إخواني وأخواتي في إسرائيل والمهجر،
تطول الأيام، فهي نهاية شهر نيسان العبري، ويحل الليل على الشعب اليهودي، على بيوت سوق محانيه يهودا، وكريات يوفيل وكريات موشيه وتلبيوت وراموت وغيلو، وعلى ناطحات السحاب في تل أبيب وعلى سطوح حيفا وعلى سهول بئر السبع وموشاف موليدت وكيبوتس غروفيت وكريات شمونا. وتودع أشعة الشمس كلا من تل حاي ودغانيا ومتسادا.
وقد حل هذا الليل قبل وقت قصير على أنتوبول وعلى جورومين، وعلى رودنيك وعلى ميخالوفا، وهي بلدات كان ثلاثة أرباع سكان كل منها من اليهود، ولم يبق فيها أحد منهم. حل الليل على قرية توستانوفيتسا التي تم فيها قتل 2803 يهود، وعلى بلدة ليباو في ليتوانيا التي قتل فيها 7101 من اليهود، وعلى خيلم المجاورة للوبلين التي تم ترحيل 15 ألفا من يهودها إلى موتهم. وبدأ الظلام يلف حلكة داخاو وأوشفيتس وبيركناو، كما لف فيشنيفا التي ولدتُ فيها أنا وزرتها بصفتي وزيرا إسرائيليا، حيث لم يبق من بيوت اليهود وكنسهم ولو خشبة واحدة.
لقد زرت بئرا كان في ساحة بيتنا، والماء لا تحرقه النيران، فتناولت من مائه لأتذوق مياه طفولتي، فكان ماؤها لاهب المذاق، وهو مذاق النيران التي التهمت أبناء البلدة وأبناء أسرتي الذين بقوا فيها.
هذا الليل جاثم كسقف بيت العزاء على آلاف الطوائف اليهودية التي بات كيانها شاهدا حجريا وأصبحت ثقافتها ذكرى وأناسُها رمادا.
غربت الشمس على الكنس والمعاهد الخربة وعلى المسارح والمؤسسات الثقافية التي هدمت وعلى الكتب التي أضرمت فيها النار وعلى المدارس التي غدت رمادا.
مُحِقَ كل شيء – الحياة والبيوت والثقافة، ونهشت الدنيا ألسنةُ اللهب.
هذا اللهب سيبقى يشتعل فينا كفراق مستحيل للملايين الستة من إخوتنا الرجال والنساء والشيوخ، ومن أطفالنا المليون ونصف المليون، من طاقة هائلة من الحياة والمواهب التي أبيدت لا يعوضها شيء.
من يمر اليوم ببلدة زبوروف الأوكرانية لا يعلم أن ألفا من يهودها تم إعدامهم رميا بالرصاص ذات يوم صيف من عام 1941 ثم دفنوا في حفرتين.
من يمر هناك اليوم لا يسمع صرخة التاسع من أبريل نيسان 1943، الذي أجبر فيه 2300 من اليهود على حفر قبورهم بأيديهم بجوار قاعة سوكولينايا الرياضية، ثم قتلوا وأُلقوا في المقابر التي حفروها لأنفسهم.
جاء في سفر مراثي ارميا: " بماذا أنذرك بماذا أحذرك. بماذا أشبهك يا ابنة أورشليم. بماذا أقايسك فأعزيك أيتها العذراء بنت صهيون؟" وهذا ما يتساءل عنه الناجون من أرصفة القطارات في تربلينكا وأوشفيتس وبيركناو، كما يتساءل عنه الذين وصلوا إلى إسرائيل وانبروا من فورهم للدفاع عن الشعب في حربه من أجل الاستقلال.
يشهد الله على أن الدولة التي أسسها طلائعيون ولاجئون وناجون تحمل صرخة المحرقة إلى جانب ضجيج رافعات بنائها.
لن تنسى إسرائيل إلى الأبد وصيتين صادرتين عن المحرقة، أولاهما الوصية الملحة ببقاء دولة يهودية مستقلة تمسك أمنها بيديها والسلام في قلبها وما من دولة لنا إلا هي.
والوصية الثانية تتمثل في حمل التهديدات بالإبادة محمل الجد، وحمل إنكار الهولوكوست محمل الجد، وحمل المحرضين على الإرهاب محمل الجد.
إنه من حقنا، بل من واجبنا مطالبة شعوب العالم بعدم تكرار لامبالاتها التي كلفت أرواح ملايين الضحايا البشرية، بما فيها ضحاياها هي.
إن الأمم المتحدة يجب أن تكون آذانها صاغية للتهديدات بالإبادة المنطلقة من دولة عضو في الأمم المتحدة، ضد أخرى هي عضو فيها أيضا، وإلا، تقوضت أركان ميثاق الأمم المتحدة.
ويتطلب التوصل إلى سماء نقية في الشرق الأوسط وقف التهديدات بالإبادة أولا وقبل كل شيء. فأسلحة الدمار الشامل حين تكون في أيد قادرة على الإبادة الجماعية ويطلق أصحابها أصواتا تشجع على مثل هذه الإبادة، تمثل أخطر تهديد للسلام العالمي، وتجعل العالم مكانا غير مسيطر عليه.
ثمة جزء من الشعب الإيراني نفسه يشعر بالخجل والخزي جراء ما لحق به من استبداد. والدول العربية مدركة بأن تحريض أحمدي نجاد ضد إسرائيل يستهدف إخفاء هدفه الحقيقي، ألا وهو إخضاع المنطقة بأسرها للهيمنة الإيرانية.
لقد نشبت الحرب العالمية على خلفية التحريض النازي الشيطاني والزعم القائل إن الألمان عنصر متفوق وإن "ألمانيا فوق الجميع".
حذار من العودة إلى المفهوم الشيطاني القائل بأن ثمة إنسانا أعلى أو سلطة عليا أو عنصرا أعلى مباحا له فعل ما يشاء.
لقد تأخر إدراك ألمانيا لذلك، فاستخلصت القيادة الألمانية الحالية العبر.
إنني تلوت صلاة "الكاديش" (صلاة تتلى على أرواح الموتى) في البرلمان الألماني، وأعتقد بأن من لا ينطقون العبرية سمعوا هم أيضا الحقيقة التأريخية التي وسمت التأريخ الألماني بالعار وحكمت بالثكل على ملايين الأبرياء.
لن يبعث موتانا، ولكن ذكراهم ستعيش في قلوبنا. ولن تندمل جروحنا ولكن قوانا لن تخور.
إننا هنا الآن ومعنا الناجون من المحرقة وأنصار الشعب اليهودي (الذين أنقذوا يهودا خلال فترة الحرب معرضين حياتهم وحياة عائلاتهم لخطر الموت).
وسيوقد الناجون من المحرقة هذا المساء المشاعل تمجيدا لإسرائيل وتكريسا لها، وإن التأريخ اليهودي يحييكم.
إن الإيمان هو الذي مكننا من إعادة بناء دولتنا التي تمثل أكبر تجمع لليهود عرفه التأريخ. وهي الدولة ذات القدرات العلمية الكبرى والاقتصاد المزدهر والأمن المتين والثقافة المفعمة بالحيوية والنشاط والنظام الديمقراطي الذي يحمل الحرية لجميع مواطنيها لا يفرقهم دين أو قومية أو جنس.
لقد ثار شعبنا على العبودية ورفض الهيمنة وحطم الأصنام ورفض التمييز، ونحن سائرون على هذا الدرب في المستقبل أيضا.
ستبقى عيوننا ساهرة لن تغفل الأخطار في أي وقت، وستبقى أيدينا ممدودة للسلام دون انقطاع.
لم يُضرب شعب مثل ما ضربنا، ولم يُعِد شعب بناء نفسه من جديد مثلنا. وسنبقى شعبا يحمل الذكرى والإيمان والعزيمة، وحين يبزغ الفجر سنعود نخرج للعمل والبناء والإبداع.
وستخفق في قلوبنا المحرقة وفي أفعالنا النهضة.