عندما زار مارك توين إسرائيل عام 1867, وصفها بأنها "بلاد مهجورة، تربتُها غنية جدا، لكنها متروكة تماما للأعشاب الضارة – كامتداد طبيعي حزين وصامت... ولم نكد نرى فيها شجرة."
كان "تحويل الصحراء الى أرض خضراء مزدهرة" هو جوهر روح الحركة الصهيونية خلال عقود، ويشهد زوار إسرائيل عام 2007 منظرا طبيعيا, قد تغير كثيرا عن ذلك المنظر الذي وصفه توين إبان رحلته في البلاد. واليوم، أصبح ما كان صحراء ذات مرة غابة من الخضرة, وحيثما كان المنظر القاحل يشوه سطح الأفق، أصبحت الحياة النباتية والحيوانية تملأ ذلك المنظر بفضل جهود الصندوق القومي اليهودي.
غير أن التربة الخصبة تتحول بسرعة الى صحراء في أنحاء مختلفة من العالم. وقد أصبح التصحر – وهو انحسار الأرض وزحف الصحراء – مصدر قلق بيئي عالمي بارز.
ينجم التصحر عن تغيرات في المناخ الطبيعي وعن فعل الإنسان, وهو يؤدي الى فقدان التنوع الأحيائي, كما يسبب ضررا بيئيا كبير الأثر والتأثير.
تغطي الصحاري حاليا حوالي 36 مليون كيلومتر مربع من مساحة سطح الكرة الأرضية. وتترك أثرها على ما مجموعه 1.2 بليون من البشر في أكثر من 100 منطقة, وقد أصبحت الصحاري مشكلة عالمية تهدد بقاء الإنسان وتطوره.
وفي محاولة لمحاربة الضرر الشامل، اجتمع العلماء في أورشليم القدس هذا الشهر للاطلاع على الطرق الإسرائيلية لضمان انحسار الصحراء.
عقد المؤتمر الدولي – "غابات لمكافحة التصحر" – تحت رعاية كل من الصندوق القومي اليهودي ومنظمة البحث الزراعي في إسرائيل، مصلحة الغابات الأمريكية واتحادين دوليين لعلماء الغابات.
حيث قام أكثر من 150 باحثا وعالم غابات (أحراج) من إسرائيل، الولايات المتحدة، اسبانيا، المجر، فرنسا، اليابان، ألمانيا وأستراليا، باجراء مناقشات، والعمل معا والاستماع الى محاضرات في أورشليم القدس والنقب, ليتعلموا المزيد من أساليب وطرق مكافحة ظاهرة التصحر.
وباستثناء إسرائيل, فإن البلد الوحيد الذي نجح في "تقليص الصحراء" هو الصين. "لسنا الوحيدين الذين (نكافح التصحر)، ولكننا بالتأكيد نحن الذين بدأنا ذلك الكفاح, وسبقنا غيرَنا في هذا المضمار بزمن طويل". هذا ما قاله د. نير عتصمون من مركز فولكاني ورئيس لجنة المؤتمر العلمية.
شملت المواضيع التي تناولها المؤتمر: "جهود مشتركة لبحث ودراسة أراض قاحلة وشبه قاحلة"؛ "طرق المشاتل وزرع الغابات في مناطق قاحلة"؛ "الأشجار في المدن تحسن نوعية حياة الناس"؛ و"أداة إدارة رعي المواشي مقابل عامل التصحر".
"كلنا نتفق على أن السبب الرئيسي للتصحر هو النشاط البشري – ممارسة الضغط على الأرض والتوسع السكاني"، كما صرح بذلك عتصمون لـموقع Israel 21c
وقد شرح بأن سوء استخدام الأرض يتسبب في تعريتها وهذا بدوره يؤدي الى التصحر. ونتيجة لنشاطات الإنسان، تتحول الأرض التي كانت خصبة ومثمرة فيما مضى, الى أرض جرداء قاحلة. وتبعا لذلك، تدعو الحاجة الى مزيد من المساحات من الأرض لانتاج محاصيل زراعية ونباتية. يلتزم معظم الباحثين في مجال التصحر والتحريج بمبدأ التنمية المستديمة.
"إننا نحاول إيجاد سبل تتيح للناس العيش والبقاء في هذه المنطقة من جهة، لكنها لا تسمح لهم، من جهة أخرى، بإساءة استخدام الأرض" قال عتصمون.
في أعقاب الاستماع الى محاضرات واجراء تطبيقات صفية عملية، زار المشاركون في المؤتمر بضعة مواقع لإعادة التحريج في النقب القاحل. وفي أثناء رحلتهم من أورشليم القدس الى الصحراء، كان التحول من أرض زراعية خصبة الى أرض جافة واضحا عندما اصبحت الحياة النباتية متناثرة ومتفرقة.
لكن بعد مسيرة ساعة, شاهد المشاركون امتدادات شاسعة من الأرض الزراعية والخضراء. وقال الدليل للمجموعه انه قبل العام 1948 كانت هذه المنطقة صحراء قاحلة. "كلمة "النقب" باللغة العبرية تعني "الصحراء"، قال الدليل، "أما اليوم فالمنطقة بأسرها خضراء".
إن سر نجاح إسرائيل، كما يقول عتصمون، هو سر نجاحها في "حكايات نجاح" أخرى في إسرائيل، الا وهو: ليس هناك بديل آخر.
"نحن بلد صغير...لا نملك أرضا كثيرة. ونعلم بأن علينا أن نبذل كل ما نستطيع من أجل الاعتناء بها, لأننا لا نملك سواها. هذا ما يترتب علينا أن نعايشه، لذا يجب أن نوليها رعاية فائقة".
في العام 1965، وقف جوزف فايتس، وكان آنذاك مدير الأراضي والغابات في الصندوق القومي اليهودي، وقف في النقب وسرح ببصره في الصحراء المحيطة به, وتصور غابة خضراء تنبض بالحياة. وظن من كانوا بجانبه انه قد أصابه مس من الجنون. "كيف تنشئ غابة هنا في الصحراء؟" سئل حينذاك. اما اليوم فيسمى حلمه غابة يتير – وهي أكبر غابة في إسرائيل.
وطبقا لما يقوله البروفيسور دان يكير من معهد وايزمن للعلوم, فإن يتير هي أجف غابة في العالم. لكن رغم التحديات فإن يتير هي احدى أجمل الغابات في إسرائيل.
"هذا تحريج وليس إعادة تحريج" قال البروفيسور أورئيل سفريئيل، أستاذ البيئة في الجامعة العبرية في أورشليم القدس، للمشاركين في المؤتمر. "لم تكن هناك غابة ابدا في هذا الموقع. ولم يكن هناك أبدا نظام بيئي شجري".
ولما كانت الصحاري تفتقر الى المياه, فإن مسألة امدادها بالمياه تلعب دورا رئيسيا في عكس مسار مد التصحر, والاستفادة من جني المحاصيل الزراعية في المناطق القاحلة.
إن أحد مصادر المياه الرئيسية للنقب, هي المياه العادمة التي تمت إعادة تدويرها ونقلها من منطقة تل أبيب. وبينما تصب المياه التي أعيد تدويرها في العديد من الدول الأخرى في البحر، فإن إسرائيل تستخدم هذه المياه لأغراض الزراعة والري.
وإضافة الى المياه العادمة المعالجة, يستخدم الباحثون ايضا المياه المالحة من خزان المياه الجوفية لري المحاصيل – مع ان نسبة محتوى الملح العالية تجعل هذا الماء غير قابل للاستعمال, الا لانواع محددة من المحاصيل والنباتات. هذا ويتم استخدام مياه الفيضانات المحولة عبر نظام ضخ وقنوات فريدة من نوعها، من أجل ري الأشجار.
"سيكون القرن ال - 21 قرن المياه بالنسبة للجميع في العالم. اذ تعاني بعض الأماكن من نقص في المياه" كما يقول د. دان نيري، أحد المشاركين في المؤتمر، وهو باحث في مصلحة الغابات الأمريكية في أريزونا.
وطبقا لما يقوله عتصمون, فإن إسرائيل رائدة عالمية في مجال استغلال المياه, وتوفد العديد من الخبراء الى دول أخرى ليعلموا غيرهم كيفية المحافظة على المياه وإدارتها. "تتوفر لدى إسرائيل كبير خبرة وتجربة في مجال المياه ويمكننا في الحقيقة أن ننقلها الى غيرنا" على حد تعبيره.
ويوافقه نيري على ذلك قائلا, بأنه اكتسب قدرا كبيرا من المعرفة خلال زيارته لإسرائيل. "إنني شديد الإعجاب بنظامكم الزراعي, وبالطريقة التي تستفيدون بها من الصحراء". قال لإسرائيل 21c. "أعني، بأن لديكم مساحة صغيرة من الأرض، اما نحن فنملك مساحة شاسعة.
إنني معجب بمسائل الحفاظ على المياه لديكم, وباستخدام طرق مختلفة للاستفادة من المياه العادمة؛ إننا لا نميل كثيرا الى عمل ذلك".
وأضاف قائلا: "قرأ كثيرون في الولايات المتحدة عن إسرائيل وعن تاريخها، لكن الى أن تراها بنفسك، فإنك ببساطة لا تفهمها".