التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
 نشرتنا الإخبارية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الكارثة (هولوكوست)     قصة الهولوكوست     الكارثة - العبر

الكارثة - العبر

   بقلم البروفيسور يسرائيل غوتمان ونعماة غليل
   من الكتاب: " الكارثة والذاكرة" , دار مؤسسة ياد فاشيم للنشر ص ٢١٦ – ٢١٦

وشكرًا لمؤسسة ياد فاشيم  لتخليد ذكرى الكارثة والبطولة – المدرسة المركزية لتدريس الكارثة


إن الوقت الذي مر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لم يؤد إلى شطب موضوع الكارثة من جدول أعمال الشعب اليهودي وشعوب كثيرة أخرى. وعندما ننظر حالياً إلى الوراء يبدو النصف الأول من القرن العشرين كعهد من الحروب المصيرية وأنظمة الحكم الدكتاتورية كانت تعمّه العبودية والخراب والدمار. من جهة أخرى, تبدو لنا الفترة فيما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بأنها تحمل في طيّاتها تغيرات إلى الأفضل في العالم, وذلك على الرغم من النزاعات القومية والدولية العديدة التي لا تزال العديد منها مندلعة حتى أيامنا هذه والتي كثيرا ما تنطوي على القتل وسفك الدماء. وتحدث مثل هذه المواجهات العنيفة المتواصلة في إسرائيل ودول الشرق الأوسط أيضاً. من جهة أخرى, يمكننا أن نأمل بأن كل هذه الويلات التي نشهدها حالياً إن هي إلاّ آلام المخاض في سبيل تكوّن عالم أفضل. ولكن ظل الكارثة, المشحون بالتساؤولات وعلامات الاستفهام التي لا جواب لها, لا يزال يخيم على هذه الصورة للمستقبل الواعد.

 


ومن بين هذه التساؤولات – كيف كان من الممكن أن تحدث مثل هذه الجريمة النكراء بمثل هذا الحجم المروع في أواسط القرن العشرين, في قلب أوروبا المعاصرة؟ كيف يعقل أنه في مثل هذه الدولة المتقدمة التي أصبح شعبها مثالاً يقتدى به من الناحية الثقافية, تم تقديم الدعم الساحق لعملية إبادة شعب مدبّرة؟ كيف حدث أن تكون سلطات الدولة قد خططت ونفذت عملية قتل شعب لم تكن هناك أي مواجهة معه بل كان عاجزاً عن الدفاع عن نفسه؟ وفوق كل ذلك هناك سؤال مزعج يطرح نفسه – ما هو الشيئ الذي حوّل الناس إلى قتلة من جهة ومتفرجين من جهة أخرى, حيث يقفون مكتوفي الأيدي ويقومون باقتراف الجريمة أو يقبلون بارتكابها؟

وأدت هذه التساؤولات إلى ظهور أجوبة وتفسيرات عديدة. ولكنه, وعلى الرغم من جميع محاولاتنا ومن الأجوبة الجزئية المقترحة, لا يمكن توفير رد شامل, أو الإشارة إلى الطرق الكفيلة بالحيلولة دون تكرار مثل هذه الظواهر في المستقبل.
هل كانت الكارثة حدثاً مميزاً فريداً من نوعه, وإذا كان هكذا – ما هي الأشياء التي تعطي الكارثة هذا الطابع المميّز؟

هناك من يبدي تحفظات من تعريف الكارثة بأنها حدث فريد من نوعه لا سوابق له. ويشير هؤلاء إلى أن أعمال قتل ومذابح عديدة وقعت على امتداد التاريخ, مثل الإبادة الجماعية للهنود الحمر في أرجاء الولايات المتحدة, كما وقعت أعمال قتل جماعية تنطوي حقا على إبادة مجموعات عرقية أو دينية كبيرة ( جينوسايد) في الفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها, في دول مثل الاتحاد السوفياتي, الصين, يوغوسلافيا ورواندا.

إن التمييز لمعرفة الطابع المميز والفريد من نوعه لحدث وقع في المجتمع البشري يلزم بمقارنة هذا الحدث مع أحداث مشابهة أو مماثلة في الماضي. وفعلا, فإن الأبعاد التي تنطوي عليها مثل هذه المقارنة تشير إلى أنه توجد في الكارثة عناصر عديدة لا يمكن العثور عليها في أحداث أخرى للقتل والمذابح.
وتشتمل المكونات الرئيسية التي تقدم للكارثة طابعاً مميّزاً قياسياً مع أحداث قتل جماعية أخرى على الأبعاد التالية:
أ‌) لم تكن لليهود أي مواجهة أو خصومة مع الألمان, بل عكس ذلك كان صحيحاً, حيث كان العديد من أبناء الجاليات اليهودية في ألمانيا وخارجها ينظرون بإيجاب إلى الدولة الألمانية وثقافتها. أما المذابح وأعمال القتل الجماعية التي تعرض لها شعوب أخرى, فوقعت على خلفية وجود نزاعات قومية أو سياسية, حيث كانت هناك اعتبارات عملية أمام نصب عيون مرتكبي هذه الأعمال. أما في العلاقات بين اليهود والألمان, فكان السبب الوحيد الذي دفع بالألمان إلى ارتكاب أعمالهم العقيدة النازية العنصرية وما رافقها من مشاعر اللاسامية المتطرفة.


ب)        العقيدة النازية ونظام الحكم الذي تم تكوينه بموجبها لم يعتبرا اليهود شعباً أو ديانة وإنما عنصراً. ولم يتم اضطهاد اليهود وقتلهم لأنهم وضعوا المخاطر بوجه الألمان, وإنما على خلفية اتهامات خيالية ملفقة من أن اليهود يشكّلون تهديداً على الإنسانية جمعاء وخاصة على أبناء العنصر الآري.
ج)    لقد تمت ملاحقة اليهود واضطهادهم بصورة مطلقة. وقد حكم بالموت على كل من كان ينتمي إلى الجيل الثالث من ذرية اليهود على الأقل. وخلال الحرب العالمية الثانية تعرّض النازيون لغير اليهود أيضاً, مثل طبقة المثقفين في بولندا وأعضاء حركات المقاومة وضباط الجيش الأحمر السوفياتي, ولكن هؤلاء كانوا معارضين حقيقيين أو محتملين للنظام الهتلري. أما اليهود, فقد حكم عليهم بالقتل الجماعي والعشوائي وللمحو الكلي عن وجه الأرض, لمجرد كونهم يهوداً.
د)    لقد تم التخطيط لعملية القتل الشاملة وتنفيذها من قبل مؤسسات الدولة. واستمر النازيون يتمسكون بتنفيذ " الحل النهائي" حتى بعد أن اتضح بأن مهمة ارتكاب القتل أصبحت ستتناقض ومصالح المجهود الحربي والاقتصادي للرايخ الألماني.

 


إن البُعد الأيديولوجي, عملية القتل الشاملة والمطلقة والبُعد الدولي الخاص بضرورة قتل اليهود أينما كانوا, تجعل الكارثة حدثاً منقطع النظير.

هل كانت الكارثة بمثابة ظاهرة فظيعة ومروعة وقعت لمرة واحدة, أو هل يمكن أن يتطوّر هناك حدث آخر من هذا القبيل في المستقبل؟ إذا أردنا الإجابة على هذا السؤال بدون أن نحاول التنبؤ بالمستقبل, فيمكننا أن نقول إن الدمج النادر للظروف التي ظهرت إبان الكارثة شاذ واستثنائي وإن احتمال تكراره ضئيل للغاية. ومن الأفضل أن نعتبر الكارثة بمثابة إنذار يلزمنا بالعمل على الحيلولة دون تكرار ظاهرة مماثلة أو مشابهة في المستقبل.   







أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً

   قصة الكارثة
   وثائق تتعلق بالكارثة
روابط خارجية
  مؤسسة ياد فاشيم
           
     الردود (feedback) | خارطة الموقع     
  ملكية أدبية © 1998 دولة إسرائيل. جميع الحقوق محفوظة.   شروط الاستخدام