التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
 نشرتنا الإخبارية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الكارثة (هولوكوست)     وثائق تتعلق بالهولوكوست     ليلة البلور

" ليلة البلور"

19.11.1938
 
  
  
– حوادث الشغب في " ليلة البلور", ١٠ نوفمبر ١٩٣٨. احراق الكنيس اليهودي في مدينة زيغن, المانيا.

الصورة: أرشيف مؤسسة ياد فاشيم.


وفي صباح يوم الغد, العاشر من نوفمبر, تعاقبت الأنباء بسرعة. وأصبحت شوارع برلين جحيما. وفي ليلة الأمس حطَّم رجال ال" إس. أي. " واحهات المحال التجارية التي رُسمت عليها علامات تدل على أنها تعود ليهود, مستخدمين الفؤوس, البلطات والهراوي وأحدثوا دماراً لا يوصف. وأصبحت دمى عرض الأزياء مبعثرة على امتداد شارع كورفيرستندام بين شظايا الزجاج. وتطايرت قطع القماش الممزقة مع الريح من الواجهات المحطّمة والفارغة. وانضم الناهبون إلى مظاهر الدمار والعنف. وفي داخل المحال التجارية تبعثرت الجوارير التي اقتلعت من أماكنها, قطع الطوب التي ألقي بها إلى جميع الجهات, الأثاث المحطمة, قطع الخزف المكسّرة, القبعات التي داستها الأقدام. وتصاعدت أعمدة الدخان وغطت السماء في شارع فازانينشتراسيه, وهو الشارع الذي كان الكنيس موجوداً فيه.

وأشارت التقارير إلى أن " غضب الشعب التلقائي" أخذ مظهراً أكثر خطورة في المدن الألمانية الأخرى, حيث امتد ليشمل دور السكن التابعة لليهود أيضاً. ولم تكن موجة العنف سوى استهلالاً لما أطلق عليه اسم " الثأر على عملية القتل السافلة" التي استهدفت الدبلوماسي ارنست فون رات من قبل هرشل غرينشبان في السفارة الألمانية في باريس.
وكان اليهود أيضاً يأملون في ألا يموت فون رات, خشية منهم, وكانوا على حق من ذلك, بأن النازيين سينتهزون حادث الاعتداء هذا لخدمة أهدافهم. وتوفي فون رات في التاسع من نوفمبرخلال ساعات بعد الظهر. وبعد مرور بضع ساعات اتصل بنا صديق وأبلغنا منفعلاً بأن أحد أعمامي, وهو رجل أعمال غني, اعتقل في داره من قبل الغيستابو وربما أرسل إلى أحد معسكرات الاعتقال. ولم يكن هذا الرجل على علم بأي تفاصيل, إذ إن أفراد الغيستابو رفضوا كشف النقاب عن سبب الاعتقال. وبعد مرور دقائق معدودة وصلنا إبلاغ مماثل : لقد تم اعتقال صديق حميم لوالديّ, وهو طبيب أخصائي في أمراض النساء من سكان أحد أحياء برلين الشمالية. ورن جرس التلفون مرة بعد مرة طوال نفس اليوم, حيث أبلغنا شخص بأنباء مروعة بعبارات مقتضبة وبصوت منفعل. وبدأ والدَيّ يتصلون هاتفياً بالأصدقاء الذين لم يسمعوا أي أنباء عنهم حتى ذلك الحين. وفي بعض الأماكن التي اتصلوا بها لم يلاقوا أي  رد, ولكنه في بعض المرات رفعت امرأة السماعة وقالت بصوت حزين إن زوجها اعتقل لتوه من قبل الغيستابو. وكان معظم المعتقلين من المثقفين أو من أصحاب الأموال. وفي نفس اليوم تم اعتقال ما بين عشرين وثلاثين ألف يهودي. وكان والدي يتحدثان بين الفينة والأخرى عن إمكانية الهجرة. وسمعتهما يقولان إنه يجب مراسلة الأقارب, ولكن هذا الأمر تأجل حتى عودتنا إلى دارنا. وكانت لأبي ابنة عم في انكلترا, التي هاجر إليها والدها وولدت هناك. وكانت العلاقة فيما بيننا وبينها وأفراد عائلتها تقتصر حتى ذلك الحين على تبادل التمنيات مرة كل سنة, بمناسبة حلول رأس السنة الجديدة. ولكن الأوضاع تغيرت الآن. وقمنا بموافاتهم, بين الفينة والأخرى بأنباء عن مجريات الأمور في ألمانيا, وذلك بواسطة أصدقاء كانوا يتوجهون ألى الخارج وأخذوا المكاتيب معهم, من أجل إرسالها هناك بالبريد. وللمرة الأولى أصبحنا معجبين بفكرة سفر أبي إلى انكلترا. وبعد مرور أسبوعين , عندما كنا معاً مرة أخرى وكان يبدو لنا أن الغيستابو أوقف, ولو مؤقتاً, حملاته ضد اليهود, علمنا أن انكلترا أصبحت مستعدة لاستيعاب أناس كانوا قد أُرسلوا إلى معسكرات الاعتقال خلال نفس الفترة من شهر نوفمبر. وعندما سمع ذلك, قال أبي بشيئ من المرارة : " يجب إذاً الوصول أولاً إلى معسكر الاعتقال ليكون من الممكن النجاة فيما بعد!". وفعلاً تم الإفراج عن عدد من الناس من معسكر الاعتقال, وذلك بعد أن كان بإمكانهم, حسب ما قالوه, الإثبات يأنهم كانوا قد قدموا طلبات بالهجرة قبل اعتقالهم. وكان منظرهم مروعاً حقاً! لقد كانوا حليقي الرأس وفقد العديد منهم الكثير من وزن جسمهم. وكانت أجسامهم معوجة تماماً نتيجة الضرب المبرح الذي تعرّضوا له. وكان معظمهم يبدون مختلين عقلياً, ولم يتحدث أي منهم بالكاد عن تجاربه, وذلك ليس فقط لأنه أرغم على التوقيع, قبيل الإفراج عنه, على وثيقة جاء فيها أنه لاقى معاملة حسنة. ولكن أنباء انتشرت سراً عن حالات عديدة من الموت, وليس فقط في صفوف المعتقلين المسنين والمرضى.

وفي أعقاب الاعتداءات الجسدية ضد اليهود جاءت الآن القوانين والعقوبات. وأرغم أفراد الجالية اليهودية في ألمانيا على دفع فدية مقدارها مليار رايخسمارك تعويضاً عن مقتل الدبلوماسي فون رات. واتخذت حكومة الرايخ قراراً في الحادي عشر من نوفمبر عام ١٩٣٨ مفاده أنه يجب على اليهود تسديد هذا المبلغ على أربعة أقساط. وألزم اليهود كذلك بتحمّل نفقات تصليح الأضرار التي لحقت بالمحال التجارية وبدور السكن التابعة لهم خلال أحداث ليلة البلور, وتم الإيعاز بإجراء التصليحات حالاً. وتمت تبرئة ذمة شركات التأمين من التزاماتها بتعويض المؤمَنين اليهود عن الأضرار التي لحقت بهم. وجاء في أحد الإعلانات أن الأضرار هي بمثابة نتيجة مباشرة ل" تذمر الشعب الألماني تجاه دعاية الحركة اليهودية العالمية ضد ألمانيا النازية, في الثامن, التاسع, والعاشر من نوفمبر". وحُظر على اليهود فيما بعد زيارة المتاحف, الحدائق وقاعات الحفلات الموسيقية. وفي تاريخ ٢٣ نوفمبر أعلنت صحيفة " فولكيشيربيوباختير", لسان حال الحزب النازي, في مقال افتتاحي لها أن الشعب الألماني " ينهض لإنجاز الحل النهائي للمشكلة اليهودية" الذي لا مناص منه وبصورة لا هوادة فيها". وأصبح يهود ألمانيا يدركون رويداً رويداً حقيقة الواقع. وكان الأمر متأخراً بالنسبة للعديد منهم, إذ أن فرص الهجرة تضاءلت باستمرار. وازداد عدد الدول التي أغلقت أبوابها أمامهم, أو وضعت شروطا كان من المستحيل الوفاء بها – بما في ذلك تسديد مبالغ طائلة من المال أو الإثبات بوجود أقارب من الدرجة الأولى يكونون من رعايا هذه الدول ويستعدون للتكفل بهم. وقليلاً كان عدد اليهود الألمان الذين بقيت بحوزتهم إمكانيات مالية حرة أو أقارب في الخارج كان بإمكانهم التكفل بهم. إن صوت تحطيم الزجاج في التاسع من نوفمبر لم يدفع بدول العالم إلى تغيير سياستها في مجال الهجرة. إن أحداث التاسع من نوفمبر كانت بمثابة إشارة إنذار بالخطر بالنسبة لليهود في ألمانيا, وحتى أولئك منهم الذين كانوا من أشد مؤيدي ألمانيا تحمساً. وكان بينهم من اعتقد بأن ساعة الشدّة قد أصبحت وشيكة, ولكن الأمور كانت متأخرة فعلاً بالنسبة لغالبيتهم.


( من كتاب : إينغي دويتشكرون . أنت يهودية ! , مكتبة " معاريف" / " ياد فاشيم ". ١٩٨٧ ص . ص ٢٨ – ٣٦ )

 



أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
   
 
   
 
     الردود (feedback) | خارطة الموقع     
 
ملكية أدبية © 1998 دولة إسرائيل. جميع الحقوق محفوظة.   شروط الاستخدام