كان لحلاق النساء إيلي بن زكري، حين كان ينتظر دوره في أحد المستشفيات لتلقي دورة من العلاج الكيماوي، لقاء مع مريضة مثله، وهو اللقاء الذي غير حياته. فقد قالت له إنها تفضل الموت على فقدان شعرها. وقد صدم بن زكري بما سمعه، وعرض عليها حلا لمشكلتها يمكنها من التعايش معها. ومنذ ذلك اليوم قدم بن زكري الباروكات مجانا لنحو 4000 سيدة ورجل وطفل حين خضعوا للعلاج الكيماوي.
وكان بن زكري في ذاك اليوم المصيري قد عاد لتوه من دورة تدريبية لصنع الباروكات أقيمت في باريس، وبعد وقت قصير من عودته تم تشخيصه بمرض الليمفوما. ويقول: "وعدتها يومها ونحن في غرفة الانتظار، بأنني سأصنع لها باروكة تبدو تماما وكأنها شعر طبيعي, ولكن النتيجة جاءت أفضل مما كنت أتوقعه، ثم فكرت في أنني إن كنت أستطيع مساعدة سيدة واحدة، أستطيع مساعدة الكثيرات".
حدث ذلك سنة 2002، ومن يومها أصبح بن زكري صاحب رسالة جديدة، إذ يقوم بواسطة جمعية "بيلي" (أي "أعجوبة") الخيرية (والتي أصبحت عند النساء الإسرائيليات كلمة مرادفة لكلمة "باروكة")، التي يشرف عليها، بتقديم الباروكات للرجال والنساء والأطفال الذين يفقدون شعرهم خلال العلاج الكيماوي. ويقول: "من الأسهل على المرأة أن ترى نفسها جميلة من أن ترى نفسها بقصة شعر متناهية القصر".
باروكة تحت الحجاب
ومنذ عام 2002 بات مشروع بن زكري كيانا حيا بحد ذاته، إذ تحول إلى مشروع قومي، حيث تراجعه النساء من جميع شرائح المجتمع قبل خضوعهن للعلاج الكيماوي. وقد صادف بن زكري الناس بأشكالهم وأنواعهم من أثرياء وفقراء ومتدينين وعلمانيين ويهود ومسلمين. في منتصف نوفمبر تشرين الثاني الماضي راجعته سيدة إسرائيلية مسلمة متحجبة لتطلب منه باروكة. ويروي بن زكري: "أتتني متحجبة فقلت لها إنها سوف لا تحتاج إلى باروكة. ولكن كان لها أسبابها الخاصة بها لمقابلتي، ولم يكن هذا السبب متعلقا بخشيتها من رد فعل زوجها حين يراها بدون حجاب. لقد كانت قلقة مما سيشعر به ولدها الصغير وهو يراها كل صباح بدون شعر بعد العلاج الكيماوي".
ويتم ضمن مشروع "بيلي" (أي "أعجوبة") تزويد عشر سيدات يوميا بالباروكة دون أي مقابل. ويستعمل بن زكري في صنع الباروكات المواد عالية الجودة أو الشعر الطبيعي كلما أمكن ذلك، وهو قادر على مساعدة أي شخص، سواء كان رجلا أو امرأة، على الاحتفاظ بمنظره الجميل حين يمر بمرحلة هي من أصعب ما يكون.
رجل السنة
وتأتي التبرعات التي تمول الباروكات من كل حدب وصوب، حيث تقوم النساء الشديدات التدين ("الحريديات") اللواتي تقضي تقاليدهن الدينية بوضع الباروكة فوق شعرهن بإرسال باروكاتهن القديمة إليه حين يستعضن عنها بجديدة، وتقوم أخريات بالتبرع بالأموال أو بالاحتفاظ بشعرهن بعد قصه ليستطيع بن زكري استعماله في صنع الباروكات، علما بأن السيدة التي يبلغ طول شعرها ما لا يقل عن 30 سنتيمترا تستطيع قص شعرها قبيل خضوعها للعلاج الكيماوي ليصنع منه بن زكري باروكة لها. وقد أعلن بن زكري مؤخرا أنه سيقدم قصة شعر مجانا لكل من يتبرع بشعره لصنع الباروكات للمريضات والمرضى، فلقي نداؤه آذانا صاغية، حيث أصبح يأتيه الشباب المضطرون لقص شعرهم المسترسل قبل التحاقهم بالجيش ليهبوا شعرهم لمحتاجيه، كما تؤم صالون بن زكري الفتيات التي يقررن لسبب من الأسباب تقصير شعرهن الذي أرسلنه لسنوات طوال.
كان بن زكري يملك صالون حلاقة ناجحا في إحدى ضواحي تل ابيب قبل تشخيصه بالليمفوما، وبعد وقت قصير من خضوعه للعلاج أنشأ صالونا في مستشفى بيلنسون، ثم دشن آخر في مستشفى كابلان لتمكين المرضى من التوجه إلى الصالون بعد العلاج مباشرة، حيث يقول إن الباروكة تمنح الناس إحساسا بالحيوية رغم المرض.
ويقدم بن زكري للمرضى أيضا خدمة الصيانة والتنظيف للباروكات، وذلك في منزله الخاص. وقد تم اختياره رجل السنة من قبل نوادي لايونز الدولية. ويرفض الحديث عن حالته الصحية، حيث يكتفي بالقول إنه على ما يرام، مفضلا الانشغال بمساعدة الناس والشعور معهم.