فخامة رئيس الدولة السيد شمعون بيرس ،
رئيسة المحكمة العليا ،
رئيس الكنيست ،
أعضاء الحكومة ونواب الكنيست ،
رئيس مجلس مؤسسة (ياد فشيم) الحاخام يسرائيل مئير لاو ،
رئيس إدارة مؤسسة (ياد فشيم) أفنير شاليف ،
الناجون الأعزاء [من ويلات المحرقة] ،
أنصار الشعب اليهودي وعائلاتهم ،
أيها الضيوف الأعزاء ،
إننا نتذكر في هذه المساء حيث تحلّ ذكرى محرقة اليهود وبطولتهم إخواننا وأخواتنا الذين قُتلوا في معسكرات الإبادة والغابات والمهالك.
إننا نصغي إلى صوت الناجين الذين يتفوّهون نيابة عن الملايين الذين قضوا. وقد توسل الكثير من الهالكين قبل فنائهم كل مَن شاهدهم بالقول: لا تنسونا! قصّوا! قصّوا على العالم وعلى الأجيال القادمة كم كانت معاناتنا شديدة وكم كانت الفظاعة مريعة وكم كانت تضحياتنا كبيرة!
إننا ندين لهؤلاء الناجين بالامتنان العظيم على شجاعتهم المتمثلة بعودتهم إلى معترك الحياة وتكوين الأسر والإسهام في بناء الدولة وكذلك على جرأتهم على سرد حكاياتهم والحديث عما تعرَّضوا له.
ولم نشرع إلا خلال السنوات الأخيرة في تكثيف الإجراءات – وسوف نزيدها أكثر – لمساندة الناجين ودعمهم والتسهيل عليهم في آخر أيامهم.
أيها الأكارم ،
لقد ترأست قبل بضعة أشهر البعثة الإسرائيلية للمراسم التي جرت لإحياء مرور 65 عاماً على تحرير معسكرات الإبادة أوشفيتس وبيركناو [في بولندا]. وقد أُقيمت مراسم إيقاد الشموع في العراء في ساحة النصب التذكاري المقام هناك ، وكانت درجة الحرارة تتدنى 15 درجة عن الصفر. غير أن هذه الدرجة كانت أقل برداً بكثير من ذلك الشتاء المفزع الذي حلّ بين عامَيْ 1944-1945 حيث تراوحت درجات الحرارة ما بين 30-35 دون الصفر. إننا وقفنا هناك خلال المراسم نرتدي الألبسة الجيدة لمدة لم تزِد على نصف ساعة ورغم ذلك بدأنا نشعر بالصقيع. وفجأة ، وعلى حين غرّة ، أدركت حقيقة بسيطة تقشعر لها الأبدان وتخصّ عدداً لا يُحصى من إخواني وأخواتي الذين بادُوا في ذلك الموقع الملعون: إن كل مَن لم يتم حرقه – قد تجمَّد من البرد ، ومَن لم يتجمَّد قد تعرَّض للحرق.
وكُنت قد زرتُ قبل ذلك بعدة أشهر فيلا (فانزي) قرب برلين حيث شاهدت الدعوة الأصلية لاجتماع مسؤولي النظام النازي الذين قرروا إبادة الشعب اليهودي. وقد جاء في ورقة الدعوة التي أرسلها نائب رئيس جهاز الإس.إس [الشرطة السرية الألمانية النازية] ما يلي: "إن رئيس المكتب الرئيسي لأمن الرايخ [الدولة النازية] رينهارد هايدريخ يدعوكم لمناقشة الحل النهائي لمشكلة اليهود.. وسيتم تناول طعام الفطور في تمام الساعة 0900 صباحاً". وهكذا جلس 15 شخصاً في فيلا فخمة على ضفاف بحيرة رائعة الجمال ، وهم يتناولون الفطور وكؤوس الكونياك ، وقرروا كيف تتم إبادة شعبنا. ولم يحرك أي منهم ساكناً أو يشكك في هذه المهمة وضرورتها وعدالتها ، بل إنهم عمدوا فور تفرغهم من تناول وجبتهم إلى العمل بقصد إبادة نسل يعقوب [كناية عن الشعب اليهودي] ومَحْوِه عن وجه الأرض.
وفيما مررتُ في تلك الفيلا متصفحاً ورقة تلو أخرى شعرت كيف أنني أستشيط غيظاً مردّه العجز وطفح هذا الشعور وفاض لديّ. وعندما طلب مني مضيفي الألماني في ختام الجولة أن أسجل شيئاً ما في دفتر الضيوف جلست على الكرسي وفاضت بي مشاعر الحزن والحنق كأنها أرادت أن تخترق طريقها إلى الخارج ، ثم كتبت من هدير القلب ثلاث كلمات ليس إلا: "عاش شعب إسرائيل!".
وها أنني أعيد القول اليوم من على جبل هرتصل [في أورشليم القدس]: عاش شعب إسرائيل! وإنه سوف يعيش! إنه أعاد إقامة دولته ولمّ شتاته وبنى جيشه واستوطن أرضه ووحّد أورشليم القدس مدينته.
وكان دافيد بن غوريون [رئيس الوزراء الأول] قد استهل إعلانه عن استقلال دولة إسرائيل بهذه الكلمات: "لقد نهض الشعب اليهودي في أرض إسرائيل.." ، وبالفعل نهضت دولة إسرائيل من الخراب والرماد لتصبح دولة تؤثر على العالم أجمع بقوة إبداعها وابتكارها وكنوزها البحثية والمعرفية وزخم اقتصادها ومجتمعها الحر والديمقراطي.
لقد تحوَّلت دولة إسرائيل خلال عدة عقود إلى إحدى دول العالم المتطورة. وثمة منتجات إسرائيلية تشفي وتداوي الملايين فيما تروي المبتكرات الإسرائيلية الحقول والكروم في أرجاء القارات وتؤدي الأفكار الإسرائيلية الخلاقة إلى الاقتصاد في الطاقة في شتى أصقاع الأرض. إن إسرائيل هي المَعين الذي لا ينضب من التجديد في عالم يتجه نحو المستقبل.
غير أنه يتحتّم علينا على كل حال أن نتساءل الآن: هل تم استخلاص عِبر المحرقة؟ إنني أعتقد بأن هناك ثلاث عبر رئيسية: عزِّز قوتك ، وربِّ على فعل الخير ، وحارِب الشرّ.
إن العبرة الأولى – عزِّز قوتك – تتعلق بادئ ذي بدء بنا ، شعب إسرائيل ، الذي كان مهملاً وعاجزاً إزاء موجات الكراهية القاتلة التي تعرَّض لها مرة تلو أخرى. هناك مَن يعمد إلى إبادتنا جيلاً بعد جيل. أما في الجيل الحالي فيترتب علينا تحصين قوتنا واستقلاليتنا لنستطيع منع العدو اللدود المناوب من أن يفعل أفاعيله بنا. إن تحصين قوتنا لهو الشرط الأول لوجودنا ، كما أنه في نهاية المطاف الشرط الضروري لتوسيع دائرة السلام مع أولئك من جيراننا الذين يسلّمون بوجودنا.
أما العبرة الثانية – ربِّ على فعل الخير – فتعني التربية على قبول الآخر والتسليم بتباين الآراء. إنه الوعي الذي يشكل قاعدة للعقيدة اليهودية القائلة إن كل إنسان خُلق بصورة الله وأن لكل إنسان الحق الكامل في الحرية والحياة واختيار طريقه. إنه جوهر المجتمع الحر والتربة التي لن تنمو فيها أبداً الأيديولوجيا النازية أو المتشددة التي تدعو إلى إبادة الشعب ثم تنفذها. إننا نربّي على هذا الأساس أطفالنا ، أطفال إسرائيل التي صارت دولة مجيدة ومنارة للتسامح في فضاء مظلم ومتطرف.
لكن ، أيها الأفاضل ، ثمة جانب مكمل لهذه الفضيلة متمثلاً بالعبرة الثالثة الناتجة عن المحرقة: حارِب الشرّ. إذ لا يكفي العمل الصالح والتسامح ، بل يتعين على المجتمع الحر أن يسائل نفسه عما يقوم به ضد قوى الشرّ المفترسة التي تتطلع إلى تدميره وتفتيت الإنسان وحقوقه. ما من تسامح لا حدود له ، إنما يجب رسم حدود التسامح. إنه التساؤل الواجب على جميع الدول الحرة التطرق إليه. وقد كان القصور التأريخي للمجتمعات الحرة إزاء الوحش النازي يتمثل بعدم تصدّيها له في الوقت الذي كانت فيه الفرصة لا تزال سانحة لصدّه.
ها نحن أصبحنا نشهد اليوم نيران العداوة الجديدة – القديمة ، معاداة اليهود التي تقوم تنظيمات وأنظمة إسلامية متشددة بإضرامها وفي طليعتها إيران وتوابعها. إن القادة الإيرانيين يهرولون نحو تطوير السلاح النووي ويصرّحون على الملأ برغبتهم في القضاء على إسرائيل. بيد أننا لا نشاهد في أفضل الأحوال إزاء هذه التصريحات المتكررة بمحو دولة اليهود عن وجه البسيطة إلا الاحتجاج الواهي الآخذ بالتلاشي أيضاً.
لم نسمع ذلك الاحتجاج الصارم المطلوب أو الإدانة الشديدة أو الصراخ العالي ، بل "عادت حليمة إلى عادتها القديمة" كما يقال ، ناهيك عن أولئك الذين يصبّون نيران النقد علينا أي على إسرائيل.
ويجب علينا اليوم – بعد مضي 65 عاماً على المحرقة – أن ننصف الحقيقة ونقول: إن ما يجعلنا ننتفض ونثور ما هو إلا غياب ثورة الآخرين. لقد أخذ العالم يسلّم شيئاً فشيئاً بالتصريحات الهدامة الصادرة عن إيران إزاء إسرائيل ولم نشهد بعد ذلك التصميم الدولي المطلوب لوقف تسلحها. غير أننا وإذا درسنا شيئاً من عِبر المحرقة فلم ندرس إلا حقيقة مفادها أنه لا يجوز السكوت والارتداع بالشرّ. إنني أناشد هنا جميع الدول المستنيرة الوقوف والتنديد بشدة وصرامة بالنوايا التدميرية الإيرانية والعمل بحزم وإصرار على وقف تسلح إيران بالسلاح النووي.
هذه هي إذاً الدروس الثلاثة المستفادة من المحرقة: حارِب الشر ، وربّ على فعل الخير ، وعزِّز قوتك.
أيها الأصدقاء ، ما منبع قوتنا يا ترى؟ إنه يتجسد بوحدتنا وتراثنا وماضينا ومستقبلنا المشترك. إننا نصون ماضينا ونخترق الطرق إلى مستقبلنا. لسنا متواجدين هنا من باب الصدفة ، إذ عدنا إلى هذه البلاد كونها بلادنا ، عُدنا إلى صهيون لأنها مدينتنا. إننا نشق الطرق شمالاً وجنوباً ونحوّل التيه إلى حديقة غناء وهذا هو ردنا على كل مَن يضمر السوء لنا.
كما سبق للنبي إشعياء أن قال:
"عِوَضَ العُلَّيقِ ينبُتُ السَّرْو، وعِوَضَ القُرَّاصِ ينبُتُ الآسُ، وبذلِكَ أعمَلُ ليَ اَسمًا، وذِكرًا مُخلَّدًا لا ينقطِعُ.. أُعطيهِم في بيتي وفي داخلِ أسوارِ مدينَتي جاهًا وإِسمًا.. إِسمًا أبديُا لا ينقَطِعُ ذِكرُهُ".