(يشار إلى أن المقال يعبر عن آراء كاتبه فقط وأن موقع "التواصل" ليس مسؤولًا عن مضمونه)
من حق البشرية وواجبها الوجداني والأخلاقي وتعبيرات ذلك في السلوك العملي اليومي على الصعد جميعا, الاحتفال باليوم العالمي لضحايا الكارثة »الهولوكوست« التي راح ضحيتها ستة ملايين إنسان يهودي بريء, قضوا نحبهم داخل معسكرات الاعتقال وفي محارق الغاز النازية الهتلرية الرهيبة في ثلاثينات واربعينات القرن الماضي, في أبشع مأساة إنسانية وعمليات إبادة جماعية عرفها التاريخ وأرقت الضمير الإنساني, مما حدا بالجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005 الى اصدار قرارها التاريخي باعتبار يوم السابع والعشرين من يناير من كل عام يوما عالميا لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست وتكريمهم وانصافهم, مع ضرورة استخلاص العبر والدروس والدلالات المهمة لتلك المأساة الفظيعة, بما ينير طريق الأجيال المقبلة ويساعد على تجنيب ومنع تكرار حدوث تلك الكارثة المروعة, لا سيما عندما تتجاوز الدلالات في تأثيرها حدود الزمان والمكان المعينين الى الأفق الإنساني الأرحب لتمتزج بالوعي الفردي والعام الذي يشكل صلب الموقف القيمي والمعياري لإنسانية تبحث عن الأمن والسلام والازدهار, وبهذا يكون ضحايا الهولوكوست هم شهداء الإنسانية قاطبة, ويصبح لمعنى معاناتهم ومأساتهم معيار قيمي وأخلاقي عالمي للصواب والخطأ في تقييم كثير من مناهج النظر والسلوك والمواقف المختلفة, وهذا هدف ضروري ومشروع ويتطلب الوصول اليه كثيرا من الوقت والعمل والمثابرة على صعد الثقافة والسياسة ووسائل الاتصال والاعلام.
ومن يتابع المشهد العام للشرق الأوسط وتطورات وقائعه وأحداثه الآن وفي الماضي, يتبين له بوضوح تام أن الفكر الديني والقومي المتطرف وظاهرة الأسلمة السياسية هي الحاضنة والوعاء الذي فرخ أبشع ظواهر الإرهاب والاستبداد والدكتاتورية وإشاعة نزعات الكراهية وإقصاء الآخر وإثارة الحروب العرقية والدينية والطائفية, فقبل أكثر من ستين عاما كان تحالف القوميين العرب المتطرفين »رشيد عالي الكيلاني« ورموز الأسلمة السياسية »المفتي أمين الحسيني« يوغل في عمالته للمجرمين النازيين وفي ترويج الدعاية الهتلرية, سواء عبر التعليمات المباشرة التي كانوا يتلقونها من السفير الألماني ببغداد آنذاك الهرغروبه أم بواسطة صلاتهم اللاحقة بالغستابو ومنظمة ال¯ SS بعد هروب الكيلاني والحسيني الى برلين عام 1941 فكانوا مع يونس بحري أبواقا للنازية في ترويج العداء والكراهية لليهود.
ولم تكن دعوات أحمد الشقيري وعبدالناصر إلى »إلقاء اليهود في البحر« سوى حلقة متصلة في هذا السياق الذي بلغ ذروة أخرى مع تهديدات الطاغية المقبور صدام التكريتي بتدمير نصف اسرائيل بالسلاح الكيماوي المزدوج وأخيرا هستيريا التسلح الصاروخي والنووي الإيراني وما ترافقها من تهديدات وتصريحات أحمدي نجاد لمحو دولة اسرائيل وإبادة اليهود وترحيل من ينجو منهم الى الدول الأوروبية, ومحاولة ملالي طهران إثارة الفوضى الشاملة في المنطقة بواسطة عملائهم وأعوانهم كجيش المهدي والقاعدة وفلول النظام الصدامي البائد في العراق ونظام البعث السوري وحزب الله اللبناني وحركة حماس التي بلغ بها العبط السياسي والغيبوبة عن الواقع حد قبولها دولة فلسطينية مقابل مجرد هدنة لمدة عشر سنوات!
وبمقدار ماكان يوم تحرير من تبقى بالرمق الأخير من الحياة من المعتقلين في معسكر أوشفيتيس النازي يوم 27/1/1945 نهاية سعيدة لعذاب أولئك الضحايا وإيذانا بالسقوط الأبدي للنظام الهتلري, فقد كان أيضا بداية مهمة لتحرير الإنسانية قاطبة.
وحسناً فعلت الولايات المتحدة بتقديمها مشروع قرار للأمم المتحدة برفض وادنة أي إنكار كلي أو جزئي لحقيقة حدوث الهولوكوست, لأن مثل هذا الإنكار »يؤدي إلى تجاهل الواقع التاريخي ويزيد من مخاطر تكرار المحرقة«.