(يشار إلى أن المقال يعبر عن آراء كاتبه فقط وأن موقع "التواصل" ليس مسؤولًا عن مضمونه)
الفلسطينيون، وفقا للرأي العام العالمي، هم مساكين العالم والمظلومون في الأرض، المحبطون فوق الأرض، فئة قومية تجسد بداخلها جزءا كبيراً من صورة الضحية. هناك عدد لا يحصى من النشرات التي تتطرق إلى هذه المسكنة، الفقر وحالة اللجوء المستمرة منذ عشرات السنين. حتى في هذا المضمار، فإن أقل ما يقال عن الصلة بين الحقائق وبين النشرات بأنها واهية.
في التقرير الأول من السلسلة، "والعالم صامت"، الذي نشر في ملحق رأس السنة العبرية، تطرقنا إلى القتل الجماعي الذي يقترفه عرب ومسلمون بحق عرب ومسلمين بصورة خاصة، وذلك مقارنة بالعدد الضئيل نسبياً من القتلى العرب عموما، والفلسطينيين بشكل خاص، في إطار الصراع مع إسرائيل. التقرير الثاني في السلسلة، "والعالم يكذب"، الذي نشر في ملحق يوم الغفران، تناول التلاعب بقضية اللاجئين الفلسطينيين: على الرغم من أن حوالي 40 مليون من البشر مروا بتجربة تبادل السكان من أجل بناء دول ذات هوية قومية، عرقية أو دينية، إن الفلسطينيين وحدهم ما زالوا لاجئين، من بين عشرات الملايين.
يفحص التقرير التالي أسطورة التعاسة الفلسطينية. الفلسطينيون فعلا في وضع صعب، ولا نقاش حول هذا. إن السؤال المطروح هو: هل نحن نتحدث عن نتاج فلسطيني ذاتي، بمسؤولية فلسطينية، أم أنه تنكيل دولي، على الأخص أمريكي أو إسرائيلي؟
الأسطورة التي تحظى برعاية "قوى التقدم" تدعي، كما هو معروف، أن أمريكا هي أساس الشر. فهي لا تدير "سياسة غير متوازنة" فحسب، وإنما هي الجهة التي تقمع الطموحات المشروعة للشعب الفلسطيني. أما إسرائيل، طبعاً، فهي تُعمق القمع الاقتصادي. هل الأمور هكذا حقا؟
حظي الفلسطينيون فعلا بمكانة مرموقة في سلم المسكنة العالمية. لقد حولتهم العلاقات العامة الفائقة إلى أمة من الضحايا. إن الحقائق تختلف تمام الاختلاف عن الأساطير وعن النشرات الأكاديمية والصحفية الوفيرة التي تولد التضليل الشامل للرأي العام العالمي.
إن المسكنة مجدية. لقد تحولت إلى صناعة. العالم يفتح جيوبه. "الشيطان الأكبر"، الدولة الأكثر بغضاً بنظر الفلسطينيين، الولايات المتحدة، التي لا تتنافس على الصدارة إلا مع إسرائيل، "الشيطان الأصغر"، هي الدولة التي قدمت أكبر مساعدة للفلسطينيين منذ التوقيع على إعلان المبادئ عام 1993 من أي دولة أخرى في العالم، وليست السعودية وحدها، ولا دول الخليج - كل على حدة أو جميع الول معا. وليست دول أوروبا التي تتبرع بشكل منفرد ولا حتى الإتحاد الأوروبي.
ها هي الحقائق: حسب تقرير صادر عن البنك الدولي، في السنوات ما بين 1994- 1998، كانت الولايات المتحدة المتبرعة الأكبر للفلسطينيين. لا تختلف هذه المعطيات بالنسبة للسنوات التالية، غير انه توجد أهمية خاصة لسنوات التسعينيات التي انتهت بالانتفاضة. صحيح أن إسرائيل تنال مساعدات أكبر بكثير. إن المساعدة العسكرية تنبع من مصالح استراتيجيه لا مجال لمناقشتها الآن. معظم هذه المساعدات، على أي حال، بمثابة دعم للصناعة الأمريكية، لأن إسرائيل ملزمة أن تصرف المال في أمريكا فقط. بخصوص الدعم الاقتصادي: فقد أصبح هذا الدعم هامشيا في السنوات الأخيرة، وهو أقل من الدعم المقدم للفلسطينيين.
بالنسبة لما يتعلق باحتياجات التطوير والسلام الفلسطينية، ووفقا للحساب الخاص بالفرد، فان الفلسطينيين يحصلون على دعم أكبر بكثير من الدعم المقدم مثلا لمصر. غير أن الأسطورة تتكرر وترى أن الفلسطينيين هم "الضحية"؛ وأنه يتوجب منهم المزيد والمزيد، لأن هذا هو ما قد يقنعهم بالرغبة في السلام ونبذ الإرهاب.
طبقا لتقرير البنك الدولي، فقد قدمت واشنطن في السنوات المذكورة ما يقارب 345 مليون دولار، مقارنة مع الإتحاد الأوروبي الذي قدم 298 مليون دولار. أما الصدارة، فإن اليابان تحتلها في تلك السنوات بواقع 306 مليون دولار من التبرعات.
التبرعات بملايين الدولارات للسلطة الفلسطينية ما بين السنوات 1994-1998
وفقا لمعطيات البنك الدولي

من الناحية العملية، فإن الدعم الأمريكي أكبر بكثير: في تلك السنوات، كما هو الحال على مدار العقدين الأخيرين، كانت الولايات المتحدة أكبر متبرعة للأونرا- وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. كانت الميزانية السنوية لوكالة الغوث في تلك السنوات حوالي 300 مليون دولار سنوياً، من بينها 600 مليون دولار وصلت في تلك السنوات إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.
بحساب متعدد السنوات، من العام 1994 حتى 2004، تتصدر الولايات المتحدة المكان الأول بدعم يصل إلى 1.3 مليار دولار؛ يليها الإتحاد الأوروبي بـ 1.11 مليار دولار؛ واليابان بـ 0.53 مليار دولار. ولا تشمل هذه المبالغ التبرعات المقدمة لوكالة الغوث وقنوات "الدعوة" ("الصدقات") التي يحول الجزء الأكبر منها لتمويل الإرهاب . علينا أن نتذكر أن حماس تدير مسارا إضافيا ومنفصلاً لتجنيد الأموال، والتي استغل جزء منها بالفعل لصالح البنى التحتية الخاصة بالرفاه، التعليم، الصحة والدعاية، وبعضها لتقوية الذراع العسكرية والأعمال الإرهابية.
تحويل غزة إلى بيروت
تم تحويل المليارات للفلسطينيين. كان بإمكانهم إحداث تحسن هائل على الاقتصاد الفلسطيني. كان بإمكانهم، وعذرا على المقولة، تحويل غزة إلى بيروت (إلا إذا حول حزب الله بيروت إلى غزة). غير أن الفلسطينيين اختاروا طريقا آخر. هطل عليهم العالم بغيث من الدولارات، بينما رد الفلسطينيون بالبصاق. لم يكونوا المحبطين في الأرض وإنما المدللين على الأرض. معظم سكان دول أفريقيا، الذين يرزحون تحت ظل معاناة أكبر بكثير، يمكنهم فقط أن يحلموا بدعم بهذا الحجم الذي حظي به الفلسطينيون. هناك فقر في العالم. هناك استغلال. هناك قمع. لكن الفلسطينيين ليسوا في رأس القائمة. إنهم بعيدون جدا. لم يعانوا يوما من الجوع. ضائقتهم بالأساس من صنع أيديهم.
فضلوا النضال على الازدهار
حتى من قبل اتفاقيات أوسلو، تدفقت الأموال على الفلسطينيين. كان عام 1992 عام الذروة بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني. وصل دخل الفرد (GDP per capita ) إلى 1،999 دولار، بينما وصل الدخل الحقيقي الشامل للفرد (GNP per capita) إلى 2،683 دولار للفرد. الفرق هو نتيجة لإضافة من مصادر خارجية: جزء منه من ميزانية وكالة الغوث (الأونرا)، جزء من الأموال التي تم تحويلها من فلسطينيين يعملون في الخارج وقاموا بإرسال المال، والجزء الملحوظ ناتج عن عمل الكثير من الفلسطينيين داخل إسرائيل.
من الناحية النظرية، لو لم يكن هناك إرهاب، لما اضطرت إسرائيل إلى فرض الإغلاق وحظر التجول، ولكان بإمكان الاقتصاد الفلسطيني في التسعينيات أن يصبح اقتصادا رائداً في الشرق الأوسط، بعد إسرائيل. هذه هي النقطة الزمنية التي دارت خلالها المحادثات السرية في أوسلو والتي في أعقابها، بعد التوقيع على الاتفاقيات، بدأ التدفق الغزير للدعم الدولي للفلسطينيين. لكن هذه السنوات كانت أيضا السنوات التي شهدت موجات الإرهاب الكبيرة. لقد فضّل الفلسطينيون النضال على الازدهار.
في تلك السنوات، كان دخل الفرد لدول مثل اليمن، تشاد، ونيجيريا مثلا، ألف دولار للفرد، ولم تكن هذه الدول من أفقر الدول في العالم. كانت هذه سنوات تحول فيها ملايين البشر في الدول الأفريقية مثل الكونغو، السودان والصحراء الكبرى إلى لاجئين والذين كما هو معروف اليوم، لم يعتمدوا سبيل الإرهاب كما لم يشكلوا تهديداً إستراتيجياً إلا أن المجتمع الدولي أهملهم. كما أن قوانين الأعراف الدولية بشكل عام والغربية بشكل خاص، تعمل بصورة انتقائية للغاية: من خلال شاشات التلفزيون، من خلال تهديدات الإرهاب، من خلال تشكيل خطر على رفع أسعار النفط. لذا فإن المعاناة الكبيرة جداً لعشرات ملايين السود في أفريقيا، هي بدرجة أقل بكثير مقارنة بمعاناة الفلسطينيين.
إن الضائقة التي يعاني منها الفلسطينيون هي على ما يبدو أكثر الصناعات نجاحاً في العالم. إنها ضائقة تخلد نفسها بنفسها، كما أنها تستخدم كقاعدة للمزيد والمزيد من المطالب بالدفع. وما الداعي؟ ليس من أجل بناء البنى التحتية. ليس من أجل بناء جهاز تعليم محسن. ليس من أجل تأهيل مئات آلاف الفلسطينيين الذين يقبعون في مخيمات اللاجئين. لقد صرفت الأموال من أجل ثلاث أهداف رئيسية: تخليد حالة اللجوء والمسكنة، شراء الأسلحة والمواد التخريبية؛ والفساد، من خلال دفع الأموال الطائلة التي وجدت سبيلها بشكل متواصل إلى جيوب المقربين والتابعين، مثل ملايين لدولارات التي وصلت إلى حسابات ياسر عرفات في بنوك متنوعة في أنحاء العالم والحصص التي اقتطعها كبار المسئولين في السلطة من كل صفقة تطوير اقتصادي تقريبا في الضفة الغربية وقطاع غزة.
الهدف الأسمى: إزالة إسرائيل من الخارطة
إسرائيل ليست معفية من الأخطاء. لكن جميع الأخطاء التي اقترفتها إسرائيل تصغر أمام المسئولية الذاتية للسلطة الفلسطينية. الحياة في ظل الاحتلال ليست متعة كبرى إطلاقا،ً وانتقاد الاحتلال بشكل عام والمستوطنات بشكل خاص، هو نقد مشروع، بل وأكثر من مشروع. غير أننا لا نُعنى بالنظريات، بل بالحقائق: الميزانيات الطائلة التي تدفقت إلى السلطة الفلسطينية ذهبت سدىً، كما أن الفرص التي توفرت لتحقيق الاستقلال والازدهار تأجلت من أجل هدف أسمى: إزالة إسرائيل عن الخارطة.
إن نقطة التحول الأهم هي بالطبع اتفاقيات أوسلو. تجند العالم بأسره من أجل مساعدة السلطة الفلسطينية التي أقيمت في أعقاب هذه الاتفاقيات. وبالفعل، فقد نمت السلطة الفلسطينية وازدهرت. بدأت رؤوس الأموال بالتدفق. لكن الفلسطينيين أنفسهم لم يتمتعوا بثمار السلام. على العكس، لقد غرقوا في حضيض اقتصادي.
تعرض مراكز الدراسات المختلفة معطيات متناقضة حول الدخل القومي للفرد، أو قدرات الشراء للفلسطينيين، قبل اتفاقيات أوسلو وبعدها. لكن حتى هذه المعطيات المتناقضة أجمعت على خطوط معينة: من جهة، كان هناك تدفق مذهل ومنقطع النظير للأموال إلى السلطة الفلسطينية، ومن جهة أخرى كان إلى جانب هذا التدفق الغزير للأموال انخفاض في دخل الفرد. إن تفسير ذلك بسيط: بعد اتفاقيات أوسلو ظهرت موجات من الإرهاب أدت إلى سلسة من الإغلاقات، وبهذا انخفض عدد الفلسطينيين العاملين في إسرائيل.
غير أن التغيير حلّ. في العام 1997، بدأ المنعطف وأخذ الاقتصاد الفلسطيني ينتعش. بدأ الفلسطينيون يشعرون بمحاسن السلام. حسب معطيات الفلسطينيين، منذ سنة 1994 وحتى سنة 2000 كانت هناك ارتفاع فعلي بنسبة %36 في الناتج القومي. هنا، وبالرغم من التحسن المذهل، فإن الانتعاش الاقتصادي كان قصير الأمد. وقد جدعته الانتفاضة الثانية التي اندلعت في أيلول 2000. مرة أخرى تم القضاء على فرص الازدهار. مرة أخرى اختار الفلسطينيون طريق العنف.
إن الحديث هنا يدور عن نقطة زمنية هامة. اندلع العنف بالضبط بعد أن قدمت إسرائيل للفلسطينيين أكثر العروض سخاء في تاريخ الصراع بين الشعبين. إن أسطورة "المعاناة الفلسطينية" و"أهوال الاحتلال" لا تتفق مع الواقع.
بعيدون عن آخر مكان في ضائقة الفقر
أولاً، بدأ التمرد بعد سنتين من ضعف الإرهاب وازدهار الاقتصاد. ثانياً، كانت تلك أياما حاز الفلسطينيون فيها على دولة باليد. بدأ ذلك في قمة كامب ديفيد، التي طرح فيها رئيس الحكومة آنذاك، ايهود براك، عروضاً لم يجرأ أي زعيم إسرائيلي قبله على طرحها. استمر ذلك في خطة كلينتون، والذي كانت مبادئه الأساسية دولة فلسطينية في حدود 1967، ما عدا تعديل الحدود بنسب بسيطة، بما في ذلك أجزاء كبيرة من القدس وكذلك تبادل المناطق كتعويض للفلسطينيين.
كيف كان رد الفلسطينيين؟ هكذا يصف بندر بن سلطان، السفير السعودي صاحب الوزن النوعي الكبير في واشنطن في تلك الأيام، أحداث ذلك اليوم التاريخي، 2 كانون ثاني 2001: اجتمع بندر بن سلطان بعرفات في فندق ريتش قبل دخول عرفات إلى الاجتماع بالرئيس كلينتون. وقد أوضح بندر بن سلطان لعرفات أن الحديث هنا عن فرصة تاريخية، وأنه يحظى بدعم السعودية، مصر وغالبية العالم العربي، اذ أن رفض هذا العرض، "لن تكون مأساة، بل ستكون جريمة"، لكن هذا لم يساعد. دخل عرفات إلى كلينتون وقال: "كلا". عرفات لم يرد دولة فلسطينية. عرفات لم يرد الازدهار. عرفات لم يرد إنهاء الاحتلال. عرفات أراد الحرب.
اضطرت إسرائيل للرد من أجل الدفاع عن نفسها من موجة الإرهاب الرهيب. نعم، إسرائيل اقترفت أخطاء لكن أخطاءها تتقزم، ويجب التأكيد على ذلك، أمام الرفض الفلسطيني لإنهاء الاحتلال والصراع وأمام رفض إقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل.
لنتابع مع الحقائق. تدفق الأموال من اجل الدعم الاقتصادي، التطوير البشري، لمنع الجوع، كان من المفروض أن يكون وفقا لوضع المجتمع المحتاج. هل الفلسطينيون كانوا أكثر المجتمعات احتياجاً؟ من المعطيات المقارِنة يتبين أن الفلسطينيين بعيدون عن المكانة الأخيرة في سلم الفقر. فعلا، لم يكن الدخل الفردي بحجم الدخل الغربي، لكن حتى بين الدول الإسلامية أو العربية، لم يحتل الفلسطينيون المكانة الأخيرة.
مقياس التطور البشري لسنة 2003، وضع "المناطق الفلسطينية المحتلة"، هكذا تم تعريف السلطة الفلسطينية، في المكانة 102 من بين حوالي 180 دولة. بما أن العام 2003 يدل على احد نقاط الانحطاط في الانتفاضة، وبما أن الدخل الفردي في سنوات التسعينات كان أعلى بكثيرـ لذا يمكن الافتراض أن موقع الفلسطينيين في سنوات التسعينات كان أعلى بكثير. على أي حال، حتى في أسوأ الظروف في سنة 2003، تقدم الفلسطينيون على الجزائر (المكانة 103)، سوريا (المكانة 106)، مصر (المكانة 116)، المغرب (المكانة 126) واليمن (المكانة 156)، وبالطبع كانوا قبل معظم الدول الأفريقية وجزء من دول أمريكيا الجنوبية.
أرادوا المال وكذلك دعم الإرهاب أيضا
وصل الفلسطينيون إلى درجة عالية من التطور البشري نسبة إلى الدول العربية الأخرى، على الرغم من أن الدخل الفردي أقل بكثير مما هو في تلك الدول. بالرغم من ذلك، فان المقارنة بين الدخل الفردي وبين المساعدات الدولية، نسبة لدول أخرى ونسبة لحجم السكان، يخلص بنا إلى نتيجة مذهلة: حصل الفلسطينيون على أعلى مساعدات في العالم. من الناحية العملية، منذ عقد ونصف فإن الفلسطينيين بعيدون جداً من أن يكونوا الأفقر، لكنهم يحصلون على أكبر دعم. الحقائق تروي القصة.
هكذا على سبيل المثال، حصل الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة في السنوات ما بين 1994 و 1998 على مساعدات تجاوزت 2.6 مليار دولار من الدول المانحة، وكذلك حوالي 600 مليون دولار من خلال وكالة الغوث. غير أن هذا يبقى جزء من الصورة فقط. عدد كبير من الجمعيات الفلسطينية غير الحكومة (NGO) حصلت على الدعم من صناديق كثيرة، خاصة من أوروبا.
إضافة إلى ذلك، فان "جمعيات الصدقات" سكبت الأموال، خصوصا للجهات التي تعاملت مع الإرهاب و/أو النشاطات الدينية. تدفقت الأموال من المسلمين في أمريكا وأوروبا، من السعودية ومن دول الخليج. يدور الحديث هنا عن مبالغ تتراكم سنويا لتصل إلى ملايين الدولارات.
معطيات المقارنة من العام 2003، تكشف صورة مفاجئة أكثر. في حين حظي اليمن الفقير بمساعدات خارجية بقيمة 30 دولار للفرد فقط، فقد حصل كل فرد في السلطة الفلسطينية على مساعدات بقيمة 470 دولار. وحتى من باب الإطلاق، فإن الأمر معوج. لقد حظيت مصر بمساعدات خارجية بقيمة 1،286 مليار دولار، بينما حصلت السلطة على مساعدات بقيمة 1،616 مليار. لا حاجة للإشارة إلى أن عدد سكان مصر يصل إلى 73 مليون، بينما يصل عدد الفلسطينيين إلى حوالي ثلاثة ملايين فقط.
لم تقف الوقاحة الفلسطينية عند هذا الحد - وقاحة تقابل الدعم الأمريكي، الاقتصادي والسياسي بنكران الجميل. في سنة 2003، ومن بين ذلك في أعقاب العمليات التفجيرية، قررت واشنطن اشتراط المساعدة المقدمة للجمعيات في العالم بشكل عام بالتوقيع على اتفاقية تلتزم بموجبها الجهة التي تحصل على الدعم أن لا تكون جهة داعمة للإرهاب. لا بد من التوضيح: هذه كانت السياسة تجاه كل هيئة أو جهة في العالم، وليس تجاه الفلسطينيين فقط. غير أن هذا لم يكن ليعجب جزءا من الفلسطينيين. لقد أرادوا الأموال وأرادوا أيضا دعم الإرهاب. تطور جدال داخلي، يتضمن بلاغة قومية متوقعة. فازت الأطراف المتطرفة، وفي أوائل حزيران 2004، توصل المجلس التشريعي الفلسطيني إلى قراره القاضي برفض الشروط الأمريكية.
أراد الفلسطينيون الدعم وأرادوا أيضا خيار وصول هذا الدعم إلى جهات إرهابية أو جهات داعمة للإرهاب. لماذا؟ لأن "الكرامة القومية" الفلسطينية، التي شملت أيضا دعم الإرهاب، كانت أهم من إمكانية الحصول على المساعدات الأمريكية.
الأسلحة أهم من الرفاه، التربية والتعليم والازدهار
قام ثلاثة باحثين- مايكل كيتينج، آن لامور وروبرت لو بتحرير كتاب مقالات شامل في موضوع المساعدة تحت عنوان "حالة فلسطين: المساعدة، الدبلوماسية والحقائق الميدانية". صدر الكتاب في العام 2005. المؤلفون الثلاثة ليسوا محسوبين على عشاق إسرائيل. ومع ذلك، تتبين من خلال الكتاب حقيقتان واضحتان: الأولى، أن الفلسطينيين حصلوا على أكبر دعم ممكن منذ الحرب العالمية الثانية، ليس فقط بصورة تامة، وإنما مع الأخذ بعين الاعتبار بتحديثات الجداول المختلفة. وفي الواقع، نسبة لعدد الأنفس، قد حصل الفلسطينيون على دعم يفوق خطة مارشال التي كانت تهدف إلى تأهيل أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ثانيا، وكما جاء في الأصل، "ربما كانت هذه المساعدات جزء من المشكلة أكثر مما هي جزء من الحل، حيث لم تقف المساعدة الدولية المكثفة أمام منع تطور المجتمع الفلسطيني".
كما هو الحال مع مؤلفات من هذا القبيل، فإن الكتاب ملئ أيضا بادعاءات ضد إسرائيل، مثل الإدعاء أن المساعدات ساهمت في تكريس الاحتلال (كيف يتماشي هذا بالضبط مع الرفض الفلسطيني للدولة الفلسطينية وخطة كلينتون؟)، لكننا إذا تطرقنا فقط إلى معطيات البنك الدولي، صندوق النقد الدولي ومراكز الدراسات- فإنها ستسرد علينا القصة.
يوجد اليوم في أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة عشرات آلاف قطع السلاح الخاص التي لا تعتبر جزءا من أسلحة أجهزة الأمن الفلسطينية المستقلة. إن سعر البندقية، حسب النوع والفترة، يتراوح بين آلاف الشواقل وآلاف الدولارات. حينما نتحدث عن الضائقة الفلسطينية، يجدر أن نتذكر سلم الأولويات الفلسطيني، الوطني الى جانب الفردي: قطع السلاح أهم من الرفاه، التربية والتعليم، وأهم من الازدهار. المشكلة تكمن في تفضيل السلاح.
لو كان الفلسطينيون يناضلون ضد الاحتلال – لكانوا منذ مدة حصلوا على دولة فلسطينية مستقلة، قريبة جدا من حدود 1967. غير ان الفلسطينيين بذلوا كل الجهود لإقناع الرأي العام في إسرائيل أن هدفهم ليس إنهاء الاحتلال. كان هدف الفلسطينيين، وما يزال كذلك لدى الكثيرين منهم- القضاء على دولة إسرائيل. لقد غلب الوهم الواقع.
مثل الحلم المُراعى حول حق العودة، والذي ما كان منه سوى تضخيم ضائقة أولئك الذين أجبروهم على البقاء لاجئين، هكذا أيضا ضخم الحلم بالقضاء على إسرائيل معاناة الفلسطينيين. إن الذنب ليس ذنبهم فقط. إن الذنب يقع أيضا على وكلاء دعاياتهم في الغرب. الذنب هو ذنب وكلاء الدعاية الذين تعاملوا معهم على أنهم مساكين ومحبطين وليسوا بشرا متساوين، يتحملون المسئولية عن أفعالهم.
ليس هناك تفسير آخر للحقيقة بأنه منذ اتفاقيات أوسلو حصل الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط على حوالي 5.5 مليار دولار، اذا لم نأخذ بالحسبان مصادر أخرى لا يتم التعبير عنها في التقارير الرسمية. إن الحديث يدور عن حوالي 1،300 دولار للفرد. فقط من باب المقارنة، في خطة مارشال حظي كل أوروبي بحوالي 273 دولار فقط (بعد الملائمة مع جدول غلاء المعيشة).
الفلسطينيون يستحقون هذا الدعم، وهناك الكثير من الأسباب التي تستوجب هذا. غير أننا في هذه الأيام نرى ما كان مصير الأموال الطائلة. لقد صرفت على الفساد وتم طرد حركة فتح من الحكم. لقد صرفت على السلاح، بتشجيع من الحكم المركزي، والنتيجة هي تفكك اجتماعي وفوضى. وفوق كل هذا، يبقى الذنب من نصيب أولئك الذين ساهموا في تدفق هذه الأموال الطائلة دون إخضاع الفلسطينيين إلى عملية فطام من أحلامهم الفارغة حول خراب إسرائيل. النتيجة هي بالأساس، استمرار خراب المجتمع الفلسطيني.