|
حوار الأديان في إسرائيل – حالة معقدة
يزداد النظر في مسألة حوار الأديان في إسرائيل تعقيدا جراء ضرورة التطرق ليس إلى العلاقات اليومية بين مختلف الأديان في البلاد بحد ذاتها، وإنما للنظرة الأكثر شمولا. إن المسيحيين واليهود والمسلمين يعتبرون مدينة أورشليم القدس، عاصمة إسرائيل، مدينة مقدسة والأرض الواقعة ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط أرضا مقدسة. أما بالنسبة لليهود، فإنها موطنهم وبؤرة إيمانهم، بينما تشكل بالنسبة للمسيحيين أرضا يؤمها الحجاج، حيث عاش عليها المسيح ومات. وبالنسبة للمسلمين يقول تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم – اليونسكو - تم تبنيه مؤخرا "إن الأهمية القصوى للقدس كثالث الحرمين ليست موضع شك أبدا". وتنطوي إسرائيل على مغزى خاص لدى أبناء الديانات الثلاث جميعا، حيث تقع على أرضها معابد ومواقع دينية تابعة لكل منها، ترتبط بها من جهة وتتصارع فيما بينها حول الهيمنة والسيطرة عليها من جهة أخرى، وهو ما يجعل نوعية العلاقات بين الديانات الثلاث داخل إسرائيل ذات طبيعة يعدو مغزاها كونه إقليميا محضا. كما أنه يضفي أهمية خاصة على علاقات كل منها مع أتباعها خارج إسرائيل وعلى الحركات الروحية والفكرية واللاهوتية في المجتمعات الدينية الأكبر التي تنتمي إليها. ويستطيع المرء أن يجد بين أتباع جميع الأديان مؤيدين للانسجام بين الأديان إلى جانب من يعتبرون أن الإيمان يعني الامتثال للنصوص الدينية بحذافيرها، علما بأن هؤلاء كثيرا ما يناصبون العداء لمعتقدات تختلف عن معتقداتهم، وهو ما ينتج في حالات كثيرة عن جهله تلك المعتقدات، ولكن يعود في حالات أكثر إلى إيمانهم المتحمس المتأثر بسهولة بمناورات القادة الروحيين الذين لا تتسع أوقاتهم للانشغال بالتسامح. يحظى الإسرائيليون المؤمنون بالتفاهم بين الأديان بالدعم الفكري من رموز النشاط الحواري على المسرح العالمي، مثل "الأديان من أجل السلام" والمنظمات المهتمة بتنمية التفاهم بين الأديان، مثل "مجلس المسيحيين واليهود" وأبناء الديانات الكبرى المؤمنين بالتفاهم بين الأديان. وقد تمكنوا على مر السنين من الحصول على دعم مالي محدود من بعض المؤسسات الدولية. أما الذين ينجذبون وراء الرؤية الأصولية، فيستمدون التشجيع من قوى خارجية مثل البروتستانت من أتباع كنيسة العنصرة في الولايات المتحدة والذين يدعمون إسرائيل بكل قوة وثبات غير مبالين بالمعتقدات الإسلامية أو من علماء أكبر الطوائف الإسلامية في الشرق الأوسط، ممن يقدمون الدعم اللاهوتي لمفهوم الجهاد. ومن هذه الناحية، كما من نواح أخرى لا حصر لها، تشكل إسرائيل صورة مصغرة للعالم، من حيث مواجهة التسامح للتعصب، لتدور الحرب بينهما حول مروحة من القضايا وبطرق شتى. وبطبيعة الحال، تأثرت العلاقات بين الأديان في إسرائيل بشكل سلبي بالتطورات الحاصلة في العالم منذ عام 2001. كان الفيلسوف موردخاي بوبر، وحين هاجر إلى إسرائيل عام 1938، قد بدأ بتعليم نوع جديد من الفلسفة الإنسانية اليهودية، وهي الفلسفة الداعية إلى الاعتراف المتبادل بين الديانات والمرتكز على إدراك أن ثمة مفاهيم أساسية معينة مشتركة لليهودية والإسلام والمسيحية، بل لجميع الأديان الكبرى. وقد لا يكون مفاجئا أن يكون بوبر واجه قدرا كبيرا من العداء من جانب الأوساط اليهودية الأرثوذكسية، ولم يحظى بالتقدير والاعتراف داخل إسرائيل بقدر ما كان يتمتع به من تقدير في أوروبا ما قبل الحرب العالمية الثانية. ولكن بوبر تمكن من إحاطة نفسه بمجموعة ممن كانوا يشاطرونه رؤيته من المسيحيين واليهود والمسلمين، حيث استطاع من خلال استعانته بهم تأسيس الجمعية الإسرائيلية للحوار بين الأديان التي وضعت نصب عينيها إقامة علاقات أفضل بين أبناء الديانات الثلاث في إسرائيل, وخلال الأربعين سنة الأخيرة تقريبا أقامت هذه الجمعية تشكيلة واسعة من الحلقات الدراسية والندوات، كما أصدرت عددا من الكتب والكتيبات وقامت بمختلف النشاطات ضمن هيئات دولية مختصة بخلق تفاهم عالمي بين ممثلي مختلف الأديان. بيد أن تأثير بوبر وأتباعه لم يكن له سوى أثر محدود على البلاد، ويعود ذلك لعدة أسباب، أولها أن المناخ السياسي في إسرائيل لم يكن مجديا، حيث هناك عدد كبير من الإسرائيليين وأبناء عائلاتهم الذين عانوا العذاب على أيدي المسيحيين في أوروبا خلال المحرقة النازية، بينما خسر آخرون أموالهم وممتلكاتهم عندما قدموا إلى إسرائيل خلال الخمسينات من القرن الماضي آتين من مختلف بلدان الشرق الأوسط، وإن كانت خسارتهم أقل إيلاما مما عاناه اليهود الأوروبيون. ومما زاد من قوة شعور بعض الإسرائيليين بالعداء نحو الإسلام، الحروب التي نشبت بين إسرائيل وجاراتها العربية التي ينتسب معظم مواطنيها، بل جميعهم تقريبا، إلى الديانة الإسلامية، حتى وإن كانت حكوماتهم ذات طبيعة علمانية. ولم يكن في أحداث العقد الماضي ما يمكن أن يضعف هذا العداء. أما إسرائيل فكانت دائما تحكم من حكومات علمانية، سواء كانت اشتراكية لا مبالية نسبيا بالدين بغض النظر عن لونه، أو قومية كانت تستخدم الدين أساسا كأداة لبناء الدولة ووسيلة لإيجاد هوية وطنية. وكانت المجموعتان تميلان للنظر إلى المسيحيين والمسلمين في إسرائيل وجميعهم تقريبا من العرب، على أنهم لا يعتمد عليهم سياسيا. وفي حين كانت السلطة حريصة على الشكليات في علاقتها مع المؤسسات الدينية، تحمي الأماكن المقدسة للمسيحيين والمسلمين وفقا للوضع القائم الذي بدأ العمل به تحت حكم العثمانيين في أواخر القرن التاسع عشر، إلا أنها لم تبد اهتماما بتحسين فهمها لأمور هاتين الأقليتين اللتين تعيشان إلى جانب الأكثرية اليهودية. يميل معظم السكان اليهود المتدينين المتزمتين والمتدينين القوميين والمقدّرة نسبتهم بما بين 10 و 15 في المئة من مجموع السكان، إلى النظر إلى الأديان الأخرى على أنها كيانات معادية يجب محاربتها على جميع المستويات، بل إن الكثيرين منهم يقاومون أي مجهود يتم بذله لفتح حوار مع أبناء الديانات الأخرى. إنه مجتمع يقف قادته وجمهوره موقف اللامبالاة تارة والمعارضة تارة أخرى من قضية التفاهم بين الأديان. يشار إلى أن ثمة أغلبية كبيرة من اليهود، سواء كانوا متزمتين أو معتدلين من حيث معتقداتهم الدينية، أو علمانيين، لا يملكون معلومات تذكر حول المعتقدات الأساسية للأديان الأخرى، حيث لم يلتق معظم صغار السن من اليهود يوما بمسيحي أو مسلم في مناسبة اجتماعية. على أن نظرة المسلمين إلى اليهود ليست أفضل من ذلك، علما بأن الدول العربية التي اجتاحت جيوشها إسرائيل في سنة 1948 هُزمت في الحرب التي تلت ذلك الاجتياح، فوجد العرب الذين لم يصبحوا لاجئين أنفسهم أقلية ضمن الدولة اليهودية، حيث تعلموا اللغة العبرية وتكيفوا إلى حد بعيد مع الحياة في مجتمع يهيمن عليه اليهود، ولكن قادتهم، إما كانوا معادين لجميع الأديان، كما هو حال الشيوعيين، وإما كانوا يميلون، كما هو حال المسلمين، إلى اعتبار الديانة اليهودية على أنها دين قامعيهم الذين حولوهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية، بحسب ما يتصورون. إن المسلمين ككل لا يبدون اهتماما يذكر بفعاليات الحوار بين الأديان، فيما تكون معلوماتهم عن معتقدات وتصورات جيرانهم معدومة أو ضئيلة بحيث تقل حتى عن معلومات المسيحيين واليهود عن المسلمين. لقد كان ثمة أفراد أفذاذ ساهموا في فعاليات الحوار بين الأديان، ولكنهم كانوا قلة وقد أُحبطت جهودهم بفعل التطابق الذي نشأ مؤخرا في أذهان الكثير من اليهود بين الإسلام وبين العنف الذي يمارسه حزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة، واللذين يقودان معارضة أي عملية لإحلال السلام في المنطقة. كان العرب المسيحيون الذين يعيشون في إسرائيل (ويشكلون أقل من 3% من السكان) والذين ينتمي معظمهم إلى الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، يترددون في بعض الأحيان في الاستجابة لمبادرات الحوار بين الأديان، فقد كانوا يعتبرون المشاركة في الحوار تهديدا محتملا لمركزهم الضعيف أصلا أمام المسلمين. لذلك كانوا ميالين إلى تجنب أي شيء يؤدي بالمسلمين إلى الاشتباه بهم بأنهم يقيمون حوارا إيجابيا مع ممثلي الديانة اليهودية. وفي السنوات الأخيرة اتجهت معارضة بعض جوانب السياسة الحكومية الإسرائيلية إلى توثيق العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، مع أنه لا يعرف مدى التغيير الحاصل في مواقفهما من بعضهم البعض، علما بأن المسيحيين يخافون من المسلمين، لا سيما الأصوليين منهم. أما المسلمون فيميلون إلى اعتبار المسيحيين أناسا لا يعول عليهم كليا، ومقربين نوعا ما من الغرب زيادة عن الحد المناسب. يميل المسيحيون واليهود والمسلمون في إسرائيل إلى البقاء كل ضمن ثقافته ومجتمعه، ولذلك تكون معرفتهم بمعتقدات الغير ضئيلة. وينعكس ذلك في المناهج التعليمية المعمول بها في الجهازين التعليميين اليهودي والعربي على حد سواء، حيث لا يخرج الاهتمام بالديانة الأخرى عن حده الأدنى. ويمكن القول إن وزارة التعليم الإسرائيلية لم تبذل الكثير من الجهد في مراجعة المناهج التعليمية لتضمينها معلومات تفيد الناشئين في التعرف على أديان غير دينهم.
|