(يشار إلى أن المقال يعبر عن آراء كاتبه فقط وأن موقع التواصل ليس مسؤولًا عن مضمونه)
ينشر كل أسبوع تقرير جديد عن عدد القتلى المدنيين في قطاع غزة ضمن عملية "الرصاص المصبوب"، حيث يتم مرارا إدخال إسرائيل في قفص الاتهام بدعوى أنها تسببت في "إصابات غير متناسبة في صفوف المدنيين". وتطلق هنا وهناك اتهامات لإسرائيل ب"ارتكاب جرائم الحرب". ويجب علينا التأكيد أولا وقبل كل شيء على أن أي حادث قتل لمدني هو أمر مؤسف يجب القيام بأي مسعى لتجنبه. كما يترتب التأكيد على أن أي دعوى بارتكاب تجاوزات تقدم بحسن نية يجب فحصها والتدقيق فيها، إذ لا يوجد في العالم جيش خال من الأخطاء وليس جيش الدفاع الإسرائيلي مستثنى من ذلك. ولكن يبدو أن هنالك جهات كثيرة واقعة في حب الأكاذيب. لقد ادعت حماس أول الأمر أن جزءا صغيرا من قتلى غزة هم من المقاتلين، وتبنت منظمات حقوقية كثيرة ادعاءات حماس وغيرها من الهيئات الفلسطينية بهذا الشأن. لقد حان الوقت للتأكد مما إذا كان للحقيقة معنى ما، وتقديم الرواية الحقيقية.
قتل الطالب عبد الله عبد الحميد معمر (22) من قرية أم النصر شمالي رفح خلال عملية "الرصاص المصبوب" – هذا ما يفيدنا به التقرير الرسمي للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (PCHR) (باللغة الانجليزية). ويحوي التقرير تفاصيل تدعي الدقة عن مصابي الحرب، والهدف معروف وهو الإثبات للعالم بأسره أن معظم القتلى هم مدنيون أبرياء أصيبوا نتيجة قصف السكان المدنيين.
وقد اعتمدت الكثير من المنظمات الحقوقية ومنها أمنستي و"بتسيلم" و-HWR، بصورة جزئية أو كاملة، على معطيات PCHR التي حولت معمر إلى ضحية بريئة. ولكن هناك مشكلة، فقد جاء في نص صادر عن الدائرة الصحفية لكتائب عز الدين القسام أن معمر هو من عناصر حماس، حيث يظهر في صورة وهو يحمل صاروخ قسام. والشيء نفسه ينطبق أيضا على العديد من "المدنيين الأبرياء" غيره، الذين كانوا من العناصر الإرهابية. يتبين إذن أن كشف الأكذوبة، وهي واحدة من كثيرة مثلها، تطلّب القيام بتحقيقات دقيقة، وهو ما قام به د. تال بافل الباحث في "مركز هرتسليا متعدد المجالات" والسيد يوناتان داحواح هاليفي الباحث "في المركز الأورشليمي" اللذان حققا في أسماء جميع القتلى الاسم تلو الآخر.
وقد قررت مختلف الهيئات أن عدد القتلى في قطاع غزة يتراوح بين 1200 و 1400 قتيل. قد يكون هذا العدد مبالغا فيه، كما يقول مثلا الصحفي الإيطالي الذي عمل في القطاع لورنزو كريمونيزي، والذي أفاد في صحيفة "كورييرا ديلا سيرا" الإيطالية بقيام حماس بتضخيم الأرقام والتلاعب بها (باللغة العبرية). يجب الإشارة هنا أيضا إلى عملية التقصي التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي والتي تبدو أكثر مصداقية بعض الشيء والتي توصلت إلى أن عدد القتلى 1164. ويجب الإشارة كذلك إلى أن حماس أصدرت تعليمات صريحة بالقيام بالتستر والتضليل.
وبحسب البحث الذي قام به بافل المذكور (باللغة الانجليزية)، فإن 564 من القتلى ينتمون إلى حماس، حيث تشرفوا جميعا بذكر أسمائهم على مواقع إلكترونية تابعة لحماس باعتبارهم مقاتلين. كما أن التحقيق الذي أجراه جيش الدفاع الإسرائيلي يدل على أن 100 من القتلى هم من أفراد تنظيم الجهاد الإسلامي في فلسطين. وإذا افترضنا بأن هناك عددا آخر من الإرهابيين قتلوا، من عناصر فتح مثلا، تبين لنا أن معظم القتلى ليسوا مدنيين أبرياء، ونحن ما زلنا في بداية الطريق.
***
وُوجِهت عملية قصف "مدرسة شرطة حماس" بحملة من الشجب والاستنكار من كل اتجاه، لأن القانون الدولي يعتبر رجال الشرطة بمثابة المدنيين. وهنا نأتي إلى البحث الذي قام به داحواح هاليفي (باللغة العبرية)المذكور أعلاه، الذي أظهر بعد التدقيق بأسماء جميع "رجال الشرطة" أن 88.4% منهم كانوا ينتمون إلى الأجهزة الأمنية، أي أجهزة إرهاب حماس، بل كان أحدهم وهو المدعو محمد الدسوقي عضو "لجان المقاومة" مشتبها به بأنه من مرتكبي العملية الإرهابية ضد القافلة الأمريكية عام 2003.
***
كان من أبرز وقائع عملية "الرصاص المصبوب" هو "قصف مدرسة الأمم المتحدة في مخيم جباليا للاجئين". وقد حدث ذلك في 6 يناير كانون الثاني، حيث نشرت وسائل الإعلام العالمية صورا مروعة "لما يزيد عن 41 قتيلا في مدرسة الفاخورة". وقد عم التنديد والاستهجان العالم كله بدءا بسكرتير الأمم المتحدة مرورا بالرئيس الأمريكي وانتهاءا برئيس وزراء بريطانيا.
ومرت أسابيع طويلة حتى تبين أن الأمر افتراء ليس إلا (باللغة الانجليزية). فالقذائف الثلاث لم تصب المدرسة أصلا، ثم إن عناصر حماس كانوا يطلقون النيران من المنطقة المجاورة فصوّب جيش الدفاع نيرانه إليهم، والأمر الثالث أن عدد القتلى كان أصغر بكثير مما ذكر سابقا. غير أن معظم وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان التي كانت قد نشرت الخبر الأصلي لم تكلف نفسها عناء نشر المعلومات التي تم الكشف عنها لاحقا، فالمولعون بالافتراءات، ويا للأسف، لا يسمحون للحقائق بإرباكهم.
***
ورغم ذلك ما زال هناك عدد كبير من القتلى الذين لم يتم تصنيفهم كمقاتلين، وهو أمر استحق أيضا الفحص والتدقيق، فلو كانت أهداف النيران التي أطلقها جيش الدفاع الإسرائيلي أهدافا عشوائية لكان التوزيع السكاني للمصابين الذين يعتبرون خطأََ من غير الضالعين في القتال يتماشى مع التوزيع السكاني لمجموع السكان. وقد تبين أن الصورة مختلفة، فرغم أن نسبة الفتيات من مجموع السكان تبلغ الربع، إلا أن 8% فقط من القتلى كانوا من الفتيات، كما أن ربع عدد مجموع السكان من النساء البالغات، في حين لم تتعد نسبة القتيلات من النساء ال-14%، علما بأن أعلى نسبة للمصابين كانت بين الرجال، مما يثبت أنه كانت بين الرجال أيضا نسبة كبيرة للضالعين في القتال، أي أن نسبة الإصابات المدنية أقل بشكل كبير جدا من الاتهامات التي وجهت لإسرائيل. ويدل بحث أكثر تعمقا قام به فريق من الباحثين في المركز متعدد المجالات (باللغة الانجليزية) على أن ما بين 900 و 1070 من القتلى، أي ما بين 63% و 75% منهم، أصيبوا خلال العملية لكونهم ضالعين في القتال. وإذا زدنا على ذلك كون حماس قد استخدم المدنيين كدروع بشرية وأجبر الفتيان على المشاركة في القتال، فإن نسبة القتلى الضالعين في القتال آخذة في التزايد.
***
من الجدير بالاهتمام النهج الذي سارت عليه جيوش الدول الغربية حين اضطرت إلى خوض حرب مماثلة. لنفترض أن لا مجال للمقارنة بين ما نحن فيه وبين قصف الحلفاء لمدينتي طوكيو ودريزدن خلال الحرب العالمية الثانية. لذلك سنأخذ شيئا أقرب وأشبه من ذلك. خاضت قوات الحلف الأطلسي الناتو حربا مماثلة سنة 1999 تمثلت أساسا في القصف الجوي ليوغسلافيا تحت مسمى Operation Allied Force. لقد قتل في تلك الحرب 462 عسكريا و 144 شرطيا بالإضافة إلى ما بين 489 و 512 مدنيا (باللغة الانجليزية).
ولأن رجال الشرطة هناك كانوا فعلا رجال شرطة بينما هم في غزة إرهابيون، فإن الحصيلة العامة تدل على أن إسرائيل أصابت عددا أقل بكثير من المدنيين مما أصابه الناتو. أما التوزيع السكاني وإجبار الفتيان والمدنيين على الضلوع في القتال فيدل على أن عدد المصابين الأبرياء أقل بكثير جدا.
***
إن الإعلام الإسرائيلي الذي أبرز روايات جنود المدرسة الإعدادية العسكرية والتي تبين أن جزءا منها إشاعات والجزء الآخر أكاذيب، لم ينشر الأبحاث الجدية المذكورة، وإنما قام بعكس ذلك، حيث أعلن مقال افتتاحي نشرته صحيفة هآرتس (باللغة العبرية) أننا بصدد "القتل الإجرامي لعشرات من رجال الشرطة... علما بأن رجال الشرطة هؤلاء ليسوا سوى مدنيين يقومون بفرض القانون". لا بد أن تكون الابتسامات العريضة على وجوه مسؤولي حماس عند قراءة ذلك، لأن حماس نشرت صورا ل"أفراد الشرطة" المسلحين بصواريخ القسام، بينما أسمتهم صحيفة هآرتس بمطبقي القانون من المدنيين. واضح أن المسؤولين في الغرب يقرأون صحيفة هآرتس باللغة الإنكليزية ولا يطلعون على النص العربي لبيانات حماس، وهو ما يجعل حماس تستغني عن دائرة إعلامية.
حتى بعد أن أصبحت الأبحاث المذكورة متاحة للجميع لم يكلف أحد نفسه عناء تصحيح ما قام بنشره، بل بالعكس، فقد استمرت عملية الانتحار الإعلامي، لأن وسائل الإعلام في إسرائيل وفي الغرب مصابة بانتقائية غريبة، فأي بحث رزين يثبت عدم وقوع جرائم حرب يتم التغاضي عنه، بينما يحظى كل افتراء لا أساس له من الصحة بالمانشيتات الضخمة. كان هذا نصيب أخبار قصف مدرسة الفاخورة بجباليا وغيره من الأخبار.
***
كتب البروفسور أرنولد توينبي الذي لم يكن يعتبر من كبار محبي دولة إسرائيل في أحد كتبه يقول: "لم يظهر يوما في تاريخ محاولات البشرية لتطوير الحضارة مجتمعٌ وصل مدى تقدمه ومستوى ثقافته إلى حد إمكان الاعتماد على أفراده بأنهم في أوقات الثورة أو الحرب لن يرتكبوا الأعمال الشريرة". هذه المقولة تنطبق على إسرائيل وعلى أي دولة موجودة في حالة الحرب، ولذلك أكرر قولي بأن أي تجاوز يستحق الفحص والتقصي، ولكن بالقدر نفسه لا حاجة لإخفاء الصورة الحقيقية التي تتمثل في أن مَن يحكم غزة هو كيان نهجه الإرهاب وبرنامجه هو معاداة السامية وهدفه الرسمي هو محو دولة إسرائيل من الوجود. وإذا قارنّا ذلك بعدد المصابين الأبرياء، تبين لنا أنه أقل بكثير من أساطير وخرافات الهيئات الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان والصحفيين في العالم أجمع وفي إسرائيل، أمثال صحيفة هآرتس التي تشكل مرجعا للعديد من وسائل الإعلام العالمية. من الجائز بل من الواجب نشر الاتهامات الجدية بالتجاوزات، ولكن من الممكن والواجب بالقدر نفسه تقديم الأبحاث الجدية.