1947، أدت رغبة المجتمع اليهودي خلال عهد الإنتداب البريطاني في إقامة دولة يهودية ديمقراطية ومسالمة الى تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 181 (قرار التقسيم) الذي نص على قيام دولتين: إحداهما يهودية والأخرى عربية، تعيشان جنبا الى جنب بأمن وسلام. واليوم، ما زال هدف إسرائيل هو تحقيق سلام عادل وشامل مع جميع جيرانها وذلك على الرغم من مرور عقود من الزمن اضطرت خلالها الى الدفاع عن وجودها.
ليست لدى إسرائيل أية رغبة في السيطرة على حياة الفلسطينيين، وهي لا تسعى إلا إلى الدفاع عن مواطنيها. وعندما يستهدف الإرهابيون الفلسطينيون الإسرائيليين، فإنهم بعملهم هذا, لا يقوضون دعائم التطلعات الوطنية للاسرائيليين فحسب، بل يجلبون الموت والمأساة على أبناء شعبهم وذلك من خلال إبعاد تحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية.
يتوجب على كل من يشاطرنا رؤيا السلام المعتدلة في جميع أرجاء المنطقة, أن ينبذ الإرهاب. فهذه رؤيا يمكن لها أن تتحقق من خلال إقامة دولة فلسطينية مستقرة ومزدهرة ومسالمة توفر الرد على التطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي كل مكان.
اما الركود والجمود في الشرق الأوسط لن يؤديا إلا الى العنف. والسياسة التي تنتهجها إسرائيل, تهدف الى إيجاد قاسم مشترك مع الفلسطينيين، يسمح بإحراز تقدم في المسيرة السلمية, ويوفر في الوقت ذاته, أفقا سياسيا للفلسطينيين من جهة والمزيد من الأمن والأمان للإسرائيليين من الجهة الأخرى. وفي ظل المساعي الرامية الى كسر الجمود، أصر المجتمع الدولي على أن الطريق الى إقامة الدولة الفلسطينية, يجب أن يشمل قبول الفلسطينيين لمبادئ الرباعية الدولية الأساسية الثلاثة ألا وهي: الاعتراف بإسرائيل، نبذ الإرهاب وقبول جميع الاتفاقيات والالتزامات الإسرائيلية الفلسطينية السابقة.
ومع الأخذ بعين الاعتبار للصراعات الداخلية العنيفة داخل السلطة الفلسطينية بين عناصر فتح، التي تقبل بمبادئ الرباعية الدولية، وبين الحكومة بقيادة حماس، التي ما زالت تعارض وجود إسرائيل، فإن دعم القوى المعتدلة في الحلبة الدولية وفي العالم الإسلامي هو أمر ضروري بالغ الأهمية.
إن التهديد الذي توجهه مجموعات إرهابية مثل حزب الله والقاعدة وحماس, ومثله مثل التهديد الذي توجهه دول قامت على أساس التطرف الإسلامي مثل إيران، لا يقتصر على إسرائيل وحدها, بل يتعداها ليشمل العالم بأسره وهو يندرج في إطار المواجهة العالمية بين المتطرفين والمعتدلين. إن محاربة المتطرفين هو أمر لا مناص منه، وفي الوقت ذاته يجب التعاطي مع المعتدلين, شد أزرهم وتعزيز مكانتهم. إن إسرائيل ستواصل إجراء الحوار مع المعتدلين في السلطة الفلسطينية، كما أنها ستواصل مساعيها من أجل تطوير الحوار مع المعتدلين في العالم العربي.
وبهذا المضمار هناك دور هام بشكل خاص يمكن للدول العربية أن تلعبه وتمارسه. اذ ان المعتدلين في الجانب الفلسطيني بأمس الحاجة الى دعم عربي شامل من أجل التوصل الى الحلول الوسط التي ستتطلبها الاتفاقية النهائية مع إسرائيل. ويمكن للمعتدلين العرب ايضا أن يقوموا بدور المحفز وصولًا الى مصالحة إسرائيلية فلسطينية.
لهذا السبب, تنظر إسرائيل بالإيجاب الى المبادرة الأخيرة التي قدمتها العربية السعودية باعتبارها وسيلة للتعاطي الاسرائيلي العربي والذي يستهدف دفع عملية السلام قدما. هذا هو تطور هام ترحب به إسرائيل، وهي على استعداد للتحاور مع دول عربية بغية دفع هذه المبادرة.
إن مبادرة الجامعة العربية مبادرة إيجابية من حيث دعوتها الى تطبيع العلاقات مع إسرائيل. مع ذلك, فإنها تتضمن أيضا بعض الجوانب الإشكالية، مثل الإصرار على ما يسمى ب"حق العودة" الفلسطيني والبت السابق لأوانه في مسائل حدودية.
يجب أن يكون مفهوما وواضحا, بأن اقامة الدولة الفلسطينية يجب أن تكون الحل لمطلب "العودة" الفلسطيني – مثلما وفرت إقامة دولة إسرائيل الحل لتطلعات أبناء الشعب اليهودي التاريخية إلى العودة الى وطنهم. وعلى غرار ما تقدم، يجب أن يكون واضحا ومفهوما, بأن خطوط وقف إطلاق النار عام 1967 لم تكن حدود دائمة، وبأنه لم يكن هناك اي تواصل إقليمي بين قطاع غزة والضفة الغربية. اما إصرار جامعة الدول العربية فيما يتعلق بقضيتي اللاجئين والأراضي يظهر تطلعات غير واقعية لتحقيق مكاسب تتجاوز ما كان قائما عام 1967.
وأثناء لقائها يوم 10 مايو/أيار في القاهرة بوزيري الخارجية المصري أحمد ابو الغيط والأردني عبد الاله الخطيب، صرحت وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني بأنه يمكن للدول العربية القيام "بدور هام" في مساعدة إسرائيل والفلسطينيين على صنع السلام. "أؤمن حقا بأنه يمكن للعالم العربي أن يلعب دورا هاما في مجال تعزيز ودعم جهود كلا الطرفين من اجل تحقيق السلام", كما قالت ليفني. وفي ختام هذا اللقاء أعلن وزير الخارجية المصري ابو الغيط عن نية الفريق التحضيري التابع للجامعة العربية والذي يضم وزيري خارجية مصر والأردن القيام بزيارة لإسرائيل خلال الأسابيع القليلة المقبلة ممثلًا عن جامعة الدول العربية. وستكون هذه أول زيارة يقوم بها ممثلون رسميون عن الجامعة العربية لإسرائيل.
"إنني أعتقد فعلا بأن هذه هي البداية التي يمكن أن تساعد كلا الطرفين, وأن تساعد المنطقة بأسرها على تحقيق السلام"، أضافت ليفني. "إننا - جميع المعتدلين في المنطقة- نشاطرالهدف ذاته ألا وهو حل الدولتين اللتين تعيشان جنبا الى جنب بأمن وسلام... أصبحت هناك فرص جديدة في تفهم العالم العربي للضرورة إلى دعم عملية السلام".
إن إسرائيل تشيد بتحرك الجامعة العربية الرامي الى دعم المعتدلين في السلطة الفلسطينية ومساعدتهم على التوصل الى تسوية مع إسرائيل. بيد أنه لا يمكن حل الصراع طالما استمرت أعمال العنف. إن إسرائيل تشجع القوى المعتدلة حقا في العالم الإسلامي على ممارسة الضغط على القيادة الفلسطينية من أجل وضع حد لأعمال العنف, والوفاء بالتزاماتهم, لكي يبزغ السلام في الأفق السياسي.