إذا كانت ثمة صفة واحدة تميز إسرائيل من حيث قدرتها على البقاء والدفاع عن نفسها والنمو الاقتصادي، فهي طاقتها الابتكارية والتجديدية. وقد تمكنت نوعية الناس في إسرائيل والذين يعتبرون الثروة العقلية لدولة إسرائيل بتفكيرهم الخلاق والمرن والمبدع، مضافا إليه حيز واسع من المعرفة المتعددة المجالات، من قيادة البلاد بنجاح خلال العقود الستة الأولى من قيامها، وهي التي تحمل في الوقت نفسه وعدا بازدهار مستقبلي. إن هذا الازدهار لا يعتمد على صناعات الهايتك الإسرائيلية المعروفة عالميا وحسب، بل على ترقية الصناعات التقليدية من خلال إدخال المنظومات التكنولوجية المتقدمة عليها. وتنعكس جودة القوى الإسرائيلية العاملة وابتكاريتها في كون إسرائيل تتبوأ المركز الأول في نسبة الدرجات الجامعية إلى عدد السكان، بالإضافة إلى أن الإسرائيليين ينتجون عددا من المقالات العلمية هو الأعلى في العالم نسبة إلى عدد السكان وبفارق كبير، أي 109 مقالات علمية لكل 10 آلاف من السكان. كما أن نسبة براءات الاختراع المقدمة من الإسرائيليين هي من أعلى النسب على مستوى العالم. أما في مجال علوم الأحياء فإن عدد براءات الاختراع الإسرائيلية المقدمة سنويا هو الأعلى عالميا بالأرقام المطلقة.
سعة الحيلة تولّد الموارد
كان من هواجس الآباء المؤسسين لدولة إسرائيل كون البلاد فاقدة للموارد الطبيعية، ولكن كان قلقهم في غير محله، لأن البلاد، على افتقارها للموارد، إلا أن سعة الحيلة التي تميز بها شعبها عوضت عن هذا النقص بل زادت، حيث تم خلال سنوات المرحلة التكوينية لدولة إسرائيل تسخير سعة الحيلة في تطوير التقنيات الدفاعية، ليكتسب جيش الدفاع الإسرائيلي التفوق الذي كان سيضمن بقاء الدولة الفتية. فقد حولت ميزة الابتكارية دولة إسرائيل إلى بلد رائد عالميا في تشكيلة من التقنيات العسكرية، بما فيها الطائرات بدون طيار والمنظومات الصاروخية وأجهزة الرؤية الليلية وأجهزة الليزر والرادارات والمنظومات الاستخبارية والمتفجرات البلاستيكية "السيفور" – C4 – والاتصالات العسكرية والحلول الدفاعية الوطنية. وقد أصبحت إسرائيل إحدى الدول القليلة التي طورت قدرات إطلاق الصواريخ إلى الفضاء الخارجي وتقنيات الأقمار الصناعية، وهو الأساس المعرفي الذي كون على مر السنين قاعدة تنمية القطاع التجاري العالي التقنية للبلاد. وقد تمكنت إسرائيل من استغلال مواردها الطبيعية القليلة، وهي الفوسفات والبروم والبوتاسيوم بشكل أساسي، لتتحول إلى صناعات صدرت ما قيمته نحو 4 مليارات من الدولارات خلال سنة 2007، وذلك بفضل تقنيات الاستخراج المبتكرة وتطوير منتجات تدخل هذه المعادن في تصنيعها. ويشكل أبرز مثال على هذه الابتكارية النجاح في استخراج خلائط المغنيسيوم من البحر الميت ضمن مشروع مشترك ل"الشركة الإسرائيلية للكيماويات" وشركة فولكسفاجن، لاستخدامها في إنتاج السيارات والطائرات.
وتنعكس هذه الابتكارية وسعة الحيلة أيضا على تشكيلة متنوعة من المكتسبات الوطنية المتراوحة بين اختراع ذاكرة الحاسوب المحمولة disk-on-key وتطوير برنامج ال-ICQ وهو أول برنامج دردشة على الشبكة العالمية وأول محطة كبرى لتوليد الطاقة الشمسية في العالم. وقد صدّرت إسرائيل إلى دول العالم ما قيمته 54 مليار دولار سنة 2007 بلغت نسبة الهايتك منها 60 في المئة، فيما تم تصنيع معظم السلع المتبقية في مصانع تقليدية تستخدم التطبيقات التقنية المتقدمة، علما بأن المبلغ المذكور ليس سوى جزء من القصة الكاملة، إذ تم تجنيد مليارات إضافية من الدولارات من قبل الشركات الإسرائيلية من صناديق تمويل المشاريع والمستثمرين الأفراد وإصدارات الأوراق المالية في بورصات نيو يورك ولندن وتل أبيب.
زد على ذلك أن العديد من مؤسسات الهايتك الرائدة في العالم امتلكت شركات إسرائيلية، حيث قامت كل من شركتي "سيسكو" و"كوداك" العالميتين بشراء نحو خمس شركات إسرائيلية، كما افتتحتا مراكز للبحث والتطوير في إسرائيل حيث تمكنتا من تطوير تقنيات اختراقية. وعلى سبيل المثال، قامت شركة موتورولا بتطوير هواتفها الخلوية الأولى في إسرائيل، كما ابتكرت شركة إنتل العالمية التقنيات المطلوبة لإنتاج رقاقتها البنتيوم MMX في إسرائيل، وكذلك طورت شركة مايكروسوفت معظم مركبات نظامي تشغيل NT وXP في إسرائيل.
تجربة مثيرة
لقد كان لي شرف العمل في القلب النابض من قطاع التقنيات المتطورة الإسرائيلية طيلة 35 عاما، وكان من المثير حقا أن أشهد وأشارك في ظهور إسرائيل كقوة هايتك عالمية، وكنت، شأني شأن معظم الإسرائيليين، قد ركزت أول الأمر جل اهتمامي على التقنيات الدفاعية قبل أن أتحول إلى القطاع التجاري. وبصفتي رئيس شعبة الإلكترونيات ونائب رئيس البحث والتطوير في سلطة تطوير الوسائل القتالية الإسرائيلية "رفائيل" انتسبت إلى عضوية مجالس إدارة العديد من شركات الهايتك المبتدئة المنشغلة في تحويل التقنيات الدفاعية إلى تطبيقات تجارية. كما استطعت بصفتي شريكا في صندوق "غيزا" الإسرائيلي للمال المخاطر مسح ثروة المواهب التي تقدمها إسرائيل لقطاعات الشركات التكنولوجية المبتدئة. وفي عام 2002 تم تعييني كبير علماء وزارة الصناعة والتجارة والعمل، حيث أدت برامج دائرة كبير العلماء في الوزارة منذ أوائل التسعينات دورا كبيرا في تمكين إسرائيل من تبوؤ مكانتها كأحد أهم المراكز العالمية لمبادرات التقنية العالية – الهايتك. وبفضل التفكير الابتكاري لمن سبقوني في منصب كبير العلماء، قامت دائرة كبير العلماء في الوزارة بتطوير تشكيلة من البرامج التي كانت تغذي باستمرار أهم تجمع عالمي لشركات الهايتك المبتدئة في مجالات الإلكترونيات والإلكترونيات البصرية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وأشباه الموصلات والأجهزة الطبية والبيوتكنولوجيا والتكنولوجيا النظيفة، بما فيها تكنولوجيا البيئة وتكنولوجيا المياه.
تقاسم المخاطر
وبمقتضى قانون تشجيع البحث والتطوير الصناعي، تقوم دائرة كبير العلماء، من خلال ميزانيتها البالغة 425 مليون دولار، بتطبيق السياسة الحكومية في مجال دعم البحث والتطوير الصناعي وما يترتب عليه من تقوية القاعدة المعرفية لصناعات الهايتك الإسرائيلية. وتشارك الحكومة الإسرائيلية في تحمل مخاطر المراحل الأولى لتنمية الأفكار التطويرية، والتي يكاد يستحيل اجتذاب الممولين لها قبل نضوجها. ومن خلال البحث والتطوير الصناعي، تشجع دائرة كبير العلماء أصحاب المبادرات التطويرية في شركات الهايتك المبتدئة، لتدعم وتضاعف العمالة الإسرائيلية ذات القدرات العلمية والتقنية العالية. كما تسهّل إنشاء علاقة العمل بين المؤسسات الجامعية والشركات الصناعية بهدف نقل الخبرات والتقنيات وتنشيط التعاون في مجال البحث والتطوير على المستويين الوطني والدولي.
وخلال الزيارات الرسمية التي أقوم بها للدول الأجنبية ولقاءاتي الكثيرة مع الوفود الدولية التي تزور إسرائيل ساعية للاستفادة من خبرة دائرة كبير العلماء، نقوم بإطلاع نظرائنا على صندوق البحث والتطوير الذي نقوم بتسييره والذي يعتبر القناة الرئيسة التي يوزع كبير العلماء عبرها ما يقارب 250 مليون دولار سنويا على حوالي 800 مشروع تنفذها حوالي 500 شركة. كما يجري تقديم منح بنسبة أقصاها 50% من نفقات البحث والتطوير، على أن يعود للوزارة ما بين 3 و 5 في المئة من المبيعات، في حالة تحقق الأرباح للمشروع المدعوم. ويبلغ متوسط ما نستعيده من أموال مجمل الأرباح المتحققة للمشاريع الناجحة أكثر من نصف موازنة الصندوق، مع العلم أن هذا المبلغ يمثل أقل من 5% من مجموع الدخل المتحقق للاقتصاد الإسرائيلي. ومن أبرز قصص النجاح في هذا المجال شركة "غيفن إيمجينغ" Given Imaging التي قامت بتطوير أول كاميرا فيديو متناهية الصغر والتي يبتلعها المريض مثل قرص الدواء لتصوّر الجهاز الهضمي بكامله، وهو مشروع يحقق وحده ما يزيد عن 100 مليون دولار. أما قصة النجاح الثانية فهي شركة ألفاريون التي تعتبر أهم شركة عالمية لتوفير الشبكات اللاسلكية المبتكرة للاتصالات عريضة النطاق، والتي تبلغ مبيعاتها السنوية 240 مليون دولار.
حضانات الأفكار
إننا فخورون بشكل خاص ببرنامج حاضناتنا التكنولوجية المحلية الذي يضم 24 حاضنة، معظمها في المناطق النائية من البلاد، حيث راعى هذا البرنامج منذ نشأته في سنة 1991 أكثر من 1000 مشروع تكنولوجي في أبكر مراحلها، تمكنت 57 في المئة منها من استقطاب استثمارات بلغت قيمتها ما يزيد عن ملياري دولار. وقد أثمر هذا البرنامج أفكارا من قبيل إنشاء شركة "بروتاليكس" التي تعمل في مجال البيوتكنولوجيا والتي تقوم بإنتاج البروتينات الدوائية المأشوبة، حيث تمكنت من تجنيد استثمارات بمبلغ يزيد عن 400 مليون دولار. وكانت هذه الشركة ستبقى مجرد فكرة على ورق لولا مشروع الحاضنات التكنولوجية، وهي الحاضنات التي تم إنشاؤها أول الأمر كمشاريع لا تتوخى الربح، إلا أن معظمها تم خصخصته فيما بعد ليصبح مؤسسات مربحة يمتلكها مستثمرون.