بقلم ريفكا بوروخوف
منذ تأسيسها عام 1948 كانت إسرائيل تحرص وتسعى إلى زراعة المحاصيل في الصحراء. ولم ينطو هذا الأمر على تحدٍ تكنولوجي فحسب وإنما كان بمثابة مسألة بقاء. واليوم طوّرت إسرائيل إحدى أحدث التكنولوجيات في مجالات إزالة ملوحة المياه وتنقية المياه والري.
ولكن الدولة اليهودية لم تنسَ تلك الأيام المبكّرة، حيث كانت إسرائيل تعاني نقصًا في المياه الصالحة للشرب وكذلك نقصًا في المياه للري. وبهدف مساعدة الدول الإفريقية التي تواجه حالة مماثلة، طوّرت الوكالة الإسرائيلية للتعاون في التنمية الدولية (مشاف) جهاز "تيبا" (أي "قطرة") لنشر تكنولوجيا الري بالتنقيط الإسرائيلية في مناطق نائية في السنغال، والتي لا توجد فيها بنى تحتية أساسية حتى الكهرباء.
تم تطوير الأسلوب الحديث للري بالتنقيط والذي يُعتبَر الأكثر نجاعة في ري المحاصيل الزراعية، بناء على أسلوب قديم تم بموجبه دفن أوانٍ فخارية مليئة بالمياه تحت الأرض كي تتسرّب المياه منها تدريجيا لري المحاصيل. وفي المرحلة اللاحقة استُخدمت أنابيب أو خراطيم مثقبة لنقل المياه ببطء ومباشرة إلى جذور النباتات وضمان امتصاصها في التراب ومنع تبخّرها. وفي الستينات بدأ فلاحون في العديد من الدول باستخدام ناقل بلاستيكي هو اختراع إسرائيلي أحدث ثورة وطوّر الأسلوب إلى أرفع درجة لضمان أفضل المحاصيل باستخدام أقل كمية من المياه.
يتم تسويق تكنولوجيا جهاز "تيبا" بطقم سهل الاستعمال. ويشتمل الطقم على خزان للمياه وطقم لجهاز بلاستيكي للري بالتنقيط ومضخة مياه. ومن خلال استغلال جاذبية الأرض يمكن ضخ المياه من نهر أو من طبقة صخرية مائية يدويًا أو بواسطة الطاقة الشمسية أو وقود الديزل، بناء على الافتراض أن نساء يدرن عادة معظم المزارع وهن لا يستطعن تشغيل أجهزة ثقيلة.
وكان ذلك هبة للسنغال الواقعة على منطقة الساحل القاحلة حيث تسقط الأمطار بشكل غير منتظم والأرض فيها غير خصبة. وينشغل نحو 75% من العمال في السنغال في الزراعة وتعتمد معظم المزارع على مياه الأمطار.
يصبح الحل الإسرائيلي الذي يعتمد على أجهزة الري بالتنقيط التي يمكن تركيبها بسهولة وعلى نموذج اقتصادي، يصبح ناجحًا إلى حد كبير، فتسعى بلدات وقرى تقع خارج المناطق التي تُنفّذ فيها المشاريع الإسرائيلية إلى استعماله أيضًا بحسب إيلان فلوس، مدير قسم التخطيط والعلاقات الخارجية في الوكالة الإسرائيلية للتعاون في التنمية الدولية- مشاف.
ويقول فلوس: "إن الري هو أحد أركان نشاطات الوكالة الإسرائيلية للتعاون في التنمية الدولية". وبدأ تطبيق النموذج السنغالي قبل 7 سنوات. وعرضته جامعة بن غوريون في النقب أولا خلال مؤتمر للتنمية المستدامة في جوهانسبورغ عام 2002. وبعد ذلك بعامين، بدأ تطبيق المشروع.
زيادة المحاصيل الزراعية وإيرادات القرية
يُستعمل جهاز تيبا للتنمية المستدامة في مناطق ريفية في جنوب الصحراء حيث يَستخدم المزارعون أساليب تقليدية غير ناجعة تشكل مصدر رزق غير موثوق به للمقيمين في المنطقة.
ويوفّر الري بالتنقيط الأمن الغذائي لمواطني السنغال في مناطق Ngoe وM'bassis وDapitor وKeur Yaba وMbisau. " بدلا من محصول واحد سنويًا بإمكانهم زراعة 3 أو أكثر محاصيل في كل قطعة أرض صغيرة" بحسب فلوس.
"اليوم يقوم العديد منهم بزراعة الذرة والخضروات، ولكننا عرضنا عليهم محاصيل ذات قيمة عالية وعلّمناهم ما يمكن تحقيقه عندما يتم تنظيم (مزارع صغيرة) في جماعة كبيرة حيث يتم العمل معًا. فيزرعون معًا ويحاولون العمل بالتنسيق لحل قضايا لها علاقة بالأمن الغذائي وبالطبع بإمكانهم بيع منتوجاتهم في الأسواق".
إن الحل الإسرائيلي هو حل كامل وقابل لتكييف نفسه لمتطلبات متزايدة وقابل للتكرار حتى دون تدخل إسرائيلي مباشر- وبهذا الأمر تكمن ميزاته. فعندما يفهم السنغاليون طريقة عمله بشكل جيد فبإمكانهم تطويره بأنفسهم.
"نحن نعرض الحل على فلاحين لا يستطيعون الاستثمار في الزراعة الحديثة"- يقول فلوس. وحلولنا مبنية على التكنولوجيا. وبإمكاننا عرض حلول بسيطة عليهم وهي حلول مستديمة يمكن تطبيقها في مناطق ريفية".
وبحسب فلوس يمكن تحسين البذور مما قد يقلص من كمية المواد الكيمائية ومبيدي الحشرات المستعملة والتي تمسّ حاليًا بالموارد الطبيعية.
أعلى شكل من المساعدات
يؤكد فلوس أن هذا الأمر ليس بمثابة الحسنة. ففي المناطق الثانية عشرة حيث تقوم إسرائيل بمنح مساعداتها في السنغال يتم تمويل استخدام التكنولوجيات بواسطة قروض متناهية الصغر بفائدة منخفضة تمنحها منظمات غير حكومية تعمل في المنطقة. وتقوم إسرائيل بتوفير الخبرة التكنولوجية بينما تقوم جهات ترسو عليها عطاءات بتوفير الأجهزة.
وقد تمكّن بعض المزارعين بزيادة إيراداتهم ب3 أضعاف واكشتفوا أن استعمال الجهاز يقلص من الوقت المطلوب لإزالة العشب الضارّ في الحقول.
وتقدّم إسرائيل بالإضافة إلى ذلك الدعم في بناء القدرات بحسب فلوس. "نعمل معهم للتأكد من زراعة (المحاصيل) بشكل صحيح ونشرف على مساعي الإنتاج لضمان كون المزارعين إنتاجيين ومستقلين بعد بضع سنوات".
ووفقًا للقيم الأخلاقية اليهودية منح شخص القدرة على الحصول على رزقه يُعدّ أعلى مستوى من الحسنة، ولذلك فإن المشروع في السنغال يجسّد أحد أهم المبادئ في الدولة اليهودية.
وماذا بالنسبة لفرص النجاح؟ "نرى أنه يتم في محيط التجمعات حيث نعمل استنساخ النموذج بشكل مستقل" يقول فلوس ويقدّر بان الاختراع الإسرائيلي أثّر مباشرة 700 عائلة سنغالية.
وجعلت الحكومة السنغالية النموذج الإسرائيلي مشروعًا وطنيًا. وبموجب شراكة ثلاثية تضم حكومات إسرائيل وإيطاليا والسنغال سيتم تركيب جهاز تيبا على نحو 500 هكتار من الأرض ليستفيد منه مباشرة 10،000 شخص في المناطق الريفية بالسنغال.
"وهذه هي الانعكاسات المباشرة" يقول فلوس مشيرا إلى أنه يتم استخدام الجهاز أيضا في كينيا وجنوب إفريقيا وبنين والنيجر. "فشأنه شأن القمر الصناعي الذي يؤثر المنطقة المحيطة به".