التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الكارثة (هولوكوست)     وثائق تتعلق بالكارثة     صمود السجين في معسكر الموت

صمود السجين في معسكر الموت

 

 
  
  
عملية الانهاك الجسماني والنفساني للسجناء في المعسكرات دفعت بالعديد منهم الى حالة من اللامبالاة. واطلق على السجناء الذين تنازلوا عن الصراع من اجل البقاء " الهياكل العظمية الحية" . في الصورة: سجين من " الهياكل العظمية الحية" انتحر في معسكر اوشفيتس بملامسة السياج المكهرب.

الصورة: أرشيف مؤسسة ياد فاشيم.

بريمو ليفي, "اهذا هو الانسان" ( قطع مختارة)

[ص. ص. ٩٢- ٩٣] .. لقد سردنا وسنقوم بسرد المزيد عن الحياة على عتبة الموت التي كانت نصيبنا في المعسكر.
[ .. ] نحن لا نؤمن بعدالة الاستنتاج السطحي, الذي يكاد يكون أمراً مفروغاً منه, من أن الإنسان يتصف بالقساوة من حيث طبيعته منذ أن خلق, وهو أيضاً أناني وبليد من حيث تصرفاته, وذلك عندما يحرم من البنية العليا الخاصة بالإطار الثقافي المحيط به. بأن ال" هفتلينغ" ( Heftling – أي السجين في المعسكر) لا يعدو كونه إنساناً تم تجريده من جميع الكوابح والقيود. وكثيرا ما نميل إلى الاعتقاد بأنه يمكن التوصل إلى استنتاج واحد فقط بشأن هذه الظروف الحياتية, وهو أنه عندما تكون الآلام الجسمانية أشدّ بحيث لا تطاق, فعندها تسكت وتتلاشى العديد من الغرائز والعادات الاجتماعية.
من جهة أخرى, يبدو لنا أنه من الجدير إبداء الاهتمام بالحقيقة التالية: لقد تبين بأنه يوجد في مثل هذه الظروف نوعان من الانسان, يختلفان عن بعضهما بصورة قاطعة, وهما الناجون والراقدون تحت التراب – أي المحكوم عليهم بالإعدام. أما الأضداد الأخرى, أي الصالحون والأشرار, الأذكياء والأغبياء, المحظوظون وعديمو الحظ, فإنها تكون أقلّ وضوحاً وأقل طبيعية بكثير ويوجد بضمنها العديد من الأشكال والألوان.

[ الصفحة ٩٤] .. يمكن الحصول على مزيد من المعلومات عن هذه العملية القاسية المتمثلة بالانتقاء الطبيعي في المعطيات الإحصائية الخاصة بتحركات الناس في المعسكرات. وفي عام ١٩٤٤ بقي في معسكر الإبادة أوشفيتس عدد قليل فقط من السجناء اليهود القدامى.
[ الصفحة ٩٥] .. من بين الذين تمكنوا عادة من البقاء الأطباء والخياطون والموسيقارون والطهاة والشبان الذين اجتذبوا اهتمام اللوطيين, أو أصدقاء لأي من رؤساء فرق العمل والبغاة أو من الذين كانوا من أبناء بلده أو قريته. ومن بين الذين تمكنوا من البقاء أيضاً أناس ... حصلوا على مناصب – إما من قبل قادة الإس. إس. الذين اختاروهم لإشغال هذه المناصب وأثبتوا بذلك بأنهم على معرفة شيطانية بأصول الطبيعة الإنسانية لل" كابو", أو لرئيس ال" بلوك" أو لأصحاب المناصب الأخرى. وأخيراً تمكن من البقاء أيضاً أولئك الذين لم يحصلوا على مناصب خاصة, ولكنهم تمكنوا دوماً من خلال نشاطهم ومكرهم من الحصول على مزايا مادية ومناصب من القوة, وفي نفس الوقت كانوا يعرفون دائماً كيف يمكن إثارة شعور معين من التساهل والتقدير في قلوب سادة المعسكر [ .. ]

ولم يكن هناك أي شيئ أقل سهولة من السقوط في الفشل. وكان يكفي تنفيذ جميع الأوامر بحذافيرها, أو الاكتفاء بتناول وجبة الطعام المخصصة, إضافة إلى الحرص على أصول الانضباط الخاصة بالعمل. وأثبتت التجربة بأنه لا يمكن بهذه الطريقة البقاء على قيد الحياة أكثر من ثلاثة أشهر. وكان هذا المصير المحتوم لجميع أولئك من من الهياكل العظمية الحية ( وكان هذا الاسم قد أطلق على الضعفاء الذين لم يكونوا قادرين على العمل, وكانوا في مقدمة المرشحين لعملية الانتقاء – تمهيداً للإبادة) الذين يذهبون إلى غرف الإبادة بالغاز. وإذا أردنا التحدث بمنتهى الدقة, فلم يكن من الممكن التحدث عن أي مصير بالنسبة إليهم سواء الانزلاق في المنحدر من أوله حتى أسفله, مثل الأنهار التي تنصب في البحر. وأصبح مصيرهم محتوماً فور دخولهم المعسكر, قبل أن تكون الفرصة سانحة أمامهم للتكيف لظروفه, إما نتيجة سوء الحظ, أو بسبب أي حادث أو صدام بسيط. وقضى عليهم الزمن, لأنهم لم يتمكنوا من الاهتداء وايجاد طريقهم في الورطة الشيطانية من القوانين والأنظمة والممنوعيات إلاّ بعد أن أصبحت أجسامهم تتفتت, بحيث لم يعد هناك أي شيئ ينقذهم من عملية الانتقاء ثم الإبادة أو من الموت بسبب الإنهاك وانهيار قواهم [ .. ]
إن الهياكل العظمية الحية هم حقاً الراقدون تحت التراب, وهم خلاصة وجود المعسكر, وهم الحشد الكبير الذي يجري ويتجدد بدون انقطاع.  كلا – إنما هم بنو البشر, وهم متساوون ويشبهون بعضهم  البعض كقطرتي ماء. وهم يمشون بالكلل والصمت, بعد أن تكون الشرارة الإلهية في أرواحهم قد انطفأت تماماً, فأصبحوا كالقشرة الجوفاء, بحيث لم يعودوا يتعرضون لأي معاناة حقا. وبطبيعة الحال لا يجوز اعتبارهم أناساً أحياء. وهناك من يتردد في وصف موتهم بأنه موت حقاً, لأنهم لم يعودوا يخافون منه, فهم ليسوا قادرين على فهم المغزى من الموت بسبب إنهاكهم.
[ الصفحة ٩٦] .. لا يزال ذهني مليئاً ومفعماً بالذكريات عن وجودهم المجهول, ولو كان بإمكاني تقديم خلاصة مختصرة لكل ما هو شرير في عصرنا هذا من خلال صورة واحدة فقط, لكنت أختار هذا المنظر الذي يكون قريباً من صميم قلبي: الإنسان, الجلد والعظام, الجبين المنحني والظهر المعوج. ولم يعد من الممكن إيجاد أي بقايا من التفكير الإنساني في ملامح وجهه وفي عينيه [ .. ]
[ الصفحة ٩٨] .. وكانت هناك طرق كثيرة جداً لا عدّ لها كنا قد ابتكرناها واتبعناها من أجل ألا نموت: وكان عددها مطابقاً لعدد أنماط الشخصية  الانسانية. وألزمتنا جميع هذه الطرق بخوض نضال متواصل  يستنزف القوة يقف فيه الفرد بمواجهة الجميع. وكثيراً ما تطلبت هذه الطرق التوصل إلى حلول وسط وهي لم تكن أخلاقية. وكان بوسع خيرة الأبرار والصالحين فقط البقاء على قيد الحياة بدون التنازل عن المبادئ والقيم. وإذا قررت التصرف وفقاً لما كان ضميرك يمليه عليك, فكان بإمكانك البقاء على قيد الحياة إذا خالفك الحظ بصورة استثنائية فقط.

( مقطع من كتاب: بريمو ليفي: أهذا هو الانسان؟ اصدار " عام عوفيد". مكتبة " اوفاكيم". تل أبيب ١٩٨٩. ص. ٩٢- ٩٨).

بريمو ليفي ( ١٩١٩- ١٩٨٧), من مواليد مدينة تورينو في شمال إيطاليا, كان كيماوياً من حيث مهنته. حارب في صفوف حركة المقاومة الإيطالية ضد نظام الحكم الفاشي. وقد ألقي القبض عليه من قبل قوات الأمن الفاشية, وبعد احتلال إيطاليا من قبل الألمان, نقل مع يهود آخرين إلى معسكر الإبادة أوشفيتس – بيركناو. وقد راودته التجارب التي مرّ بها في هذا المعسكر طوال حياته, حتى قرر, بعد الحرب, تدوين بعضها في مؤلفات أدبية كتبها. وأحدثت القوة الكامنة في مؤلفاته انفعالاً شديداً لدى العديد من الناس في مختلف أنحاء العالم. " أهذا هو الإنسان" – هو باكورة نتاج بريمو ليفي. وفي عام ١٩٨٧ أقدم بريمو ليفي على الانتحار.

يهود من ألمانيا يكتظون في القطارات في طريقهم الى معسكرات الموت في اوروبا الشرقية. وكان يُطلَب من المبعدين تسجيل اسمهم وعنوانهم وسنة الولادة على امتعتهم, وذلك كجزء من عملية التضليل التي استخدمها النازيون.

الصورة: أرشيف مؤسسة ياد فاشيم.

خورخيه سيمبرون, "الرحلة الكبيرة" ( قطع مختارة)

[ .. ص. ص. ٦١- ٦٢] رأيت أناساً كانوا يعتادون على سرقة قطع الخبز البسيط من أصدقاء لهم. وعندما يعتمد وجود المرء على مثل هذه القطعة الصغيرة للخبز البسيط, بحيث تعتمد حياته على مثل هذه الشعرة السوداء من الخبز الرطب, فإن سرقة رغيف الخبز يتكون أسوة بإرسال الصديق إلى الموت المحتوم. وإذا سرق أحد قطعة الخبز هذه, فمعنى ذلك هو اختيار موت الغير من أجل ضمان حياتك أنت, أو على الأقل زيادة احتمالات البقاء على قيد الحياة.
ومع ذلك حدثت هناك سرقات للخبز.
رأيت أناساً يصبحون شاحبين ويصلون إلى حالة من الكآبة عندما تبين لهم بأنه تمت سرقة قطعة الخبز منهم. ولم يكن هذا الأمر إجحافا بالشخص الذي استهدفته هذه الفعلة فقط, وإنما كان ذلك إجحافاً غير قابل للتصحيح تعرضنا له جميعاً. وبما أن مثل هذا الحادث أثار الشبهات ومشاعر الحقد والكراهية, فلم يكن من المهم من الذي قام بسرقة قطعة الخبز, لأن إصبع الاتهام وجهت باتجاهنا جميعاً. وأدت كل حالة من سرقة الخبز إلى اعتبار كل واحد منا بأنه سارق محتمل للخبز.
وفي المعسكرات تحوّل الإنسان إلى حيوان متوحش قادر على سرقة الخبز من صديقه, ودفعه حتى الموت. من جهة أخرى أصبح الإنسان في المعسكرات مخلوقاً لا يُقهر قادر على تقاسم آخر عقب سيجارة وآخر قطعة للخبز عندما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة, من أجل صديقه. وبالتالي فإن هذا الإنسان لم يصبح مخلوقاً لا يُقهر في المعسكرات نفسها, وإنما كان هكذا من قبل. وكانت هذه الإمكانية منقوشة منذ البداية في صفاته الاجتماعية.

ولكن الوجود في المعسكرات هو من الحالات القصوى التي يتم فيها بصورة أكثر عنفاً ذلك الفصل بين الإنسان ومن فقد صفاته الإنسانية. وحقاً لم تكن هناك حاجة إلى المعسكرات ليتبين لنا بأن الإنسان هو مخلوق قادر على القيام بما هو أسمى وأرقى من جهة وارتكاب أبشع الفظائع من جهة أخرى.
وهذا شيئ مبتذل إلى حد يزرع في قلوبنا اليأس والقنوط.


( مقطع من كتاب خورخيه سيمبرون. الرحلة الكبيرة. اصدار " دوخيفات" و" سفريات بوعاليم". تل أبيب ١٩٦٥. ص.٦١- ٦٢).

خورخيه سيمبرون, اسباني من مواليد مدريد ( ١٩٢٣-  ), يكتب مؤلفاته باللغة الفرنسية, وهو كاتب وسينمائي وكاتب مسرحيات وسياسي. أضطر إلى مغادرة أسبانيا بعد انتصار فرانكو عام ١٩٣٩, ويعيش في المنفى منذ ذلك الحين. حارب في صفوف حركة المقاومة الفرنسية ضد المحتل النازي, حتى أُلقي القبض عليه من قبل الشرطة السرية النازية الغيستابو وأرسل إلى معسكر بوخينفالد, حيث أفرج عنه من قبل الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً

   قصة الكارثة
   وثائق تتعلق بالكارثة
روابط خارجية

  مؤسسة ياد فاشيم
           
     الردود (feedback) | خارطة الموقع