التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديموقراطية والتعدُّدية     مؤشّر الديموقراطية

مؤشّر الديموقراطية

بقلم: أشير أريان
يشابه موقف إسرائيل من الحقوق الاجتماعية والمساواة الموقف نفسه في الولايات المتّحدة وبريطانيا

يتعرّض موقف إسرائيل كدولة ديموقراطية بين دول الغرب لانتقادات كثيرة نظرًا للظروف المميّزة والتحديات التي تواجه وجودها بحيث تصدر انتقادات كثيرة عن الداخل الإسرائيلي نفسه وهو ملتزم بالحفاظ على أعلى المعايير الدولية التي حدّدتها غيره من الأنظمة الديموقراطية. من أبرز التحدّيات التي تواجه الالتزام بدعم هذه المعايير الهموم الأمنية والألوان الاجتماعية المتعدّدة التي يشتمل عليها المشهد الإسرائيلي. تُعتبَر دولة إسرائيل من الديموقراطيات الوحيدة القليلة التي تواجه تحدّيًا مستمرًّا من الأقلّيات القومية والمجموعات الاثنية والطوائف والفصائل الدينية.

هاجر العديد من المواطنين الإسرائيليين إلى البلاد من دول ديموقراطية وتربط الكثيرين علاقات شخصية بهذه الدول. وفيما تجاور إسرائيل أنظمة سلطوية أو استبدادية يتماهى معظم الإسرائيليين مع قيم الغرب وأعرافه. تدلّ إنجازات إسرائيل في المجالات العلمية والتكنولوجية والرياضية دلالةً واضحة على حقيقة احتلال البلاد مرتبة عالية إلى جانب دول العالم الديموقراطية المتقدّمة الأكثر مؤسسة واستقرارًا. هل تنجح إسرائيل في دعم أبسط الأفكار المثالية الديموقراطية في المحيط الذي تعيش فيه وهل يؤمن الجمهور الإسرائيلي بأنّ هذه الأفكار المثالية تتحقّق كما يجب؟ هذه التساؤلات يتمحور حولها "مؤشر الديموقراطية" وهو عبارة عن مسح مقارن بادر إليه مركز "غوتمان" التابع لمعهد الديموقراطية الإسرائيلي.

تحتلّ إسرائيل الثلث الأعلى من قائمة الدول الغربية في مجالات تمكين المرأة والحرّية الاقتصادية

المقصود من وراء المسح قياس المركّبات الديموقراطية المختلفة في إسرائيل مقارنة بعدد من المؤشّرات المبدئية المتّفق عليها دوليًا والتي تميّز الديموقراطية من حيث تمثيلها في الواقع ومن خلال القيم والأعراف التي ترافق هذا النوع من النظام السياسي. يصنّف المسح الملامح الديموقراطية في إسرائيل تصنيفًا ترتيبيًا بالمقارنة مع 35 نظامًا ديموقراطيًا ممأسسًا بالإضافة إلى موقف الجمهور الإسرائيلي منها.

حصلت إسرائيل في المسح على نتائج جيّدة فيما يتعلّق بأبعاد الديموقراطية المؤسسّاتية إذ احتلّت مرتبة تعادل دول مثل الدانمارك وهولندا وفنلندا. واشتملت هذه الأبعاد على بنود التمثيل والمشاركة ومستوى الفساد الظاهر والمقاييس والموازين والمحاسبة. تنال إسرائيل علامة عالية في مجال التمثيل حيث تحتلّ المرتبة السادسة بين 35 دولة فيما يخصّ نظام المقاييس والموازين لديها. رغم التراجع الحاصل على نسبة المشاركة في التصويت خلال السنوات الأخيرة ما زال الإسرائيليون يتّجهون للمشاركة في العملية الانتخابية بنسب عالية على العموم مقارنة بمواطني دول ديموقراطية أخرى.

تأثّّرًا بالهموم الأمنية والتحدّي المميّز الذي تواجهه في هذا السياق تصنّف إسرائيل في الثلث المتوسّط من قائمة الدول قياسًا بالحقوق الاجتماعية والمساواة (مع دول مثل الولايات المتّحدة وبريطانيا) والقضايا المتعلّقة باندماج العمل العسكري في السياسة. أمّا بالنسبة للمجالات التي لا علاقة لها بالتركيبة الاجتماعية أو الأمن منها الحرّيات والاقتصادية والجنسية (الجندرية) فقد تمّ تصنيف إسرائيل في الثلث الأعلى ( هكذا مثلاً تقف إسرائيل إلى جانب بريطانيا واسبانيا والأرجنتين وإيرلندا والولايات المتّحدة في موضوع تمكين المرأة). لا تنال إسرائيل نفس العلامة العالية فيما يخصّ بنود حقوق الإنسان ومساواة الأقلّيات بالحقوق وحرّية الصحافة إذ إنّها ليست بعيدة  تحت هذه التصنيفات عن غيرها من الديموقراطيات في حماية هذه القيم إلاّ أنّها تخفق في تحقيق المعيار الأعلى الذي حدّدته لنفسها. تلاحظ في المؤشّر نسبة إقبال أعلى في الحكومة الإسرائيلية أكثر منها أنظمة ديموقراطية أخرى.

 

من جهة أخرى أثبتت إسرائيل خير عمل في الحفاظ على صورتها الديموقراطية وهي تحت وطأة النيران. فالديموقراطية الإسرائيلية التي تواجه إكراهات متكرّرة ومخاوف وتهديدات وأعمال عنف متواصلة نشأت بطريقة تسمح باستمرار فاعليتها في ظروف توشك على عدم الاحتمال. رغم الاعتداءات المادّية وغيرها التي تتعرّض لها بل وتشكّل اختبارًا على طبيعتها الديموقراطية, تبقى إسرائيل ملتزمة بتحقيق أعلى معايير المشاركة الديموقراطية. يعتمد نجاح إسرائيل على التزام قيادتها ومواطنيها في الاحتفاظ بنمط حياة ديموقراطية وسعيهم الدؤوب وراء التمسُّك بهذه القيم والأفكار التي تتّصف بها الحياة في مجتمع ديموقراطي.

يقيّم المؤشّر أيضًا نظرة الإسرائيليين وارتياحهم لبنية الدولة الديموقراطية, حقيقة أنّ بند الارتياح سجّل تراجعًا في آخر مسح أجري حول هذا المجال يمكن اعتبارها إشارة إيجابية على استعداد الجمهور في النضال من أجل ديموقراطية في غاية التطوّر والتقدُّم. في هذا السياق يتعادل موقف إسرائيل من حيث الارتياح لنوعية الديموقراطية مع دول كإسبانيا والسويد وبلغاريا وبولندا.

يبدي المجتمع الإسرائيلي حساسية كبيرة لأبعاد الديموقراطية الجوهرية مثل المساواة والعدالة الاجتماعية والحرّيات الفردية وحرّية التعبير ممّا يمكن اعتباره إشارة على المزيد من شحذ التوجّّه الإسرائيلي نحو هذه الحرّيات بل وكونه يساعد على صقل نظرة المجتمع إلى مستوى الديموقراطية في البلاد, هذا التوّجه يمكن ملاحظته عبر تزايد الوعي الذي يعبّر عنه الجمهور واهتمامه بمكانة الأقلّيات خاصةً الوسط العربي والعناصر الأكثر ضعفًا في المجتمع. فالمشاركون الذين تمّ مسحهم عبّروا عن اهتمام متزايد مقارنةً بمسح سابق ليس حيال مكانة الأقلّية العربية فحسب وإنّما الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين المجموعات والشرائح السكّانية المختلفة بشكل عام.

إلى ذلك أُجري استطلاع للرأي العام في صفوف أبناء السكّان الأصغر سنًّا حدسًا لما يمكن توقّعه من أبناء الجيل القادم, وممّا يدعو إلى التشجيع أن أبناء الشبيبة الإسرائيليين ووفقًا لهذا الاستطلاع أكثر ارتياحًا من السكّان الكبار حيال المؤسّسات السياسية وأداء الديموقراطية في إسرائيل. ويبدي أبناء الجيل الناشئ وعيًا أكثر بموضوع الحرّيات والميول المناوئة للديموقراطية مثل تقييد حرّية التعبير. وعليه تؤخذ الديموقراطية أكثر فأكثر على أنّها نمط حياة جوهريًا وقِيَميًا بالنسبة لإسرائيل ممّا يجيز التوقّع بأنّها ستبقى محمية في المستقبل.

 

 

يعمل البروفسور "آشير اريان" زميلاً كبيرًا في معهد الديموقراطية الإسرائيلي في أورشليم القدس ومديرًا لمشروع سياسة الأمن القومي والرأي العام في مركز "يافيه" للدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة تل ابيب. حامل شهادة "بروفسور شرف" من مركز التخريج في جامعة نيو يورك ويعمل بروفسور للعلوم السياسية في جامعة حيفا. له مؤلّفات وكتابات حول السياسة والديموقراطية.

 

معهد الديموقراطية الإسرائيلي – مؤسّسة أبحاث ودراسات مستقلّة غير حزبية تمّ إنشاؤها لغاية المساعدة على تعزيز المؤسّسات الديموقراطية في إسرائيل وتحسين صياغة قيمها التي ما زالت في مرحلة التبلور.

 

 

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
           
     الردود (feedback) | خارطة الموقع