رابعًا, يقرّ القانون الشرع اليهودي بأهمّية اللا مركزية لسلطة الحكم ويعترف العديد من المصادر اليهودية بالتأثير المفسد للنفوذ والقوة وأهمّية الفصل بين أذرع السلطة المختلفة. في أقدم الحضارات كان الحاكم تقليديًا رئيس الفرقة الدينية وتجسيد الإله وكبير الشخصيات الدينية ولم يتم الفصل بأي شكل من الأشكال بين الحكّام من جهة والفرقة الدينية أو الدين من جهة أخرى. على نقيض ذلك, لم يلعب الملك اليهودي أي دور في حياة الشعب الدينية والعبادية, وإذا كانت هنالك حالات من دمج الأدوار لم يتعدّ الهدف منها برهنة أنّ الملك يخضع للقاون الأعلى وملزم بالإذعان له.
منذ القدم شكّكت المصادر اليهودية في أنظمة وحكّام أصحاب القوّة المطلقة وأقرّت بالنزوة الإنسانية نحو استغلال السلطة والنفوذ, وفيما عاش أبناء الشعب اليهودي خلال عهد التوراة في ظلّ نظام حكم ملكي إلاّ أنّ المبادئ الأساسية الموجّهة للنظام الأمثل كما وصفها الأنبياء بالنسبة لحقوق الإنسان وحدود القوّة لقيت تعبيرًا لها طوال مئات السنين في الطقوس الدينية والأدب والفكر اليهودي متغلغلة في أصول الثقافة اليهودية لتنشأ لا حقًا عناصر ومركّبات النظام السياسي الديموقراطي المعاصر.
الحاخام الإصلاحي غلعاد كريف محامٍ يعمل مديرًا للسياسة العامّة في مركز العمل الديني الإسرائيلي (IRAC) وهو مركز التعدّدية اليهودية وأحد أذرع الحركة الإسرائيلية من أجل اليهودية التقدُّمية.