(يشار إلى أن المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط وأن موقع "التواصل" ليس مسؤولًا عما ورد فيه)
إخواني الفلسطينيين: لقد أضاع بعضكم أجيالاً كاملة وهم يحتفظون بمفاتيح لبيوت لم تعد موجودة للأسف، أو لازالت موجودة ولكن يحتلها عنوة الآن إسرائيليون يحميهم جيش شرس مُعربد يعد رابع أقوى جيش في العالم. إنكم تمتشقون بنادق قديمة في مواجهة الدبابات المتفوقة والطائرات النفاثة المتطورة الأميركية الصنع، كما أن صواريخ "القسام" التي تطلقونها لا تؤذي أحداً سوى شعبكم.. فهل هذه هي الطريقة التي تريدون أن تمضي الأمور بها لمدة 100 عام أخرى؟
عندما تقرؤون هذا المقال ستكون إسرائيل لا زالت تواصل غزوها العدواني لقطاع غزة، في الوقت الذي لا يحرك فيه العالم ساكناً ولا يبدي أي اهتمام بصيحات الغضب المعتاد التي تتصاعد من العرب.
إن من يطلع على الافتتاحيات الحماسية للصحف العربية في مختلف بلدان العالم العربي اليوم سيجد نفس العبارات المألوفة التي تتكرر في مثل هذه المناسبات مثل: "أين العرب؟.. ولماذا يقفون مكتوفي الأيدي؟.. وعارٌ على العرب!"، ولكن هؤلاء ينسون أن بعض القادة الفلسطينيين لا يتورعون عن دفع شبابهم للانتحار، ويعلنون استعدادهم للقتال حتى آخر فلسطيني، في الوقت الذي يتمتعون هم فيه برغد العيش ويعيشون في فيلات مكيفة الهواء، ويقودون أحدث أنواع السيارات دون أن يشعروا بذرة من الخجل.
لقد تساءل كاتب عمود صحفي يومي عربي يوم الثلاثاء الماضي مستنكراً دعوة بعض الفلسطينيين العرب للتحرك قائلاً: "هل تشاور فلسطينيو حماس أو غيرها من المنظمات المتعددة مع العرب قبل أن يقوموا بإطلاق صواريخهم عديمة الفائدة التي تخطئ أهدافها في معظم الأحوال. هل تشاوروا مع العرب قبل أن يقوموا بتلك العملية أو قبل أن يقوموا بأسر الجندي. لم يفعلوا ذلك، ولكننا نراهم الآن يطلبون من العرب أن يأتوا ويدافعوا عنهم؟".
وأضيف إلى ما قاله الكاتب سطوراً أخرى من عندي.
هل سألوا الخبراء العرب عن جدوى قضاء عام كامل في حفر نفق كي يتمكن من خلاله الناشطون من التسلل وقتل إسرائيليين اثنين وأسر ثالث؟ إن المقاومة عمل يفترض أن يقوم به أناس ناضجون، وقادة عسكريون مدربون وليس مجموعة من المراهقين. فمثل هذا العمل يجب أن يتم التفكير فيه جيداً، وأن تحسب فوائده والعواقب التي يمكن أن تترتب عليه، وقبل ذلك احتمالات نجاحه وفشله.
هل فكر قادة "حماس" في عواقب تصريحاتهم النارية، ودعمهم لعملية اختطاف الجندي الإسرائيلي التي كانت سبباً في عملية انتقامية إسرائيلية كبيرة دمرت المزيد من مقومات الاقتصاد الفلسطيني المدمر أصلاً؟
ماذا كان قادة "حماس" يظنون أنهم سيحققونه من وراء هذه العملية؟.. هل كانوا يظنون مثلاً أنهم سيخلخلون أمن إسرائيل؟ إن الذي حدث حتى الآن هو أن الجسور الفلسطينية ومحطات الكهرباء الفلسطينية، هي التي دمرت كما توقفت إمدادات الأغذية عبر الحدود مما أدى إلى تناقص الأغذية الشحيحة أصلاً وإلى زيادة فقر الفلسطينيين.
على الجانب العربي لم يحدث أي رد فعل ولم تقم دولة عربية واحدة بتحريك جندي واحد لمساعدة الفلسطينيين. لم تفعل، ولن تفعل أيضاً.
لن تفعل لأن الدول العربية تعلمت درساً من دخولها في الحروب العديدة التي عرفتها المنطقة. والنتيجة من هذه الحروب غير مفيدة على كل حال. فالأراضي السورية في هضبة الجولان التي تمثل ربع مساحة التراب الوطني السوري لا تزال محتلة.. والأردن ضاع منه الإشراف على الضفة الغربية ووقع معاهدة سلام مع إسرائيل.. ومصر على الرغم من أنها استردت شبه جزيرة سيناء إلا أنها هي الأخرى دفعت ثمناً مقابل ذلك وهو توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل.. أما العراق فقد تمزق.. ودول الخليج وتونس والمغرب ليست لديها أساطيل لنقل مقاتلين إلى غزة ولا تفكر في ذلك أصلاً.. أما ليبيا فهي الآن تعمل على تحسين علاقاتها مع الغربيين.
وليس هذا فحسب بل إننا نجد أن الفلسطينيين في غالبيتهم العظمى سيسرهم أن ينعموا بالسلام والرفاهية في فلسطين كما هي اليوم، ومع إسرائيل كما هي اليوم. فكل الفلسطينيين العاقلين يعرفون أن الحصول على دولة فلسطينية حتى لو كانت صغيرة هو أفضل من عدم الحصول على شيء.
دعونا هنا نتوقف للحظة لنتحدث عن إسرائيل يا إخواني. إن إسرائيل ستحاول دون أدنى شك أن تنتهز أية فرصة لكي تمعن في عقاب وإذلال الفلسطينيين وللاستيلاء على المزيد من الأراضي منهم. فهذا ما عرفناه منذ 1948. ولكن لماذا يحدث هذا؟ إنه يحدث لأن إسرائيل تستطيع أن تقوم بذلك ونحن لا نستطيع. هل هذا من العدل؟ لا ليس من العدل.. ولكن من قال إن الحياة تقوم على العدل في الأساس!
إخواني الأعزاء.. كونوا واقعيين وخذوا اليوم ما تستطيعون أخذه ثم تفاوضوا بعد ذلك على المزيد عندما تصبحون في وضع أفضل. أما الإصرار على استخدام القوة دون الحصول على عون من أحد من الدول المحيطة بكم، وفي مواجهة جيش عدو يعد رابع أقوى جيش في العالم، فإنه أمر غير منطقي، بل ويكاد يكون ضرباً من العبث.
على الفلسطينيين أن ينسوا أن أحداً من العرب سيأتي للقتال من أجلهم في يوم من الأيام فقد مضى ذلك العهد وانقضى.
أيها الفلسطينيون.. تخلصوا من الأوهام وكونوا أذكياء.. فالعرب اليوم مشغولون في إنفاق أموالهم على بناء اقتصاداتهم وبناء المدارس والمصانع وشراء السيارات. إخواني الفلسطينيين كونوا مثل اليابان وألمانيا اللتين خسرتا الحرب العالمية الثانية ثم تمكنتا عن طريق العمل الدؤوب من أن تصبحا أغنى من الدول التي هزمتهما.
لا تضيعوا جيلاً كاملاً آخر على الأحلام الفارغة.. ولا تدعوا دعاة النضال إلى الأبد يضللونكم مرة أخرى.
لقراءة المقال في صحيفة الاتحاد الإماراتية.