* كيف يمكن بلوغ السلام؟
إن حلم المستقبل الذي يستطيع فيه الأطفال الإسرائيليون والعرب النشوء متحررين من تهديد الحرب والخوف من الإرهاب يجمع الإسرائيليين برمتهم. ولكن التاريخ الطويل من المفاوضات الفاشلة مع الفلسطينيين قد أثبت أن مجرد التطلع إلى السلام ليس كافيا. فقد قدمت إسرائيل المرة تلو الأخرى مقترحات سلمية بعيدة المدى وتنازلات كبرى، بالإضافة إلى التخلي عن مساحات شاسعة من الأرض واجتثاث المستوطنات وسحب القوات وتفكيك القواعد العسكرية واتخاذ خطوات تهدف لتمكين الفلسطينيين من إرساء أسس الحكم الذاتي. وكانت مكافأة إسرائيل بعد ذلك كله الحملات الإرهابية والتفجيرات الانتحارية والاعتداءات الصاروخية والتحريض السامّ ضد الإسرائيليين واليهود. كما أنها تتعرض لحملة متواصلة في الحلبة الدولية هدفها نزع الشرعية عن وجودها ذاته وتخريب اقتصادها.
لقد كانت إسرائيل مستعدة دوما للحلول الوسط، وكانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة – بما فيها الحكومة الحالية - على استعداد لتقديم تضحيات كبرى من أجل السلام. ولكن صنع السلام يتطلب تنازلات من كلا الطرفين، ومثلما أقرت إسرائيل بحقوق الفلسطينيين ومصالحهم، فإن لها حقوقها ومصالحها الشرعية التي تتطلب الإقرار بها هي الأخرى والتعامل معها. ولا يمكن بلوغ السلام إلا من خلال المفاوضات الجادة الكفيلة بجسر الفجوات وحل جميع القضايا العالقة.
* ما هي أركان السلام الخمسة؟
إن أسس السلام الدائم يمكن إيجادها من خلال تطبيق خمسة أركان، تدور الثلاثة الأولى منها حول الاعتراف بشرعية إسرائيل، فيما يتعلق الركنان المتبقيان بالشؤون الأمنية. ومع أن هذه الأركان ليست شروطا مسبقة للمحادثات السلمية، إلا أن السلام الحقيقي والدائم لن يتأتى إن لم تتم الاستجابة لها، وهي الأركان التالية:
1) تماما كما يطلب من إسرائيل الاعتراف بالدولة القومية للفلسطينيين، يترتب على الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل دولةً قومية للشعب اليهودي، علما بأن رفض الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية هو من صميم النزاع.
2) من الواجب حل قضية اللاجئين الفلسطينيين في إطار الدولة القومية الفلسطينية. وفي حين يجب أن تكون للاجئين الفلسطينيين حرية الاستقرار في الوطن الفلسطيني، فإن إسرائيل لا تستطيع السماح لنفسها من الناحية السكانية بأن تجتاحها موجة من اللاجئين، تقوض الهوية الأساسية لإسرائيل باعتبارها الدولة اليهودية الوحيدة على وجه الأرض.
3) يجب أن يشكل أي اتفاق للسلام نهاية مطلقة للنزاع، إذ يترتب على السلام أن يكون سلاما دائما وليس مرحلة مؤقتة يستخدمها الفلسطينيون منطلقا لمتابعة النزاع مع إسرائيل، فمن غير الجائز إثارة مطالب جديدة بعد التوقيع على اتفاق السلام.
4) استنادا إلى حقيقة الاعتداءات التي تعرضت لها إسرائيل بعد خروجها من كل من قطاع غزة وجنوب لبنان، فمن الأهمية بمكان ألا تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية دولة تهدد دولة إسرائيل. وعليه فإن أي أرض يتم إخلاؤها في نطاق اتفاق لا يمكن أن تستغل من قبل الإرهابيين أو أدوات إيران للاعتداء على إسرائيل. والطريق الوحيد لبلوغ هذا الهدف والحيلولة دون وقوع نزاع آخر هو أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح فعلا.
5) يجب أن يقدم المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضمانات لأي معاهدة سلام، وبوجه خاص ما يتعلق بنزع السلاح والترتيبات الأمنية. أما الدعم فيكون بالوسائل السياسية وليس العسكرية، على أن تكون الضمانات المذكورة بمثابة وسيلة إضافية لردع أولئك الذين يرغبون في نزع الشرعية عن ترتيبات التجريد من السلاح أو خرق الترتيبات المتعلقة بذلك.
* ماذا كان رد الفلسطينيين على عروض السلام الإسرائيلية؟
كان الشعب الإسرائيلي مستعدا على الدوام لتقديم تنازلات هائلة، إما من خلال التفاوض أم من جانب واحد، من أجل إحلال السلام. وكلما كان السلام يبدو ممكنا وكلما تقدم شريك مفاوض سعيا وراء السلام، استجابت له إسرائيل، مبرهنة بوضوح قدرتها على صنع السلام وأمانيها في تحقيقه.
بل إن استعداد إسرائيل للتوصل إلى اتفاق مع جيرانها قد سبق تأسيس الدولة ذاتها، حيث قبلت القيادة اليهودية قبل قيام الدولة العديد من المشروعات الدولية لتقسيم البلاد، ومن بينها قرار الأمم المتحدة رقم 181 الصادر عام 1947 والذي دعا إلى تقسيم أراضي الانتداب الفلسطينية بين دولة يهودية وأخرى عربية. ولكن لسوء الحظ، رفض هذا المشروع وبشدة من الطرف العربي، والذي سبق أن رفض مشروع لجنة بيل لعام 1937 والكتاب الأبيض البريطاني لعام 1939، وهما وثيقتان أعطتا للفلسطينيين أملا في تأسيس دولة خاصة بهم.
وبعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، بدا الفلسطينيون وأنصارهم العرب أكثر اهتماما بتدمير إسرائيل منهم رغبة في تأسيس دولة فلسطينية. وفعلا، لم تجر بين عامي 1948 و 1967، ورغم كون الضفة الغربية تحت سيطرة الأردن وقطاع غزة تحت سيطرة مصر، أية محاولة لتأسيس دولة فلسطينية، أما الاعتداءات على إسرائيل فاستمرت بلا هوادة. وفي أعقاب النصر الإسرائيلي في حرب الأيام الستة سنة 1967، رفض اجتماع جامعة الدول العربية في الخرطوم رفضا مطلقا مشاريع السلام التي قدمتها إسرائيل بعد الحرب، حين أعلن: "لا سلام مع إسرائيل، ولا اعتراف بإسرائيل ولا مفاوضات معها".
وقد تم التوصل إلى أول اتفاق سلام بين إسرائيل ودولة مجاورة لها من خلال المفاوضات التي أعقبت زيارة الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، لأورشليم القدس في سنة 1977. وكجزء من معاهدة السلام مع مصر، أعادت إسرائيل المنطقة العازلة في شبه جزيرة سيناء التي كانت تشكل 91% من مجمل الأراضي التي وقعت تحت سيطرتها نتيجة حرب الأيام الستة. وبقيامها بذلك، تخلت إسرائيل عن مراكز إلكترونية حيوية للإنذار المبكر، بالإضافة إلى 170 مركزا عسكريا ومجموعة من المصانع والمشاريع التجارية والقرى الزراعية وحقل للنفط كانت قد اكتشفته في سيناء. وكان الأكثر إيلاما من ذلك كله قيام إسرائيل باجتثاث 7000 من مواطنيها من بيوتهم في سيناء. وقد فعلت إسرائيل كل ذلك مقابل وعد بالسلام. وبرهنت معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية بكل وضوح استعداد إسرائيل لتقديم التضحيات من أجل السلام.
أما الفلسطينيون الذين كان باستطاعتهم تأسيس حكم ذاتي بمقتضى اتفاقيات كامب ديفيد المعقودة بين إسرائيل ومصر، فقد رفضوا التعاون، مفوتين بذلك مرة أخرى فرصة تحقيق طموحاتهم الوطنية.
وعقب المتغيرات في الساحة الدولية، وافق الفلسطينيون أخيرا، ومعهم الدول العربية المجاورة لهم وهي سوريا ولبنان والأردن، على إجراء مفاوضات ثنائية ومتعددة الأطراف مع إسرائيل، فبدأت محادثات مباشرة في مؤتمر مدريد لعام 1991، وهي المحادثات التي أسفرت عن توقيع معاهدة سلام بين إسرائيل والأردن في شهر أكتوبر تشرين الأول من عام 1994.
أما المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين فقد تمخضت عن إعلان المبادئ في سبتمبر أيلول 1993، حيث وافقت إسرائيل، مقابل وعد الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل والتخلي عن العنف والإرهاب، على تقديم تنازلات ملموسة بعيدة المدى، بما فيها إنشاء السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة برئاسة ياسر عرفات. وقد سلمت إسرائيل الفلسطينيين سلطات وصلاحيات هامة في مساحات جغرافية واسعة.
واستمرت مفاوضات الحل النهائي، رغم ضرب الفلسطينيين لها بالاعتداءات الإرهابية وحملات التحريض ضد إسرائيل في وسائل الإعلام والمدارس والمساجد المدعومة من السلطة الفلسطينية. وقادت هذه المحادثات إلى انعقاد قمتي كامب ديفيد وطابا المحوريتين تاريخيا، واللتين قدم فيهما القادة الإسرائيليون حلولا وسطا استثنائية من أجل السلام. ولسوء الحظ، اختار ياسر عرفات رفض العروض الإسرائيلية غير المسبوقة التي كانت ستتمخض عن دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبعد ذلك بوقت قصير قرر عرفات إدارة ظهره للمفاوضات بشكل كلي وإطلاق موجة جديدة من الإرهاب، أي الانتفاضة الثانية التي أسفرت عن موت الآلاف من الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
وبغياب شريك فلسطيني مفاوض حقيقي من جهة، وتطلعا لإعادة إطلاق عملية السلام من جهة ثانية، قامت إسرائيل بعملية الانفصال الأحادي الجانب من قطاع غزة في عام 2005، من خلال الإقدام، وللمرة الثانية، على اجتثاث آلاف العائلات الإسرائيلية من بيوتها. ومع مغادرة آخر المستوطنين والجنود الإسرائيليين للقطاع، أملت إسرائيل في أن يولّد التنازل البعيد المدى والذي وفر للفلسطينيين فرصة حقيقية لإرساء أسس الدولة بطرق سلمية, يولد مستقبلا أفضل للشعبين.
ولكن، مرة أخرى لم تلقَ التضحية الإسرائيلية الموجعة المعاملة بالمثل، بل أقدمت منظمة حماس الإرهابية بدلا من ذلك على السيطرة على مقاليد الحكم في غزة والتصعيد الهائل للاعتداءات على القرى والمدن الإسرائيلية الجنوبية بالصواريخ وقذائف الهاون، مما أجبر إسرائيل على تنفيذ عملية واسعة النطاق في غزة في شهر ديسمبر كانون الأول من سنة 2008، حققت النجاح في تقليص اعتداءات حماس بشكل كبير.
في الشريط: نيران الصواريخ من غزة
وبالرغم من الموقف الفلسطيني الرافض ، لم تتخل إسرائيل عن سعيها للسلام، ولكن الشعب الإسرائيلي يلاقي صعوبة متزايدة في التمسك بآمال السلام، خاصة بعد أن رفض رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس مجرد الرد على مقترح رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت في سنة 2008 بشأن الدولة الفلسطينية، والذي تردد أنه كان أكثر مقترحات السلام سخاء حتى الآن.
منذ الأيام الأولى لقيام دولة إسرائيل، لا بل حتى قبل قيامها، برز نمط واضح تمثل في أن أي رغبة إسرائيلية ظاهرة للتسوية وتقديم تضحيات كبيرة من أجل السلام قابلها الفلسطينيون بالرفض وعدم الاستعداد لمقابلتها بتنازلات من جانبهم.
* ما هو تأثير انقلاب حماس في غزة على فرص السلام؟
في عام 2005 انفصلت إسرائيل كليا عن غزة وأربع مستوطنات في شمال السامرة أملا في إيجاد فرصة للسلام. وأعادت إسرائيل نشر قواتها المسلحة وأخلت 8000 مستوطن وفككت 25 مجتمعا، مما كلفها بلايين الدولارات وولد صدمة وطنية عميقة. ولكن بدل التحرك نحو السلام، لقيت إسرائيل أرضا معادية على حدودها، حيث سيطرت حماس، وهي منظمة إرهابية مدعومة من إيران، على مقاليد الحكم في قطاع غزة عن طريق العنف سنة 2007، وتصاعدت بشكل هائل الاعتداءات على المدنيين الإسرائيليين والتي ظلت مستمرة منذ عام 2000، فباتت المدن والبلدات الإسرائيلية المتاخمة لغزة هدفا لقصف شبه يومي بصواريخ القسام وقذائف الهاون. كما جرت محاولات عديدة لتنفيذ أعمال إرهابية داخل إسرائيل، وسط تنامي البنية التحتية الإرهابية بوتيرة مقلقة.

وكانت إسرائيل تأمل في أن يتمخض انفصالها عن غزة عن تراجع الاعتداءات الإرهابية وتزايد الثقة المتبادلة، ليؤدي ذلك كله إلى اتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين، إلا أن صعود حماس وما تبعه من عنف جعل الجمهور الإسرائيلي متشككا في أن تلقى تضحياته من أجل السلام المعاملة بالمثل في أي وقت في المستقبل، علما بأن أي اتفاق للسلام سيتضمن تقديم إسرائيل لتضحيات فعلية حقيقية من أجل السلام، فضلا عن مواجهة مخاطر أمنية ملموسة تتطلب ثقة الشعب الإسرائيلي بصفتها من أهم مقومات السلام. أما الوجود المستمر لحكومة إرهابية في غزة ومحاولاتها الدائمة للاستيلاء على السلطة في الضفة الغربية فستقوض هذه الثقة إلى حد كبير.
إن حماس لم تأت بغير العنف إلى المواطنين الإسرائيليين ولم تقدم غير المآسي للفلسطينيين. وكما أظهرت أحداث غزة، فإن الإرهابيين، وإن كانوا يدّعون بأنهم يدفعون بحقوق الفلسطينيين إلى الأمام، إلا أنهم لم يفلحوا سوى في تقويض هذه الحقوق. لقد ساد الخراب قطاع غزة منذ انفصال إسرائيل عنه وقيام حماس بانقلابه، حيث أسست حماس دويلة إرهابية مدعومة من إيران على الحدود الجنوبية لدولة إسرائيل وفرضت أجندتها الأصولية على سكان غزة، من خلال تطبيق الشريعة وقمع النساء وضرب الحريات الفردية واضطهاد معارضيها من خلال ممارسة العنف.
ومن البديهي أن الدولة الفلسطينية المستقبلية لا يمكن أن تكون كيانا إرهابيا، ولذلك، أصر المجتمع الدولي على أن السبيل إلى هذه الدولة يجب أن يمر عبر القبول بالشروط التي وضعتها اللجنة الرباعية الدولية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا)، بما فيها التخلي عن الإرهاب وقبول الاتفاقات الإسرائيلية الفلسطينية السابقة والاعتراف بحق دولة إسرائيل في الوجود. ولكون حماس منظمة إرهابية تكرس نفسها، حسب تعريفها هي، لتدمير إسرائيل، فإنها غير قادرة على الإطلاق على قبول أي من هذه الشروط.
ليس ثمة أحد يريد سلاما حقيقيا أو مستقبلا أفضل للفلسطينيين ويمكنه في الوقت نفسه مجرد التفكير بتطبيق الواقع الذي يعيشه قطاع غزة والمتمثل في حكم ثيوقراطي متعصب على الضفة الغربية كذلك. ومن واجب جميع من يقترحون انسحابا إسرائيليا آخر من مناطق في الضفة الغربية، أخذ الدروس المستخلصة من قطاع غزة بعين الاعتبار.
* هل يمكن أن تكون حكومة وحدة لحماس وفتح شريكا للسلام؟
حين استولت حكومة حماس على مقاليد السلطة في غزة، حملت تصريحات حماس الداعية إلى العنف والمعارضة لحل الدولتين والنافية لحق إسرائيل في الوجود، كما وتورطها المباشر في الإرهاب، الرباعية الدولية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة) على وضع ثلاثة شروط لأية حكومة فلسطينية من أجل الحصول على الشرعية والتعاون الدوليين، وهذه الشروط الثلاثة هي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والتخلي عن الإرهاب والعنف وقبول الاتفاقات والالتزامات السابقة.
وقد طالب المجتمع الدولي بالتزام أي حكومة فلسطينية بهذه الشروط الثلاثة، و"بخلو هذه الحكومة من أي عضو" لا يلتزم بها. وعليه، فإن حكومة وحدة وطنية تضم متشددي حماس لا يمكن أن تكون شريكا في السلام.
إن الشروط التي وضعتها الرباعية الدولية والتي تواصل حماس رفضها، ليست عقبة على طريق السلام، وإنما هي الشروط الأساسية التي يستطيع من خلالها المجتمع الدولي معرفة ما إذا كانت الحكومة الفلسطينية قادرة على أن تكون طرفا في المفاوضات السلمية.
إن إيديولوجية حماس المتشددة لا تسمح لها بالقبول بأي حل وسط مع إسرائيل، فميثاقها يصرح بأن إسرائيل سيمحوها الإسلام، كما أن حماس تعلن في شعارها الرسمي بأن "الجهاد سبيلنا وإن الموت في سبيل الله أسمى أمانينا". وتسلك حماس طرق العنف، بما فيها الإرهاب، كما تستخدم الوسائل السياسية لنيل هدفها الأول، وهو تأسيس دولة فلسطينية إسلامية متطرفة على أنقاض إسرائيل.
واستنادا إلى أهدافها المشكوك فيها ورؤيتها الدوغماتية، فإن حماس ليست قادرة على التخلي عن شيء من موقفها من إسرائيل، بل إن أي مفاوضات مع السلطة الفلسطينية لن تؤثر بالإيجاب على طموحات حماس أو سلوكها، وليس بوسعها إلا جعل السلطة الفلسطينية أكثر تصلبا.
إن منح الشرعية الدولية لأي حكومة فلسطينية ترفض الاستجابة لشروط الرباعية الدولية الأساسية للسلام سيمثل انتكاسا كبيرا لآمال السلام وخيانة لمؤيدي حل الدولتين والساعين لتحقيقه في كلا طرفي النزاع.
* كيف يضر التحريض الفلسطيني بالسلام؟
لا يمكن أبدا أن يسود السلام بين إسرائيل والفلسطينيين ما دام جيل بعد جيل من الفلسطينيين يعيش على نظام غذائي دائم من التحريض المناهض لإسرائيل. فهناك ارتباط مباشر بين التحريض المناهض لإسرائيل وبين الإرهاب، ولا يمكن بلوغ قبول حقيقي بحق إسرائيل في العيش بسلام من خلال مجرد التوقيع على ورقة، بل يجب أن يعيش هذا القبول كذلك في قلب الشعب الفلسطيني وعقله. وتماما كما ربت إسرائيل أجيالها على السلام على مر التاريخ، يجب على الفلسطينيين أيضا أن يبدؤوا بهذه العملية.
لقد تمت تعبئة الجهاز التعليمي ووسائل الإعلام والأدب والأغاني وا%8لوغ السلام ما دام حق الشعب اليهودي في دولته القومية في وطنه الأم يقابل بالنفي والإنكار.
شيء آخر يميز التحريض هو تبجيل الإرهابيين وكأنهم أبطال، من خلال قيام المحرضين بتمجيد ما ارتكبه الانتحاريون وتسمية ال7لخاضع لسيطرة حماس. إنه موجود في الحضانات ورياض الأطفال وحركات الشبيبة والمدارس والجامعات والخطب في المساجد والمظاهرات في الشوارع.
وللتحريض ضد إسرائيل وجوه متعددة، حيث يبدأ بالنفي التام لمجرد وجود دولة إسرائيل. فالخرائط الجغرافية في المدارس والجامعات لا تحمل حتى اسم إسرائيل ولا عددا كبيرا من مدنها وبلداتها.
إن الرسميين الفلسطينيين والقادة الروحيين كثيرا ما ينفون الارتباط اليهودي بأرض إسرائيل والذي يعود تاريخه إلى آلاف السنين. وبإنكارها للتاريخ اليهودي (وللإنجيل كذلك)، تروج القيادة الفلسطينية لرواية تتنكر لأي حق لليهود في تاريخ ووطن تاريخي خاص بهم. ولا يمكن بلوغ السلام ما دام حق الشعب اليهودي في دولته القومية في وطنه الأم يقابل بالنفي والإنكار.
شيء آخر يميز التحريض هو تبجيل الإرهابيين وكأنهم أبطال، من خلال قيام المحرضين بتمجيد ما ارتكبه الانتحاريون وتسمية المدارس والفرق الرياضية بأسمائهم وجعلهم أنموذجا يقتدى به.
إن المواد التحريضية لا تميز بين دولة إسرائيل وبين اليهود، بحيث كثيرا ما تتضمن رسوما كاريكاتيرية مناهضة للسامية تضم نفس أنواع الأفكار والتصورات التي كانت تستخدم ضد اليهود إبان العهد النازي.
هذه الظاهرة غير مبشرة بالنسبة للجيل القادم الذي يتربى على عدم الاكتراث بصانعي السلام وتبجيل رموز الموت والدمار، فالأطفال من أمثال أولئك الذين يعيشون في غزة تحت حكم حماس والذين تم تعليمهم الكراهية والقتل والدمار منذ نعومة أظفارهم يمثلون مأساة لشعبهم وخطرا محتملا على الآخرين.
والسؤال الذي يجب طرحه يدور حول طبيعة المستقبل الذي تقدمه صناعة التحريض للجيل القادم الذي يتربى على الكراهية والأحقاد. هل يكون مثل هذا الجيل الناشئ قادرا على التفكير بمفاهيم السلام وحسن الجوار والتسامح والحل الوسط؟ هل يستطيع المجتمع الفلسطيني خلق الحالة الذهنية المطلوبة للسلام، وليس مجرد توقيع معاهدة سلمية؟
لا يمكن تجاهل قوة المشاعر القائمة لدى كِلا طرفي النزاع الشرق أوسطي، فالمعاناة والشعور بالإحباط الشديد قائمان عند الطرف الإسرائيلي أيضا، ولكن ثمة فرق شاسع بين الشعور بالغضب أو بالإحباط على مستوى الفرد وبين نشر ثقافة الكراهية.
خلافا لجانب كبير من المجتمع الفلسطيني، يعتبر المجتمع الإسرائيلي السلام أنبل هدف وأكبر طموح على المستويين الفردي والقومي على حد سواء، علما بأن التطلع للسلام وتطبيع الحياة اليومية يقف في الصميم من كيان إسرائيل وثقافتها، بدليل أن الآلاف المؤلفة من الأغاني والكتب والأعمال الفنية والمقالات التي تم تأليفها في إسرائيل حول السلام لا تعد ولا تحصى، فالسلام قيمة أساسية هامة وأعظم حلم لكل أم وأب وهو تجسد الفكرة الصهيونية التي تضع نصب أعينها إسرائيل التي تعيش بسلام وتعاون مع جميع جيرانها.
ليس ثمة مبرر مشروع لكون الأطفال الإسرائيليين يتعلمون عن السلام والتعايش في مدارسهم، فيما يجري في الوقت نفسه تعليم الأطفال الفلسطينيين إجلال الانتحاريين والسعي للاستشهاد من خلال الجهاد. أليس حريا بالذين يبغون السلام أن يربوا عليه، لا على الكراهية والقتل؟