(يشار إلى أن المقال يعبر عن آراء كاتبه فقط وأن موقع التواصل ليس مسؤولا عن مضمونه)
تمثل "النكبة"، أي قصة اللاجئين الفلسطينيين، أعظم قصة نجاح عرفها تاريخ العصر الحديث، ولكنه نجاح ملؤه خداع، فلا نجد في العالم بأسره جماعة من "اللاجئين" تحظى بهذا القدر الهائل من التغطية الإعلامية العالمية، فلا يمر أسبوع لا تعقد فيه ندوة أو مؤتمر يدور حول أوضاع الفلسطينيين البائسة، ولا جامعة في العالم لا تخصص ما لا يحصى من المناسبات والندوات والنشرات السنوية أو الشهرية، للتذكير باللاجئين الفلسطينيين، الذين أصبحوا الضحية التي ليس بعدها ضحية. لقد حلت بالعالم ملايين النوائب والكثير من الظلم والطرد والتبادل السكاني وإبادة الشعوب والمجازر والحروب منذ أعلن العرب، ومن ضمنهم الفلسطينيون، حرب الإبادة على إسرائيل، ولكن "النكبة" هي التي تستحوذ على جل الاهتمام، فلو هبط ضيف من كوكب آخر على كوكب الأرض، لظن أن هذا أخطر ظلم وقع على الكون منذ الحرب العالمية الثانية. لذلك حري بنا أن نحطم هذه الأكذوبة، وحري بنا أن نقدم الحقائق، وحري بنا أن نفضح الخدعة.
لقد وصل اليهود إلى مناطق أرض إسرائيل التي كانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية على موجات كثيرة، ولكنها ليست ضخمة، حتى قبل ما يعرف ب"موجة الهجرة الأولى". هل طردوا فعلا ملايين العرب من هنا؟ لا جدال في أنه لم يكن في تلك الحقبة لا "فلسطينيون" ولا "فلسطين" ولا "هوية فلسطينية"، والأهم من ذلك أنه لم تكن ثمة حدود حقيقية بين عرب سوريا ومصر والأردن، فقد كانت ثمة حركة دائمة للأشخاص, حيث كان محمد علي وابنه، عندما احتلا هذا الإقليم في عامي 1831 و 1840، بعثوا بالعديد من عرب مصر إلى غزة ويافا وغيرهما من المدن. وقام اليهود الذين وصلوا إلى يافا في تلك السنين بتنمية المدينة وتطويرها.
شهادات علمية طواها النسيان
ثمة جدل يدور بين المؤرخين حول عدد العرب الذين كانوا في تلك الحقبة يقيمون في "فلسطين"، والتي كانت، في الحقيقة، عبارة عن مقاطعات (سناجق) خاضعة لإدارة دمشق أو بيروت، كجزء من الإمبراطورية العثمانية. ولكن أوثق شهادة حول ما جرى قبل "موجة الهجرة اليهودية الأولى" قد طواها النسيان، وقد يكون ما طواها هو التناسي المتعمد، فمن الصعب العثور على إشارة إليها، مهما كانت عابرة، عند العديد من مؤرخي تلك الحقبة. تدور هذه الشهادة حول بعثة لتقصي الحقائق مؤلفة من باحثين بريطانيين، سميت ب"مؤسسة تقصي الحقائق عن فلسطين" (THE PALESTINE EXPLORATION FUND)، وجالت على أرض إسرائيل الغربية في فترة ما بين 1871-1878، من دان في الشمال حتى بئر السبع في الجنوب، ثم أصدرت خارطة دقيقة وحقيقية وقعت في 26 جزءا لكبرها، واعتبرت نادرة من حيث نوعها ومصداقيتها. لقد وجد الباحثون هنا عددا يسيرا من القرى القليلة السكان. ونشر الصحفي زئيف غاليلي تحقيقا صحفيا شاملا في أعقاب نشر الخارطة، توصل من خلاله إلى أن حيفا، على سبيل المثال، كانت قرية مساحتها 440 في 190 مترا ليس إلا! أما عكا والناصرة فكانتا أكبر من ذلك، حيث بلغت مساحة كل منهما 600 في 300 متر، فيما بلغت مساحة يافا 540 في 240 مترا. وكانت القدس بين أسوارها مدينة ضخمة نسبيا، حيث بلغت مساحتها نحو كيلومتر مربع كامل. وبلغ العدد الإجمالي للسكان حوالي 100 ألف شخص. وتوضح مجموعة نادرة من الصور الفوتوغرافية تعود لتلك الفترة حجم هذه القرى وتلقي نظرة مثيرة جدا للاهتمام على ذلك العهد.
ثمة من يستشهد بالجولة المشهورة التي قام بها (الكاتب اليهودي) "أحاد هاعام" في أرض إسرائيل سنة 1891، والتي عثر فيها إضافة إلى ما أشير إليه على حقول مزروعة مزدهرة، ولكن يبدو أن الانطباع الذي تكون عنده يتقزم أمام سلسلة من النتائج الراسخة لأبحاث تمت عن تلك الحقبة من الزمان. كان المؤلف الأمريكي الشهير مارك توين، زائرا عابرا، مثله مثل أحاد هاعام، حيث زار البلاد سنة 1865 ووصف ما وجد فيها قائلا: "بلاد قاحلة أرضها لا بأس بها من حيث خصوبتها، ولكنها مفروشة بالأعشاب البرية، ورحابها صامتة حزينة. فيها من الإهمال ما يعجز حتى الخيال عن إضفاء شيء من مجد الحياة والعمل عليه. لقد وصلنا بسلام إلى جبل تافور... وعلى امتداد الطريق كله لم نر كائنا بشريا... أرض إسرائيل يلفها الحزن والحداد، أرض قفرة ليس فيها من الجمال شيء.... بواديها الخالية من البشر، بتلالها الباهتة القفرة، فخذ مثلا كفر ناحوم، تلك الكومة من الأنقاض، أو خذ طبريا، تلك القرية التافهة المستغرقة في سبات في ظل نخلاتها الست الحزينة". وسار على منواله هنري بيكر تريستام الذي قام بعدة زيارات للبلاد في تلك الفترة، وجاء وصفه لما شاهده أقرب إلى وصف مارك توين.
ويمكن العثور على شهادات أكثر رسوخا ضمن كتاب جيمس فين، قنصل بريطانيا في أورشليم طوال 17 عاما (1845-1862)، الذي جاب البلاد طولا وعرضا ونشر كتابا وصف فيه بلادا شبه خالية من السكان تنتظر من يخلصها من وحدتها. وقال في مذكرة بعث بها سنة 1957 إن "البلاد خالية من السكان في معظمها".
ولكن يبدو أن مستنتجات بعثة التقصي لا يختلف عليها اثنان، فأعضاؤها لم يكونوا زوارا عابرين، بل باحثين أقاموا هنا لسنوات ودرسوا البلاد وانتقلوا من قرية إلى أخرى وقاسوا كل جبل وقرية وتلة وأصدروا ستة مجلدات. وقال واحد منهم، هو آرثر بنرين ستانلي، حين تطرق إلى منطقة يهودا (جنوب الضفة الغربية): "لا وجود لمخلوق من البشر على مساحات تمتد لأميال وأميال".
ورغم هذه النتائج يختلف الباحثون والمؤرخون وعلماء السكان بشدة حول عدد العرب الذين كانوا يقيمون في المنطقة قبل "موجة الهجرة الأولى"، حيث تتراوح التقديرات بين 100 ألف بحسب البعثة الاستقصائية البريطانية وبضع مئات الآلاف حسب غيرهم من الباحثين. ويدور خلاف آخر حول أبعاد الهجرة العربية إلى إسرائيل في أعقاب الصهيونية، وهو أمر تناوله أيضا باحثون آخرون أمثال موشيه برافر وموشيه شارون. لقد قال وينستون تشرتشل سنة 1939: "رغم أنهم لم يعانوا الاضطهاد، تدفق العرب بالآلاف على البلاد وتكاثروا فيها حتى ازداد عدد السكان العرب أكثر مما كان يهود العالم جميعا قادرين على رفد السكان اليهود به من سكان جدد". وهناك عشرات من مراجع المعلومات سواء حول السكان العرب القليلين قبل "موجة الهجرة الأولى"، أو حول الهجرة العربية منذ نشأة الصهيونية، والتي يدور خلاف حول أبعادها.
***
ثمة خلاف حاد حول كتاب جون بيترز "منذ قديم الزمان" الذي يقدم معلومات كثيرة حول الهجرة الفلسطينية، فقد تم تفنيد بعض ما يحويه الكتاب من معلومات، ولكن باحثين أكثر أهمية، مثل أرييه أفنيري الذي يدحض الادعاء بالإبعاد والترحيل وفريد غوتهايل، يقدمون صورة صادقة وموثوقا بها تؤكد أهم ما ذهبت إليه جون بيترز. وعند المجاوزة بين ما خرجت به من نتائج وبين شهادات بعثة التقصي ومذكرة فين، تبدو الصورة واضحة لا تقبل التأويل، وتتمثل في أن عدد سكان مناطق أرض إسرائيل قبل "موجة الهجرة الصهيونية الأولى" كان ضئيلا جدا.
يشار أيضا فيما يخص الهجرة إلى انه في الفترات التي كانت فيها البلاد محكومة من العرب أو المسلمين، بحث الرعايا المحليون عن مكان أفضل للعيش فيه. لقد عاش عرب المنطقة تحت الحكمين المصري والأردني خلال عقدين من الزمان (1948-1967)، ولم يطالبوا بدولة خاصة بهم. إنهم عاشوا في ظل حكم قاس (وهو أمر يستحق مقالا خاصا)، وبذلوا كل مستطاع للهجرة إلى دول أخرى. وبدأ التغيير سنة 1967، حيث اجتذب الحكم الإسرائيلي مزيدا من السكان، وهو السبب الكامن وراء كون العديد من الفلسطينيين يفضلون العودة إلى مناطق يهودا والسامرة، وهو أيضا سبب رغبة كثرة منهم في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على مواطنتها، وقد أقدم على ذلك فعلا مئات الآلاف.
***
على امتداد سني الانتداب البريطاني عاشت هنا مجموعتان سكانيتان هما اليهود والعرب. وقد شملت منطقة الانتداب الأصلية، بمقتضى وعد بلفور، شرق الأردن، وكما ذكر سلفا كان عدد السكان ضئيلا جدا. ولم تكن إقامة الوطن القومي للشعب اليهودي لتظلم أحدا، لأن البلاد كانت خالية من دولة ومن شعب. كانت هذه هي الخلفية الحقيقية لوعد بلفور. وفي سنة 1922 اقتطعت عصبة الأمم جزءا من المنطقة المشمولة في الوعد، لحساب العائلة الهاشمية، ثم اقتطعت بعد عام مرتفعات الجولان أيضا، لحساب الحكم الفرنسي في سوريا.
كان التنكيل باليهود قائما في العصر العثماني كذلك، وازداد خطورة أيام الانتداب البريطاني. وتولت قيادة المقاومة الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، الذي أقدم على الانضمام إلى دول المحور، بل نادى بكراهية اليهود وإبادتهم، وأمضى فترة الحرب العالمية الثانية في برلين. وأعلن شريط ألماني عرض اللقاء الذي عقده الحسيني بأدولف هتلر أن "المفتي وهتلر لهما عدو مشترك هو اليهود". على أن المفتي لم يكتف بالأقوال، بل أعقبها بالأفعال، حيث أنشأ "كتائب الأنصار"، وهي الوحدات المسلمة التي قاتلت في خدمة هتلر.
وحدهم الفلسطينيون بقوا لاجئين
مع صدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة أعلنت الدول العربية حرب الإبادة على إسرائيل، والنتيجة معروفة، حيث اضطر إعلان الحرب مئات الآلاف من العرب إلى الهجرة إلى البلدان المجاورة، وهرب الكثيرون منهم، وشهد العديد منهم بأنهم اضطروا لهجر أماكنهم بضغط من القادة السياسيين العرب. وكان أيضا من تم ترحيلهم في خضم المعارك والحرب. وهكذا أصبح 600 ألف شخص لاجئين.
وتحولت التجربة التي مر بها العرب إلى "النكبة"، التي تم تضخيم قصتها باستمرار على مر السنين، حيث بات العرب وكأنهم المرحلين الوحيدين على وجه الأرض وعلى خارطة النزاعات العالمية. وهي في الواقع أكذوبة لا أكذوبة بعدها، أولا لأنه بالتزامن مع الأحداث المذكورة حدثت أيضا "النكبة اليهودية، إذ على نفس الخلفية وضمن نفس المواجهة تعرض عدد أكبر من يهود الدول العربية، أي 800 ألف يهودي ويزيد، للطرد والترحيل. لم يكونوا قد أعلنوا حرب إبادة على الدول التي كانوا يعيشون فيها. ثانيا، وهو أهم، لقد عاش أكثر من 50 مليون شخص تجربة مماثلة من التبادل السكاني نتيجة نزاعات قومية أو إنشاء دول قومية جديدة. وعليه، فلا فرق إطلاقا بين عرب فلسطين وباقي اللاجئين، ومن ضمنهم اليهود. ففي العقد التالي للحرب العالمية الثانية وحده، وفي أوروبا وحدها، مر ما يزيد عن 20 مليون شخص بتجربة التبادل السكاني. وحدث مثل ذلك لاحقا في المواجهة بين قبرص التركية وقبرص اليونانية، وبين أرمينيا وأذربيجان، وبين الدول التي نشأت نتيجة حل يوغوسلافيا وبؤر أخرى للمواجهة في العالم وهي كثيرة.
وها هم الفلسطينيون وحدهم دون غيرهم من المجموعات، يحتفظون بلقب اللاجئين منذ أكثر من ستة عقود. وقد نجحوا في نسج رواية تاريخية متميزة خاصة بهم، وتتضخم هذه الأسطورة وبدعم من الأنروا أيضا، وهي هيئة خاصة برعاية اللاجئين الفلسطينيين دون غيرهم من لاجئي العالم والذين ترعى أمورهم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – UNHCR. وتقوم العديد من دول العالم، بما فيها إسرائيل، بدعم الأنروا التي تمارس التحريض. أما المأساة فهي أنه لو حظي الفلسطينيون بمعاملة ورعاية مماثلة من لدن المجتمع الدولي، لكانوا اليوم أحسن حالا بكثير.
خدعة اسمها العودة
في الكثير من النقاشات التي شاركت فيها، سألت زملائي، أتباع الرواية الفلسطينية، متى حصل مرحلون كانوا قد أعلنوا الحرب وخسروا فيها على "حق العودة"؟ هل ثمة مجموعة واحدة من عشرات المجموعات السكانية وعشرات الملايين من البشر الذين عاشوا تجربة الترحيل خلال القرن الأخير، حصلت على "حق العودة"، وبما يؤدي إلى القضاء سياسيا على دولة قومية؟ لم يأتني جواب على ذلك إلى يومنا هذا، لأنه لا وجود لمثل هذا الحق.
تقوم السلطة الفلسطينية بعرض وثيقة تدعي بوجود سوابق ل"حق العودة". وأهم مثال على ذلك تقدمه الوثيقة اتفاق دايتون لعام 1995 الذي يسمح لصرب كرواتيا بالعودة. ولكن الظروف مختلفة، ناهيك عن أن مثل هذه العودة لم تتحقق يوما، فإن كانت كرواتيا قد سمحت بعودة الكرواتيين، إلا أنها وضعت العراقيل أمام عودة الصرب، والثاني أنه حتى لو تحققت العودة، إلا أنها لم تنقض كيان كرواتيا كدولة قومية للشعب الكرواتي. والمثال الثاني الذي يقدمه الفلسطينيون هو اتفاق طاجكستان لعام 1997. غير أن هذا المثال خدعة هو الآخر، لأن تقريرا صدر عام 2002 أوضح أن المسلمين المرحلين إلى أذربيجان لم يعودوا إلى أرمينيا، فيما لم يعد الأرمن الذين اضطروا إلى اللجوء إلى أذربيجان. وفي الحقيقة، يمنح الدستور الأرمني حق العودة للأرمن دون غيرهم (أسوة بقانون العودة الإسرائيلي الذي تعمل دول أخرى في العالم بقوانين مماثلة له). أما الأمثلة الأخرى التي يسوقها الفلسطينيون من أفريقيا وأمريكا الجنوبية، فليست ذات صلة بالتبادلات السكانية الكثيرة في العالم، ناهيك عن التبادل السكاني بين الدول العربية وإسرائيل.
إن أهم إشارة إلى قضية حق العودة ما يتضمنه اتفاق قبرص الذي بادر إلى عقده الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، والذي لا يعترف بحق العودة، رغم كون المحكمة الأوروبية المختصة بحقوق الإنسان قد اعترفت بحقوق عدد ممن لجئوا إليها من سكان الشطر اليوناني لقبرص في العودة واستعادة ممتلكاتهم، ما يعني أن ليس كل سابقة قضائية تصبح حقيقة سياسية، علما بأن الاتفاق حظي بمباركة المجتمع الدولي عامة والاتحاد الأوروبي خاصة. وليس صدفة يمتنع الفلسطينيون عن ذكر السابقة القبرصية التي تشترط لممارسة حق العودة ألا تقل الأغلبية التركية يوما عن نسبة 80 بالمئة.
ويجب أيضا التنبيه إلى أن القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة والذي يستند إليه الفلسطينيون مشروط بقرار سابق ينص على الاعتراف بدولة يهودية وإيجاد ظروف ملائمة وموافقة من يطلبون العودة على العيش بسلام مع جيرانهم، وغني عن الذكر أن الفلسطينيين يصرون على عدم الاعتراف بدولة يهودية، ما يدل على أن الظروف لم يتم إيجادها، خاصة وأن العودة تستهدف القضاء على الكيان اليهودي، لا العيش بسلام. وكما أوضح أبو مازن في مايو أيار 2009، فإنه لا يعترف بالدولة اليهودية لأنها قد تحول دون العودة الجماعية.
هل يوجد شعب فلسطيني؟
أكد عزمي بشارة في السابق أن "ليس ثمة شعب فلسطيني، بل هو اختراع استعماري، إذ لم يوجد فلسطينيون يوما". والحق مع بشارة، وحتى هو يعتقد ذلك. فالمؤتمر القومي العربي الثالث الذي عقد في يافا سنة 1920 أكد أن فلسطين هي جنوب سوريا، وأن ليس ثمة هوية فلسطينية منفردة. كما أن أحمد الشقيري، الرئيس الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية، أوضح أن "فلسطين ليست إلا جزءا من سوريا". والرئيس السوري حافظ الأسد أوضح هو الآخر في عام 1974 أن فلسطين جزء من سوريا الكبرى، شأنه شأن الممثل العربي الذي مثل أمام لجنة بيل، والذي أوضح أن "لا فلسطين في الكتاب المقدس، فقد كنا دائما جزءا من سوريا". واعترف الكثيرون، تماما كما اعترف بشارة والأسد المرة تلو الأخرى أن لا وجود لهوية فلسطينية منفردة. لولا الهجرة الصهيونية، لما أتى إلى هنا الألوف المؤلفة من المهاجرين من الدول الإسلامية، ولما تكونت هوية فلسطينية. غير أن حقيقة أننا لسنا أمام شعب، وإنما أمام مهاجرين من البلدان المجاورة لا تنفي حق الفلسطينيين في تقرير المصير. إنهم يعتبرون أنفسهم شعبا، وقد كونوا شخصية قومية منفردة، ورغبتهم هذه يجب أن تحترم.
ومن بين الحجج الفلسطينية أنه لحل النزاع يجب الاعتراف بالنكبة الفلسطينية، ولا سيما بمسؤولية إسرائيل عن مشكلة اللاجئين. ولكن الحقيقة عكس ذلك، فتغذية أسطورة النكبة هي التي تحول دون تسوية النزاع، لأن الفلسطينيين منشغلون في تعظيم المشكلة وتضخيمها وإثارة مطلب غير مسبوق إطلاقا في الساحة الدولية. لقد نسوا إنهم هم الذين آثروا دعم محور الشر النازي، وهم الذين رفضوا مشروع التقسيم، وهم الذين أعلنوا حرب الإبادة، وهم الذين بدئوا بالحرب. لقد نسوا أن عددا أكبر من اليهود تم اضظهادهم وإبعادهم وترحيلهم من الدول العربية. وكلما بقوا يغذّون أسطورة النكبة ويمحون الحقائق الأساسية، كلما كرسوا معاناتهم هم. ورغم ذلك كله فإن الفلسطينيين يستحقون الاحترام والحرية وكذلك الاستقلال، ولكن إلى جانب إسرائيل وليس مكانها، وليس من خلال النكبة التي لا تعدو كونها خدعة سياسية وخدعة تاريخية.