التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديانة اليهودية     الديانة اليهودية     النشاط المشترك للديانات المختلفة في إسرائيل 2009

النشاط المشترك للديانات المختلفة في إسرائيل

10 أيار / مايو 2009

روبين توايت

الخلفية
إن السعي للتفاهم بين مختلف الأديان ظاهرة حديثة العهد نسبيا، حيث كان في كل جيل عدد من الرجال والنساء يدركون ضرورة احترام أبناء الديانات الأخرى والاستفادة من علمهم، ولكن كانت أكثر شيوعا من ذلك نظرة الصليبيين إلى اليهود والمسلمين، ونظرة المبشرين المسيحيين في الهند المذعورين من شرَك الهندوسية وعبادة الحيوان، وكان ثمة البراهمين الذين كانوا يخشون من أن مجرد الوجود بمعية ابن من أبناء ديانة أو طائفة أخرى يشكل تلويثا لإيمانهم، والمسلمون الذين يحرضون على الجهاد بحق الكفار، واليهود المتزمتون الذين تغضبهم ظاهرة الزواج بين اليهود وغير اليهود. وكثيرا ما كان يبدو أن الإيمان يشكل قوة مفرقة في تأريخ البشر أكثر منه قوة موحِّدة.
وتمثل الحركة الدولية للحوار بين الأديان والتي تأسست قبل نحو مئة عام، ردة فعل على الشعور بأن الدين يحمل بداخله دائما بذور الخلاف. هذه الحركة مدينة بوجودها لإدراك العديد من القادة الروحيين بأن جميع الديانات الكبرى تنطوي على تعاليم إيجابية معينة تدور حول طبيعة الإنسان وعلاقته بالله وبأن إيجاد تلك الخطوط المتوازية خير من الادعاء بحصرية فهم الحقيقة المطلقة. وفيما كان القرن التاسع عشر ينقضي، أخذ عدد متزايد من الناس يتوافق مع سوامي فيفيكاناندا، وهو من رواد الحركة الدولية للحوار بين الأديان، والذي صرح عام 1983 بأن المسيحي لن يعتنق الهندوسية ولا البوذية، كما لن يعتنق الهندوسي أو البوذي الديانة المسيحية، ولكن يترتب على كل منهما أن يستوعب روح الآخر وأن يحتفظ في الوقت نفسه بخصوصيته وينمو وفقا لقوانين النمو الخاصة به، فالقداسة والطهارة والصدقة ليست ملكا حصريا لأي كنيسة في العالم، إذ نما في كل نظام رجال ونساء يتمتعون بأفضل الخصال.
ويحمل البحث عن قاسم مشترك بين أديان العالم معاني معينة ليس بالنسبة للأفراد فقط، بل بالنسبة للمجتمع ككل، لا سيما في المناطق التي يكون فيها النزاع داء متوطنا، حيث صرح البروفسور هزكياس أسيفا، حين كان يشغل منصب مدير مبادرة نايروبي للسلام: "إن هناك مفاهيم وقيما مشتركة في جميع المعتقدات والديانات، وهو ما يسمح لكل منها بدعم صراع الأخرى من أجل السلام في عالمنا المضطرب".
ولكن تقدُّم هذه الحركة من أجل التفاهم والتسامح تعرض لضربة قاسية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، إذ كان تدمير مركز التجارة العالمية في نيويورك على أيدي مسلمين متشددين مؤشرا على بدء حقبة ترتبط فيها السياسة في جميع أنحاء العالم بالدين بشكل أقوى مما كانت عليه لمئات السنين. فالاستياء الذي عم المظلومين الذين كانت نسبة كبيرة منهم من المسلمين بفعل الهيمنة الأمريكية والأوروبية، مضافة إليه نهضة المعتقدات الأصولية الدينية لدى المسلمين والمسيحيين على حد سواء، قد أوجدا حالة من اعتبار كل من الطائفتين للأخرى بأنها عدو. ومما زاد الطين بلة النزاع  الإسرائيلي الفلسطيني الذي يبدو غير قابل للتسوية والذي يضع اليهود والمسلمين على طرفي نقيض، بالإضافة إلى التورط الأمريكي البريطاني في النزاعين القائمين في كل من العراق وأفغانستان اللذين تقطنهما أغلبية مسلمة كبيرة.
إن هذه التطورات السلبية لها تأثير مباشر على الشرق الأوسط الموجود في عين العاصفة، إذ كان تأريخ المنطقة، حتى بدون هذه التطورات، وطوال ما لا يقل عن مئة عام خلت، لا يتميز بالكثير من التسامح والتفاهم بين الأديان، حيث الارتباط الوثيق للديانات السماوية الثلاث بمنطقة كانت كل منها تحكمها في فترة من الفترات ولا يزال أبناؤها يقطنونها، يجعل من إسرائيل بلدا قاسيا على من يؤمنون بقيمة النشاط المشترك للأديان.
كان البروز العالمي لاتجاهين متباينين بين القادة الروحيين وأتباعهم موضع نقاش في ندوات الحوار بين الأديان مثل الجمعيات العالمية المنعقدة مرة كل أربع سنوات ومنظمة "الأديان من أجل السلام" غير الحكومية، والمعروفة سابقا "بالمؤتمر العالمي للدين والسلام".
ويمكن وصف الخطوط العريضة لأحد هذين الاتجاهين من خلال استعمال عبارة "إنترفيث" (Interfaith) التي تعني الاعتراف بشرعية تقاليد جميع الديانات الكبرى وبضرورة احترامها لبعضها البعض وتعاملها المشترك. ويتمثل الجانب الإيجابي لهذه المقاربة ببذل جهود مخلصة للتعرف على صدق إيمان الأديان الأخرى، ويواكب ذلك التوجه إلى توظيف الجوانب الأكثر تسامحا للإيمان في إيجاد السلام والوئام بين الشعوب والأمم. وكما ذكر سابقا، فقد لقي هذا الاتجاه نجاحا خلال القرن الأخير.
أما المصطلح الثاني، وهو "الأصولية"، فيعكس تطلعا للعودة إلى المعتقدات الأساسية لمؤسسي كل ديانة والترجمة الحرفية لكتاباتها المقدسة، ومن شأن مثل هذه العودة إلى المعتقدات الأصولية أن تقود إلى الشعور بثقة كبيرة لدى المؤمنين، حيث يشعرون بأن الإيمان ملاذ آمن لهم.
ولكل من المقاربتين نقاط ضعف خاصة بها، فإن منظور الحوار بين الأديان قد يقود بسهولة إلى نوع من المثالية الضبابية التي تتسبب بدورها في إضعاف جوهر كل من الأنظمة الدينية، كما أنها تميل إلى إظهار حسن نية معمم وتافه نوعا ما يصبح في نهاية المطاف عديم الفائدة وغير مقنع. وفي المقابل، فإن الأصولية واضحة المعالم، وكثيرا ما تجسد عنصرا قويا من الإيمان يواكبها عدم التسامح، حيث يظهر الشعور بالثقة لدى المؤمنين أحيانا كثيرة بشكل نظرة معادية إلى من يلتزمون بنظام مختلف من المعتقدات، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح في التطورات الحاصلة منذ الحادي عشر من سبتمبر أيلول 2001، كما ذكر آنفا، والتي أدت إلى تغيير محدد في رؤى العديد من أتباع الديانات السماوية الثلاث جميعا، وهو ما جعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة لمن يسعون لتعزيز التسامح والتفاهم.

حوار الأديان في إسرائيل – حالة معقدة
يزداد النظر في مسألة حوار الأديان في إسرائيل تعقيدا جراء ضرورة التطرق ليس إلى العلاقات اليومية بين مختلف الأديان في البلاد بحد ذاتها، وإنما للنظرة الأكثر شمولا. إن المسيحيين واليهود والمسلمين يعتبرون مدينة أورشليم القدس، عاصمة إسرائيل، مدينة مقدسة والأرض الواقعة ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط أرضا مقدسة. أما بالنسبة لليهود، فإنها موطنهم وبؤرة إيمانهم، بينما تشكل بالنسبة للمسيحيين أرضا يؤمها الحجاج، حيث عاش عليها المسيح ومات. وبالنسبة للمسلمين يقول تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم – اليونسكو -  تم تبنيه مؤخرا "إن الأهمية القصوى للقدس كثالث الحرمين ليست موضع شك أبدا".
وتنطوي إسرائيل على مغزى خاص لدى أبناء الديانات الثلاث جميعا، حيث تقع على أرضها معابد ومواقع دينية تابعة لكل منها، ترتبط بها من جهة وتتصارع فيما بينها حول الهيمنة والسيطرة عليها من جهة أخرى، وهو ما يجعل نوعية العلاقات بين الديانات الثلاث داخل إسرائيل ذات طبيعة يعدو مغزاها كونه إقليميا محضا. كما أنه يضفي أهمية خاصة على علاقات كل منها مع أتباعها خارج إسرائيل وعلى الحركات الروحية والفكرية واللاهوتية في المجتمعات الدينية الأكبر التي تنتمي إليها.
ويستطيع المرء أن يجد بين أتباع جميع الأديان مؤيدين للانسجام بين الأديان إلى جانب من يعتبرون أن الإيمان يعني الامتثال للنصوص الدينية بحذافيرها، علما بأن هؤلاء كثيرا ما يناصبون العداء لمعتقدات تختلف عن معتقداتهم، وهو ما ينتج في حالات كثيرة عن جهله تلك المعتقدات، ولكن يعود في حالات أكثر إلى إيمانهم المتحمس المتأثر بسهولة بمناورات القادة الروحيين الذين لا تتسع أوقاتهم للانشغال بالتسامح.
يحظى الإسرائيليون المؤمنون بالتفاهم بين الأديان بالدعم الفكري من رموز النشاط الحواري على المسرح العالمي، مثل "الأديان من أجل السلام" والمنظمات المهتمة بتنمية التفاهم بين الأديان، مثل "مجلس المسيحيين واليهود" وأبناء الديانات الكبرى المؤمنين بالتفاهم بين الأديان. وقد تمكنوا على مر السنين من الحصول على دعم مالي محدود من بعض المؤسسات الدولية.
أما الذين ينجذبون وراء الرؤية الأصولية، فيستمدون التشجيع من قوى خارجية مثل البروتستانت من أتباع كنيسة العنصرة في الولايات المتحدة والذين يدعمون إسرائيل بكل قوة وثبات غير مبالين بالمعتقدات الإسلامية أو من علماء أكبر الطوائف الإسلامية في الشرق الأوسط، ممن يقدمون الدعم اللاهوتي لمفهوم الجهاد.
ومن هذه الناحية، كما من نواح أخرى لا حصر لها، تشكل إسرائيل صورة مصغرة للعالم، من حيث مواجهة التسامح للتعصب، لتدور الحرب بينهما حول مروحة من القضايا وبطرق شتى. وبطبيعة الحال، تأثرت العلاقات بين الأديان في إسرائيل بشكل سلبي بالتطورات الحاصلة في العالم منذ عام 2001.
كان الفيلسوف موردخاي بوبر، وحين هاجر إلى إسرائيل عام 1938، قد بدأ بتعليم نوع جديد من الفلسفة الإنسانية اليهودية، وهي الفلسفة الداعية إلى الاعتراف المتبادل بين الديانات والمرتكز على إدراك أن ثمة مفاهيم أساسية معينة مشتركة لليهودية والإسلام والمسيحية، بل لجميع الأديان الكبرى. وقد لا يكون مفاجئا أن يكون بوبر واجه قدرا كبيرا من العداء من جانب الأوساط اليهودية الأرثوذكسية، ولم يحظى بالتقدير والاعتراف داخل إسرائيل بقدر ما كان يتمتع به من تقدير في أوروبا ما قبل الحرب العالمية الثانية.
ولكن بوبر تمكن من إحاطة نفسه بمجموعة ممن كانوا يشاطرونه رؤيته من المسيحيين واليهود والمسلمين، حيث استطاع من خلال استعانته بهم تأسيس الجمعية الإسرائيلية للحوار بين الأديان التي وضعت نصب عينيها إقامة علاقات أفضل بين أبناء الديانات الثلاث في إسرائيل, وخلال الأربعين سنة الأخيرة تقريبا أقامت هذه الجمعية تشكيلة واسعة من الحلقات الدراسية والندوات، كما أصدرت عددا من الكتب والكتيبات وقامت بمختلف النشاطات ضمن هيئات دولية مختصة بخلق تفاهم عالمي بين ممثلي مختلف الأديان.
بيد أن تأثير بوبر وأتباعه لم يكن له سوى أثر محدود على البلاد، ويعود ذلك لعدة أسباب، أولها أن المناخ السياسي في إسرائيل لم يكن مجديا، حيث هناك عدد كبير من الإسرائيليين وأبناء عائلاتهم الذين عانوا العذاب على أيدي المسيحيين في أوروبا خلال المحرقة النازية، بينما خسر آخرون أموالهم وممتلكاتهم عندما قدموا إلى إسرائيل خلال الخمسينات من القرن الماضي آتين من مختلف بلدان الشرق الأوسط، وإن كانت خسارتهم أقل إيلاما مما عاناه اليهود الأوروبيون. ومما زاد من قوة شعور بعض الإسرائيليين بالعداء نحو الإسلام، الحروب التي نشبت بين إسرائيل وجاراتها العربية التي ينتسب معظم مواطنيها، بل جميعهم تقريبا، إلى الديانة الإسلامية، حتى وإن كانت حكوماتهم ذات طبيعة علمانية. ولم يكن في أحداث العقد الماضي ما يمكن أن يضعف هذا العداء.
أما إسرائيل فكانت دائما تحكم من حكومات علمانية، سواء كانت اشتراكية لا مبالية نسبيا بالدين بغض النظر عن لونه، أو قومية كانت تستخدم الدين أساسا كأداة لبناء الدولة ووسيلة لإيجاد هوية وطنية. وكانت المجموعتان تميلان للنظر إلى المسيحيين والمسلمين في إسرائيل وجميعهم تقريبا من العرب، على أنهم لا يعتمد عليهم سياسيا. وفي حين كانت السلطة حريصة على الشكليات في علاقتها مع المؤسسات الدينية، تحمي الأماكن المقدسة للمسيحيين والمسلمين وفقا للوضع القائم الذي بدأ العمل به تحت حكم العثمانيين في أواخر القرن التاسع عشر، إلا أنها لم تبد اهتماما بتحسين فهمها لأمور هاتين الأقليتين اللتين تعيشان إلى جانب الأكثرية اليهودية.
يميل معظم السكان اليهود المتدينين المتزمتين والمتدينين القوميين والمقدّرة نسبتهم بما بين 10 و 15 في المئة من مجموع السكان، إلى النظر إلى الأديان الأخرى على أنها كيانات معادية يجب محاربتها على جميع المستويات، بل إن الكثيرين منهم يقاومون أي مجهود يتم بذله لفتح حوار مع أبناء الديانات الأخرى. إنه مجتمع يقف قادته وجمهوره موقف اللامبالاة تارة والمعارضة تارة أخرى من قضية التفاهم بين الأديان.
يشار إلى أن ثمة أغلبية كبيرة من اليهود، سواء كانوا متزمتين أو معتدلين من حيث معتقداتهم الدينية، أو علمانيين، لا يملكون معلومات تذكر حول المعتقدات الأساسية للأديان الأخرى، حيث لم يلتق معظم صغار السن من اليهود يوما بمسيحي أو مسلم في مناسبة اجتماعية.
على أن نظرة المسلمين إلى اليهود ليست أفضل من ذلك، علما بأن الدول العربية التي اجتاحت جيوشها إسرائيل في سنة 1948 هُزمت في الحرب التي تلت ذلك الاجتياح، فوجد العرب الذين لم يصبحوا لاجئين أنفسهم أقلية ضمن الدولة اليهودية، حيث تعلموا اللغة العبرية وتكيفوا إلى حد بعيد مع الحياة في مجتمع يهيمن عليه اليهود، ولكن قادتهم، إما كانوا معادين لجميع الأديان، كما هو حال الشيوعيين، وإما كانوا يميلون، كما هو حال المسلمين، إلى اعتبار الديانة اليهودية على أنها دين قامعيهم الذين حولوهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية، بحسب ما يتصورون.
إن المسلمين ككل لا يبدون اهتماما يذكر بفعاليات الحوار بين الأديان، فيما تكون معلوماتهم عن معتقدات وتصورات جيرانهم معدومة أو ضئيلة بحيث تقل حتى عن معلومات المسيحيين واليهود عن المسلمين. لقد كان ثمة أفراد أفذاذ ساهموا في فعاليات الحوار بين الأديان، ولكنهم كانوا قلة وقد أُحبطت جهودهم بفعل التطابق الذي نشأ مؤخرا في أذهان الكثير من اليهود بين الإسلام وبين العنف الذي يمارسه حزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة، واللذين يقودان معارضة أي عملية لإحلال السلام في المنطقة.
كان العرب المسيحيون الذين يعيشون في إسرائيل (ويشكلون أقل من 3% من السكان) والذين ينتمي معظمهم إلى الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، يترددون في بعض الأحيان في الاستجابة لمبادرات الحوار بين الأديان، فقد كانوا يعتبرون المشاركة في الحوار تهديدا محتملا لمركزهم الضعيف أصلا أمام المسلمين. لذلك كانوا ميالين إلى تجنب أي شيء يؤدي بالمسلمين إلى الاشتباه بهم بأنهم يقيمون حوارا إيجابيا مع ممثلي الديانة اليهودية.
وفي السنوات الأخيرة اتجهت معارضة بعض جوانب السياسة الحكومية الإسرائيلية إلى توثيق العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، مع أنه لا يعرف مدى التغيير الحاصل في مواقفهما من بعضهم البعض، علما بأن المسيحيين يخافون من المسلمين، لا سيما الأصوليين منهم. أما المسلمون فيميلون إلى اعتبار المسيحيين أناسا لا يعول عليهم كليا، ومقربين  نوعا ما من الغرب زيادة عن الحد المناسب.
يميل المسيحيون واليهود والمسلمون في إسرائيل إلى البقاء كل ضمن ثقافته ومجتمعه، ولذلك تكون معرفتهم بمعتقدات الغير ضئيلة. وينعكس ذلك في المناهج التعليمية المعمول بها في الجهازين التعليميين اليهودي والعربي على حد سواء، حيث لا يخرج الاهتمام بالديانة الأخرى عن حده الأدنى. ويمكن القول إن وزارة التعليم الإسرائيلية لم تبذل الكثير من الجهد في مراجعة المناهج التعليمية لتضمينها معلومات تفيد الناشئين في التعرف على أديان غير دينهم.

مساهمات إيجابية في فعاليات الحوار بين الأديان
ولكن تشجيع فعاليات الحوار بين الأديان جاء من اتجاهات عدة، حيث كان روادَ هذا العمل هم ممثلو الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية من خارج إسرائيل والذين يقيمون في الأرض المقدسة لأسباب دينية تدعوهم إلى الإسهام في الإشراف على الأماكن المقدسة للمسيحيين، حيث يؤدون وظائف مختلفة تتعلق بالحجاج المسيحيين والعملية التعليمية والعمل الاجتماعي ومعظمهم مع السكان العرب.
وينتمي الكاثوليك منهم إلى كنيسة ابتعدت خلال الخمسين سنة الأخيرة عن مواقفها السابقة المعادية بقوة للطوائف المسيحية الأخرى وللطائفة اليهودية وللأديان الأخرى. ففي عام 1962 استبعدت الكنيسة الكاثوليكية بتوجيهات من قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرين من طقوسها وشعائرها المواد الموصومة بمعاداة السامية، لتقدم على إقامة علاقة جديدة بين اليهودية والمسيحية. وفي نفس الوقت تقريبا، طرأ تحسن ملحوظ على علاقات الكنيسة الكاثوليكية بكل من الكنيستين الأنغليكانية واللوثرية، حيث تم تأسيس حوار بين الطوائف الشرقية من روم أرثوذكس وأرمن وأقباط وغيرهم.
ويعتبر قرار إقامة معهد مسكوني في الطنطور في منطقة بيت لحم سنة 1964 رمزا لتطلع الكنيسة الكاثوليكية إلى مد سياستها الوفاقية الجديدة إلى الأرض المقدسة. ويقدم معهد الطنطور دورات دراسية للكهنة المسيحيين الراغبين في التعرف على أرض الكتاب المقدس، حيث تشمل هذه الدورات المواد المصممة لتعليم فهم اليهودية والإسلام ، علما بأن الهيئة التدريسية للمعهد تضم مدرسين من المسيحيين واليهود والمسلمين. ولا يقل عن ذلك أهمية كون المعهد مركزا للتلاقي بين الإسرائيليين والفلسطينيين الراغبين في تقاسم خبراتهم أو مناقشة خلافاتهم بروح إبداعية، بحيث يضمن معهد الطنطور أجواء من الأمان والطمأنينة للحوار.
وقد بادر رجل الدين المعروف، المرحوم الأب برونو هوسار، إلى اقتحام مساحات جديدة حين ساهم إبان عقد الثمانينات في تأسيس قرية نيفيه شالوم (واحة السلام) الكائنة بالقرب من مدينة أورشليم القدس، حيث تعيش الأسر العربية واليهودية سوية، والتي تضم مركزا للتأمل مشتركا بين الأديان.
وكانت كنائس أخرى توجد مراكزها في أوروبا وأميركا الشمالية تتوق هي أيضا لتعزيز حوار الأديان في إسرائيل، من بينها الكنيسة المشْيَخِيَّة الاسكتلندية والكنائس البروتستانتية السويدية  والكنيسة الإصلاحية الهولندية، والتي كانت جميعا ناشطة في دفع الفعاليات الهادفة لتشجيع التفاهم بين الأديان.
ولعل أكثر المبادرات توفيقا كانت تلك المتخذة في المناطق الريفية للجليل المأهولة بالمسيحيين والمسلمين واليهود على السواء، ومن بينها مبادرة إلياس جبور الذي يقدم "بيت الأمل" الصغير الذي أقامه في بلدة شفاعمرو المجاورة لحيفا فعاليات تستهدف جمع المجتمعات المحلية المسيحية والمسلمة واليهودية في التواصل والحوار. أما الأب إلياس شكور وهو قس متشدد مفعم بالحيوية والنشاط من الروم الكاثوليك في قرية اعبلين بالجليل الغربي، فقد أسس مدرسة ثانوية ناجحة ينتمي تلامذتها إلى الديانتين الإسلامية والمسيحية، فيما ينتمي عدد من مدرسيها إلى الديانة اليهودية.
ومن بين القوى الإيجابية الأخرى من حيث الحوار بين الأديان المذهبان المحافظ والإصلاحي في الديانة اليهودية، واللذان ما زالا يواجهان صعوبة في ترسيخ جذورهما في البلاد أمام ما يلاقيانه من معارضة اليهود الارثوذكس، ويتميزان بانفتاحهما على الحوار مع سائر الأديان، علما بأن عددا من الحاخامات الأرثوذكس ينشطون كأفراد في شؤون الحوار، منهم الحاخام دافيد روزين الذي سبق أن شغل منصب كبير الحاخامات في إيرندا، وأصبح الآن يشغل مركزا فريدا في حوار الأديان، بصفته مديرا دوليا للشؤون الدينية ضمن اللجنة الأمريكية اليهودية، ورئيسا مشاركا "للأديان من أجل السلام"، بالإضافة إلى إسهاماته النشطة في مبادرات تطلق في مختلف أنحاء العالم من أجل دفع التفاهم بين الأديان. وقد أدى دورا مهما في المفاوضات مع الفاتيكان التي انتهت إلى اعتراف الأخير بدولة إسرائيل في العام 1993 وإنشاء لجنة ثنائية للحوار بين الحاخامية الكبرى في إسرائيل والكرسي الرسولي، وهو تطور في غاية الأهمية يسمح لليهود والكاثوليك بمراجعة علاقاتهم بشكل منتظم والاستجابة للتحديات التي تجابه التفاهم المشترك.
وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية تدعم بقوة نشاطات الحوار بين الأديان، بل يمكن اعتبار ذلك مؤشرا على السياسة الخارجية الإسرائيلية العامة التي تسعى للمضي قدما بالتفاهم بين الأديان واضعة نصب عينيها توثيق العلاقات مع العالم ككل وما بين الطوائف داخل إسرائيل، وإن لم يكن ذلك يعني بالضرورة تخصيص الموارد لهذه الأمور.
وقد تعززت جهود الجمعية الإسرائيلية لحوار الأديان المذكورة آنفا بفعل تأسيس مجلس التنسيق بين الأديان (ICCI) سنة 1991، والذي يسعى لتعزيز التفاهم بين الأديان والانسجام الثقافي في إسرائيل ويؤدي دورَ مرْكزٍ لتبادل المعلومات حول فعاليات الحوار بين الأديان في إسرائيل والخارج. كما يقوم المجلس بدفع فعاليات تستهدف الجمع بين الذين يسعون لأن يفهم كل منهم بشكل أفضل معتقدات الآخر. وقد ركز المركز في الآونة الأخيرة على العمل مع الشباب والنساء.
ومن بين المنظمات المشاركة في المجلس والبالغ عددها ما يقارب الستين منظمة، هيئات تركز بشكل أساسي على الحوار المسيحي اليهودي، مثل الأخوية اللاهوتية العالمية وهي مجموعة ذات بعد أكاديمي للاهوتيين ورجال الدين. وفي المقابل، ثمة منظمات أخرى، من أمثال مركز الحلقات الدراسية للتعددية في القرية التعاونية (كيبوتس) ملكية في إسرائيل، الذي يعمل على دفع العلاقات المعتمدة على المجتمعات. وهناك هيئات مثل رهبنة أخوات صهيون الكاثوليكية التي تم تأسيسها في أواسط القرن التاسع عشر من أجل تعزيز التفاهم المسيحي اليهودي، وتعمل منذ مدة طويلة في حقل حوار الأديان، فيما بدأت هيئات أخرى عملها حديثا. يشار أيضا إلى أن عددا قليلا فقط من المنظمات المسجلة في عضوية المركز تنتمي إلى الديانة الإسلامية بالذات.
ومن الهيئات الأكثر نشاطا "مركز أورشليم القدس للعلاقات اليهودية المسيحية" والذي يقوم بفعالياته ضمن المجتمع اليهودي العام في إسرائيل بالتعاون مع طوائف مسيحية محلية. وتهدف نشاطاته لمكافحة الجهل والصور النمطية السلبية وتعزيز التفاهم بين اليهود والمسيحيين العرب المحليين. ورغم حداثة عهده، حيث تأسس سنة 2004، إلا أن عدد الأفراد المشاركين في فعالياته خلال عام 2008 قد بلغ نحو 4000 شخص.
وهناك منظمة أخرى تهتم بأمور حوار الأديان تدعى "جمعية لقاء الأديان" ومع أنها تحصر نشاطها في إسرائيل، إلا أنها قد بذلت جهودا جبارة في توسيع نطاق النشاط المشترك للأديان ليشمل الطوائف الفلسطينية. وقد أقدمت هذه المنظمة على تنظيم تشكيلة واسعة من اللقاءات التي جمعت، بحسب تقريرها السنوي، ما يربو على 4 آلاف نسمة، كما ركزت بشكل خاص على تشكيل مجموعات نسائية من مجموعات دينية مختلفة.
وفيما انصبّ معظم جهود الحوار بين الأديان في إسرائيل خلال ستين عاما خلت على تحسين العلاقات بين الكنيسة واليهود من خلال رفع سوء الفهم بينهما في أمور اللاهوت، فإن هناك حاليا رغبة بين جميع المعنيين بفعاليات حوار الأديان في إسرائيل في توسيع نطاق الحوار ليشمل المزيد من الطوائف المسيحية المحلية بالإضافة إلى المسلمين وممثلي المجتمع اليهودي الأرثوذكسي. ولكن التقدم على هذه الجبهة بطيء.
كان مؤتمر دولي كبير عقد في أورشليم القدس خلال التسعينات قد أظهر بشكل إيجابي قيمة الحوار بين الأديان، حيث تجمع نحو 600 من القادة المسيحيين واليهود لمناقشة التحديات التي تواجه الدين من قبل العلم والمستجدات الاجتماعية. وضم المؤتمر بعض الكرادلة البارزين وبطريرك أورشليم القدس، وهو من العرب، ورئيس أساقفة كانتربري والأساقفة من كل من إفريقيا وآسيا، بالإضافة إلى الحاخامَين الأكبرين لفرنسا وجنوب إفريقيا وعدد من الحاخامات والأكاديميين الإسرائيليين، حيث اختلط هؤلاء بأساتذة العلوم وخبراء علم الاجتماع بطريق كان يعتبر مستحيلا قبل بضعة عقود من السنين. وقد لاقى المؤتمر بعض المعارضة من أوساط اليهود الأرثوذكس، ولكنه كان ناجحا بوجه عام، وإن كان أثره على المدى البعيد محدودا.
والشيء ذاته ينسحب على اجتماع مثير عقد سنة 2002 وكان بمثابة رمز لاعتراف القادة الروحيين في المنطقة وخارجها بوجوب قيامهم بدور في حل النزاع القائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فقد اجتمع برعاية رئيس أساقفة كانتربري قادة روحيون من بينهم الحاخام الأكبر السفاردي الإسرائيلي وشيخ الأزهر وعدد من مشايخ الضفة الغربية ورؤساء طوائف مسيحية مختلفة في أورشليم القدس وغيرها في مدينة الإسكندرية، حيث وقعوا على "إعلان الإسكندرية" الذي حض جميع أطراف النزاع على تجنب العنف ودعا أتباع الديانات الثلاث إلى إبداء التسامح والتفاهم سعيا وراء السلام. على أنه ليس بالسهل ملاحظة أي نتيجة مباشرة لذاك الإعلان، علما بأن الجهود الرامية إلى عقد اجتماعات متابعةٍ وممارسة التأثير المباشر على السياسات لم تأت بأي نتيجة واضحة. وبشكل عام لم تؤد القيادات الدينية دورا ملحوظا في دفع السلام، بحسب ما يظهر في الإعلام على أية حال، وإن كان من الممكن دائما أن يكون التأثير تم ممارسته من وراء الكواليس.
وفي وقت لاحق جرى حوار هام برعاية المؤتمر العالمي للأئمة والحاخامات من أجل السلام والذي قام خلال مؤتمر عقده في اسبانيا عام 2006 بتشكيل لجنة لحماية الأماكن المقدسة ينتمي إلى عضويتها الحاخام كوهن، كبير حاخمات مدينة حيفا والشيخ عماد الفالوجي إمام غزة. وبادر المؤتمر أيضا بوضع مناهج تعليمية تهدف إلى تعريف الناشئين بأهم تعاليم الديانات السماوية الثلاث ومدى صلتها بقضية التسامح.

خلاصة
كما رأينا، فإن مجموعات كبيرة موجودة فعلا خارج الحوار، وهي السواد الأعظم من المسلمين (القادة وأتباعهم على السواء) ومعهم معظم الحاخامات الأرثوذكس والطوائف اليهودية. أما نظرة المسيحيين المحليين إلى فعاليات الحوار بين الأديان فتختلف كثيرا عن بعضها البعض، ولكن ثمة مؤشرات على أن القيادات الأرثوذكسية اليهودية تزداد وعيا بقضية حوار الأديان، ومعها القيادات المسيحية. ولكنْ وحدهم المسيحيون "الغربيون" الذين يستمدون قوتهم من صلاتهم خارج إسرائيل والجناح الليبرالي للرأي العام الإسرائيلي وبعض القادة الروحيين من ذوي الرؤى الأكثر انفتاحا من رؤى معظم زملائهم يشاركون بشكل كامل في هذه الفعاليات.
إن الذين يتطلعون إلى حوار الأديان كي يغير العلاقات بين الطوائف الدينية في إسرائيل أو يدفع قدما بالسلام في المنطقة قد يكونون غير واقعيين، فإن الدين في إسرائيل والشرق الأوسط عامة يشكل عنصرا أكثر تفرقة منه  عامل انسجام. ولكن ذلك لا يعني أن الجهود الرامية للحوار مجرّد مضيعة للوقت، إذ إن العملية البطيئة والمؤلمة المفضية إلى الاعتراف المتبادل والتفاهم والتي ساهمت فعلا إلى حد ما برأب الصدع بين اليهود والمسيحيين وبين كنائس مسيحية مختلفة ستستمر في إسرائيل رغم الانتكاسات والأجواء السياسية القاسية، مع العلم بأن ظهور الأصولية والذي يعزز الكراهية للآخر والشك فيه يجعل بذل هذه الجهود ضرورة أكثر إلحاحا.
وكما ذكر أعلاه، فإن فعاليات الحوار بين الأديان في إسرائيل تمارسها قلة من الناس، حيث يمثل الإسرائيليون المساهمون فيها بغض النظر عن ديانتهم نسبة قليلة نسبيا، فيما تجري معظم فعاليات المنظمات المذكورة في أورشليم القدس والجليل، وذلك لسبب واضح هو أن معظم الطوائف الإسلامية والمسيحية تقطن هاتين المنطقتين. أما تغيير هذا الوضع فيتطلب من الحكومة الإسرائيلية اتخاذ موقف أكثر إيجابية من التفاهم بين الأديان، وقد يفوق  ذلك أهمية توظيف الأموال من قبل مختلف المنظمات الدينية ذات الصلة أو المانحين الدوليين، إذ إن النقص في التمويل يحد بصورة كبيرة من جهود جميع منظمات الحوار بين الأديان داخل إسرائيل ويحول دون إنشاء مراكز لحوار الأديان والخروج بمبادرات مشتركة مدعومة من ممثلي الديانات الثلاثة في مجالي التعليم والعلاقات بين الطوائف، وهو ما من شأنه أن يساعد على دفع التفاهم بين فئات أكبر من السكان.
من الواجب الإيمان بأن الدين قادر في المدى البعيد على أن يكون وسيلة لدفع التفاهم والسلام، لا أداة لتعزيز الأحكام المسبقة والكراهية. وكما قال البطريرك اللاتيني السابق لأورشليم القدس، غبطة البطريرك ميشال صباح: "نحن المسيحيين والمسلمين واليهود أبناء الديانات الإبراهيمية الثلاث، نشهد من بعض أتباع هذه الديانات مجهودا لاستثمار الدين واستغلاله بقصد تنمية التعصب باسم الرب وعلى حساب أفراد ومجتمعات. فهناك من يستبدلون إله القدسية والحق والحب للجميع بآلهة فظة يتم تكوينها من خلال كل ما هو شرير في ذواتنا. إن علينا جميعا اكتشاف قدسية الله وسموه وحبه باعتبارها مرشدنا الحقيقي إلى القبول والاحترام المتبادل في حياتنا اليومية وتجديد وجه بلادنا وأورشليم مدينتنا التي هي أم المؤمنين كافة وموطنهم الروحاني".







أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
 
   الأقليات في المجتمع الاسرائيلي
   علاقات إسرائيل – الفاتيكان
   التوراة والعهد الجديد
   شخصية المسيح في اليهودية وفي المسيحية
   ما وراء العناوين: إسرائيل ترحب بحج قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر للديار المقدسة
   المواقع التي سيزورها قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر
           
     الردود (feedback) | خارطة الموقع