إذا قمت بالغوص في البحر قبالة ساحل إيلات هذه الأيام, ستكون عرضة لأن تجد نفسك تسبح حول بناء ضخم أصفر من الخرسانة والأسلاك يمتد أربع ياردات من قاع البحر, ويبلغ عرضه أربع ياردات أيضا, وهو مليء بالثقوب. كلا، هذا ليس بناء جديدا غريبا خلفه جنس غريب عنا او شحنة سقطت من حاوية غارقة، بل هذا هو أول حيد مرجاني اصطناعي في البحر الأحمر.
هذا الحيد الذي طورته سلطة المحميات الطبيعية الإسرائيلية بالتعاون مع فريق من الأكاديميين من المركز الوطني للزراعة البحرية في حرم إيلات الجامعي التابع لجامعة بن غوريون, والمعهد الجامعي للعلوم البحرية في إيلات، والجامعة العبرية ومحطة العلوم البحرية في العقبة، يعتبر توجها جديدا وفريدا من نوعه للحفاظ على الحياة البحرية في البحر الأحمر, كما انه جزء من مشروع تعاوني مشترك بين إسرائيل والأردن.
إن الحيود المرجانية هي واحدة من أكثر أشكال الحياة تنوعا على كوكبنا, كما ان تشكيلة وثراء الأنواع الموجودة هناك تشبه تلك الموجودة في غابات المطر الإستوائية. وقد أصبح الغوص تحت الماء، في السنوات الأخيرة، رياضة تلقى شعبية متزايدة, ولهذا السبب فإن الحيود المرجانية الخلابة في منطقة البحر الأحمر، والتي تختلف عن أية حيود أخرى حول العالم، قد عانت كثيرا نتيجة لرياضة الغوص تحت الماء.
"إن عدد الزوار كبير جدا وحجم الحيود المرجانية محدود وأصغر من أن يستوعب كل تلك الأعداد من السياح"، يقول د. نداف شاشار، المشرف على مشروع الأبحاث وعالم البيولوجيا البحرية في المركز الوطني للزراعة البحرية. "ونظرا للزيادة الطارئة على عدد الزوار, تعجز الحيود المرجانية عن التغلب على الضرر الناجم عن تلك الزيارات, مما يؤدي إلى تلاشي هذه الحيود ودمارها. وإذا لم نتخذ إجراء سريعا، فإن المسألة تصبح مسألة وقت فقط, قبل أن تصبح ظروف التكاثر الممتازة في الخليج الشمالي قاحلة جرداء. إن العديد من الجهات والهيئات تدرك هذه المشكلة وتسعى إلى إيجاد السبل الكفيلة بحلها".
يشكل الغواصون المبتدئون جزءا من المشكلة. "إنهم يركلون الرمل بأقدامهم. او يتلفون المرجان بمحض الصدفة. فإذا ضاعفنا هذا الضرر بمقدار مائة ألف, فانه سيصبح ضررا بالغا، كما يقول شاشار. "لا يقصد هؤلاء الزوار إلحاق الأذى بالحيود المرجانية، انهم ببساطة لا يحسنون الغوص بطريقة صحيحة".
يأمل مطوّرو المشروع في أن يخلق الحيد المرجاني الاصطناعي مركز جذب جديد لهؤلاء الغواصين، ويبعدهم عن الحيود المرجانية الطبيعية، مما سيقلل الضغط عليها ويتيح لها امكانية استرداد عافيتها من الضرر الذي أصابها خلال السنوات القليلة الماضية.
وفي الوقت ذاته، يزود الحيد المرجاني تمار, الواقع بالقرب من الشاطئ المرجاني الباحثين ايضا بمختبر فريد من نوعه تحت الماء, يمكنهم من مشاهدة وسبر غور عملية تطور ونمو هذا النظام البيئي الفريد والمركب.
"إن مهمتنا هي فهم العوامل التي تؤدي إلى نمو وتطور الحيود المرجانية، وفهم عمليات التكاثر والنمو لدى الأسماك والمرجان, وتطبيق ذلك عمليا من خلال إنشاء حيود مرجانية اصطناعية تجذب إليها السياح، "قال شاشار لإسرائيل 21c.
يقوم برنامج USAID-MERC الأمريكي، وصندوق وايتلي البريطاني للطبيعة، بتمويل شاشار وفريقه، الذي يضم البروفسور تسفي ابرامسكي، من دائرة العلوم الحياتية، ود. أريئيل ديامنت من المركز الوطني للزراعة البحرية، والطالب عومر بولاك, إضافة إلى سلطة المحميات الطبيعية الإسرائيلية.
لقد تم تركيب الحيد الأول في شهر مايو/أيار من العام الجاري, وقد جذب إليه قدرا كبيرا من الحياة البحرية؛ وهناك الان 32 نوعا من الأسماك تسبح عبر الحيد او تعيش عليه – ويشكل هذا الرقم نصف عدد الأنواع الموجودة عادة في الحيود المرجانية الموجودة في البحر الأحمر. وتشمل هذه الأنواع القاروس والسمك الذهبي وعروسة البحر. كما يمكن أن تجد هناك قنافذ بحر، وديدان مروحية، وزقيات وديدان أنبوبية أيضا.
لم يزرع، حتي الآن، اي مرجان على الحيد ويفسر هذا سبب غياب بعض الأسماك. ولو سمح العلماء للطبيعة بأن تأخذ مجراها، فقد يستغرق المرجان بين 80 إلى 100 سنة لكي ينتعش؛ ولا يريد شاشان الانتظار طوال الفترة, مما دفعه وفريقه إلى إنشاء مشتل في حيفا زرعوا فيه 13 نوعا مختلفا من المرجان.
وسيتم زرع هذا المرجان في حفر معدة خصيصا في بنية الحيد, وسيبدأ العمل في الخريف؛ توجد ألف مستعمرة لزراعتها، وستكون هذه أول مرة في التاريخ يحاول فيها فريق القيام بعمل كهذا؛ ويبدي شاشار إنفعالا شديدا من هذا المشروع.
"إن ذلك يعطينا فرصة فريدة جدا لفهم عملية تكون الحيود المرجانية وفهم كيفية تفاعل المرجان مع بعضه البعض،" كما يقول: "ينمو المرجان في العالم الطبيعي في نظام معين، فيحل بعضه محل البعض الآخر في ترتيب محدد حتى يصل الى مجتمع الذروة، الذي تجده في الحيود المرجانية الناضجة. ونريد أن نكتشف اذا كان يتعين علينا أن نزرع المرجان بذلك النظام, ام اننا نستطيع المضي قدما إلى مجتمع الذروة".
يخطط الفريق لزراعة تشكيلة جيدة من أنواع المرجان. "هناك اتفاق عام على انه اذا أردنا الحصول على تنوع عال من الأسماك، فإننا نحتاج الى تنوع عال من المرجان. وسنفحص هذه الامكانية". يقول شاشار.
اختمرت فكرة خلق حيود مرجانية اصطناعية في البحر الأحمر لأول مرة قبل بضع سنوات، لكن استغرق المشروع بعض الوقت لكي يخرج الى حيز الوجود. وقد بدأ العمل على الحيد في ديسمبر/ كانون أول من العام الماضي. حيث تم تأسيس الشركة الإسرائيلية "أوشن بريك سيستم" (OBS) خصيصا لمعالجة الجانب الهندسي من المشروع علما بأنها نفذت مجموعة من عمليات المحاكاة.
هذا أكبر حيد اصطناعي تم بناؤه حتى الان... وكان الارتفاع الأقصى للحيود الماضية، التي تستخدم بصورة رئيسية في مصايد الأسماك، هو 1.8 ياردة. نتيجة لذلك، كان هناك الكثير مما يتعين تنظيمه وترتيبه، فكان بناء القالب نفسه مشكلة، كما كان إيجاد النوع المناسب من الخرسانة الذي يلائم تطور اللافقاريات البحرية، مشكلة كذلك. ثم كان يتعين حفر ألف ثقب في مسطح خشن يتيح زراعة المرجان بحيث تستطيع الكائنات البحرية الالتصاق بالمبنى بسهولة.
"يتوجب أن يكون المبنى بأكمله بالغ القوة لانه سيدوم عقودا, وهو معرض باستمرار لماء البحر" يقول شاشار. "يجب أن نضمن بأنه لن يتآكل ونتأكد كذلك من أنه سيكون سليما؛ ولا يمكننا أن نسمح لطفل بأن يعلق فيه".
توجد قضبان على فتحات الحيد لكي تمنع الغواصين والسابحين من دخول مناطق غير مأمونة، ولكن تحافظ على الحيد.
وبعد ستة أشهر سيضاف حيد اصطناعي آخر في الجانب الأردني من البحر الأحمر، وستتبع ذلك أربعة حيود أخرى – واحد منها في إيلات والثلاثة الأخرى في الأردن. وسيتم ادخال تحسينات وتعديلات على الحيود التالية، "إننا نحاول ادخال تحسينات طوال الوقت،" يقول شاشار.
منذ إقامة الحيد، ازداد اهتمام الغواصين به. ويقول شاشار ان حوالي 100 غواص يزورون الحيد يوميا، أي أن هذا العدد هو ضعف عدد زوار الحيود الطبيعية المجاورة. "يحب الناس الغوص هنا، وبخاصة الغواصون المبتدئون منهم، لانهم يستشعرون راحة أكبر في البيئة الاصطناعية" يقول شاشار، الخبير الذائع الصيت في مجال الرؤية المستقطبة، والذي اكتشف بأن الرؤية المستقطبة لدى الجراد تمكنه من تحاشي الطيران فوق مسطحات مائية كبيرة.
نال شاشار شهادة الدكتوراة من جامعة ماريلاند, وقضى معظم حياته في دراسة الحياة البحرية، وهو تواق لمعرفة عدد زوار الموقع من الغواصين. وقال "نريد أن نعرف من وجهة نظر اقتصادية مدى جاذبية الحيد، وما اذا كان الحيد سيصبح أكثر جاذبية عند إضافة المرجان إليه".
ويرجع السبب في ذلك إلى الاهتمام الذي أبدته دول مختلفة في العالم بالحيد الاصطناعي. ويرى البعض ان الأمر مسألة ضرورة. ففي المحيط الهادئ، على سبيل المثال، هناك جزر حمتها الحيود المرجانية من العواصف طوال سنوات. ومع الإحتباس الحراري الذي يسود العالم الآن، تتعرض هذه الحيود المرجانية إلى الضرر والتدمير, مما يجعل الجزر مكشوفة لأنواء البحر.
"جاؤوا إلينا قبل سنتين وهم يبحثون عن سبيل لحماية حيودهم المرجانية وتشييد حيود جديدة"، يقول شاشار." سيكون من السهل القول لهم, قوموا ببناء كاسر امواج وضعوه على الحيد الطبيعي لديكم، لكن سيكون لذلك وقع شديد على البيئة. وبدلا من ذلك سيكون من المثير للاهتمام اضافة مبنى حيد مرجاني جديد يحميهم ويحظى بالاهتمام ".
\
في حالات أخرى، قد تكون المسألة مسألة سياحية محضة. فندق في هاواي، على سبيل المثال، قد يرغب في ضمان سيل ثابت من النزلاء والزوار من خلال إضافة حيد اصطناعي في البحر المجاور له. هذا قد يكون عاملا إضافيا لجذب السياح.
"سنقدر خلال سنة إن كان المشروع بأكمله ناجحا ام لا، وسننطلق من تلك النقطة"، يقول شاشار. "اذا سارت الأمور كما ينبغي لها أن تكون، فسوف نذهب إلى أماكن كانت فيها حيود مرجانية لنبني فيها حيود اصطناعية كبرى على نطاق واسع. إننا نحاول تصميم بيئة جديدة... إذ تتعرض الحيود المرجانية في جميع أنحاء العالم إلى التلف والدمار، إننا نحاول اضافة مسطح جديد. حتى الآن يبدو أن المشروع يحقق نجاحا كبيرا... اذ تأتي إليه الأسماك كما يأتي إليه الناس أيضا".