تمثل مأساة هايتي الأخيرة إنذارا وتذكيرا للسلطات في كل من إسرائيل وجاراتها بأن المناطق المحيطة بأورشليم القدس والبحر الميت ومدينة أريحا ومدينة عمان تواجه جميعا خطر زلزال عنيف قد يجتاح المنطقة.
تفيد وقائع التاريخ أن زلازل عنيفة هزت الديار المقدسة والمناطق المحيطة بها مرة كل 100 سنة تقريبا، وقد تكون المرة القادمة في أي لحظة. فهل يوجد في إسرائيل والمناطق المجاورة طواقم طبية مستعدة لمواجهة أسوأ الاحتمالات؟ يشكل مشروع مشترك جديد بين الهلال الأحمر الأردني وجامعة بن غوريون الإسرائيلية في النقب حافزا للجانبين على جمع مواردهما لإيجاد شراكة تمنحهما إمكانية تجنيد قوى الطوارئ لمعالجة الأزمات حال وقوعها.
ويتمثل المشروع الذي بدأ تنفيذه في أكتوبر تشرين الأول الماضي ببرنامج تدريب طبي أكاديمي في مجال الطوارئ يمتد لثلاث سنوات يشارك فيه شباب أردنيون وإسرائيليون حيث يتعلمون كيفية العمل سوية كفريق الخط الأول ضمن الاستجابة المنسقة إقليميا لسيناريوهات الطوارئ.
ومن أهم عناصر البرنامج منتدى التطوير الإستراتيجي الذي ينتمي لعضويته مسؤولون أساسيون إسرائيليون وأردنيون. وتقوم وزارة الخارجية الإسرائيلية عبر وكالتها للتعاون الدولي - "ماشاف" في التنمية والاتحاد الأوروبي وعدد من المانحين الأفراد بدعم المشروع.
استجابة سريعة للأزمات الإنسانية
اتخذ الدكتور محمد الحديد، رئيس الهلال الأحمر الأردني ورئيس اللجنة الدائمة للصليب الأحمر والهلال الأحمر الدوليين قرار إقامة التعاون مع إسرائيل في هذا المجال لمصلحة الجانبين، وتتفق معه كليا الدكتورة بروريا عاديني، رئيسة البرنامج التدريبي للاستجابة للطوارئ الذي التحق به 15 طالبا أردنيا و 13 طالبا إسرائيليا، حيث يقيم جميعهم في حرم جامعة بن غوريون الإسرائيلية الواقعة في مدينة بئر السبع. وذكرت الدكتورة بروريا لمجلة ISRAEL21c الإلكترونية أن هدف البرنامج هو الاستجابة السريعة والفعالة للأزمات الإنسانية. وأضافت: "حين تقع كارثة على الحدود أو في أراضي أحد البلدين، ثمة حاجة للتعاون، وعندها تكون المساعدة الأكثر فعالية هي تلك التي تصل من بلد مجاور. رأينا في هايتي أناسا وصلوا من كافة بقاع العالم، ولكن الأمر استغرق وقتا، أما إذا كنت تضم موارد الاستجابة لبلدين، فإن استجابتك ستكون أفضل من استجابة بلد وحيد".
ويراود الدكتورة بروريا حلم تشارك فيه جميع البلدان المجاورة لإسرائيل، أي السلطة الفلسطينية ومصر ولبنان وسوريا، في دورات ومباحثات وجلسات تدريبية ووضع برامج طويلة الأمد للاستجابة للكوارث. وتعتقد بأنه لو أمكن بناء الثقة وحشد الأموال، فإن حلمها قد يتحقق. وحتى ذلك الحين ترى أن هناك فوائد كثيرة يمكن جنيها من التعاون مع الأردن في مجالات إدارة الكوارث الطبيعية وحتى انتشار الأنفلونزا.
وتقول: "لو ثارت مشكلة صحية كبيرة أخرى شبيهة بأنفلونزا الطيور (H5N1)، فسنحتاج إلى التعاون بالنسبة للتطعيمات ومضادات الفيروسات. وإذا تحقق التعاون بين الدول، سيكون لدينا نموذج أفضل للاستجابة. نسعى لإمكان التعلم من الدروس المستخلصة من كوارث أخرى حول العالم وتطبيقها على هذه المنطقة".
الكوارث لا تعرف الحدود
وتردف الدكتورة بروريا: "أرى أنه حال وقوع كارثة، لا يهتم أحد بالحدود، والتعاون بين الدول المتجاورة عبر الحدود أمر وارد بقوة اليوم ويمثل هدفا بالنسبة لغالبية الدول. علينا صرف النظر عن التوترات والنزاعات، لأنه حال وقوع كارثة من أي نوع، سيكون هدف جميع القوى واحدا: الاستجابة المشتركة والتعاون من أجل إنقاذ الأرواح". وتثني على الجهد المبذول من هيئتي جامعة بن غوريون العلمية والإدارية والهلال الأحمر الأردني لالتزامهما بالتعاون بين البلدين.
يشار إلى أن أورشليم القدس والمنطقة المحيطة بها شهدتا زلزالا عنيفا قبل حوالي 100 عام، كما تعرضت تركيا لهزة أرضية مدمرة قبل حوالي عقد من الزمان، ويمكن الشعور بزلازل صغيرة في أماكن مختلفة من الأراضي الإسرائيلية بين الحين والآخر.
الأردنيون يحبون العبرية
وتقول الدكتورة بروريا: "كنت في الأردن ثلاث مرات وأشعر بأن الناس هناك يستقبلوننا بالكثير من الاحترام، بل يوجد تفاهم جيد جدا فيما بيننا، وهو ما يسود أيضا بيننا وبين الطلاب. لا أريد الدخول في السياسة، ولا شك لدي في أن السلام يصنع بين الناس. إن علاقتنا رائعة، والتواصل يجري بسلاسة".
وفي حرم جامعة بن غوريون بمدينة بئر السبع يتمتع الطلاب الإسرائيليون والأردنيون المقيمون هناك بالفرصة النادرة التي سنحت لهم للتبادل الثقافي. وتؤمن الدكتورة بروريا بأن البرنامج الجديد يجسد خلاصة عملية صنع السلام، ومفادها أن السلام يجب أن يصنع بين الناس لا الحكومات. وأكثر ما يثير إعجابها رغبة الطلاب الأردنيين في تعلم العبرية التي لا يتجاوز عدد الناطقين بها الأحد عشر مليون شخص في العالم قاطبة. وتقول: "كان يهمنا أكثر أن يزدادوا إجادة للإنغليزية، وأردنا تعليمهم الإنغليزية، غير أنهم أخذوا على عواتقهم تعلم العبرية، ويتعلمون اللغة المحكية من خلال إقامتهم في إسرائيل، مثل قول "كيف حالك" و"عيد سعيد" وعبارات أخرى من هذا القبيل. هذه التعابير التي تدل على الاهتمام الحقيقي بالآخر، هي التي ستفضي إلى الصداقة الحقيقية كذلك".