التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديانة اليهودية     ذرية إبراهيم     التقويم

التقويم

فصل من كتاب "ذرية إبراهيم" - مقدمة عن اليهودية للمسلمين
تأليف: روبن فايرستون

يتم حساب السنين في التقويم اليهودي التقليدي من بداية الخليقة كما حددها التقسيم الزمني في التناخ. ولقد كان ذلك بإضافة أعمار كل الشخصيات المذكورة في سلسلة الأنساب إلى آدم صعوداً.  وبالطبع فإن الرقم الذي تم التوصل إليه لعمر العالم أقل بكثير من الرقم الذي قدمه العلم الحديث، لكن هذا لا يشكل مشكلا بالنسبة للأهداف الدينية التقليدية.  ويوجد فرق كبير أيضا بين السنة اليهودية والسنة في التقويم الغريغوري المستعمل في كل العالم.  فعلى سبيل المثال إن عام 2001 في هذا التقويم يطـابق عام 5761 في التقويم اليهودي.

التقويم اليهودي، كالتقويم الإسلامي، مبني على دورة القمر كل شهر يبدأ وينتهي بظهور الهلال الجديد.  يتم تحديد الهلال الجديد في العصور القديمة بناء على شهادة المراقبين في القدس، لكن التاريخ الدقيق أصبح اليوم يبحسب باستخدام الرياضيات.  تتكون السنة القمرية من 354 يوما، أي أقل من السنة الشمسية بأحد عشر يوما.  ومن أجل ضبط السنة القمرية مع التقويم الشمسي لضمان وقوع الأعياد السنوية في الموسم السنوي نفسه فإن التقويم اليهودي، على عكس التقويم الإسلامي، يتم ضبطه على الدوام من خلال عملية تسمى بالكبس (بما يتطابق مع مواسم الحصاد في ارض إسرائيل)، ويتم ذلك بإضافة شهر مدته ثلاثون يوما يسمى آذار الثاني (أدار شيني) سبع مرات كل دورة تسعة عشر سنة . وبفضل الكبس على هذا النحو فإن الأعياد اليهودية تتحرك مقبلة ومدبرة داخل امتداد عشرين يوما تقريبا كل سنة شمسية47 ، لكنها دائما تقع في الموسم السنوي نفسه.

تبتدأ الأيام في التقويم اليهودي بغروب الشمس، ربما كان ذلك بناء على الكلمات التي وردت في سرد التوراة لقصة التكوين التي تقول:  "وهكذا جاء مساء أعقبه صباح، فكان اليوم الأول".... وهلم جرا.  ومن جهة أخرى، ربما يكمن السبب في واقع كون بني إسرائيل مجتمعا زراعيا في الأساس وبما أن يوم عمل المزارع أو الصانع ينتهي بغروب الشمس، ربما كان ذلك وقتا طبيعيا لبدء الإجراءات لليوم المقبل، وبالتالي اعتبار ذلك بداية لليوم الجديد.

كانت الرسل تبعث في العصور القديمة إلى كل التجمعات اليهودية في أرض بني إسرائيل لإعلان بداية الشهر الجديد عندما كان يتم تحديد رؤية الهلال بشهادة المراقبين في مدينة بيت المقدس.  وفيما بعد، يتأخر الرسل في الوصول إلى التجمعات اليهودية التي بدأت تستقر خارج أرض إسرائيل، وأصبحت المسافات بينها وبين بيت المقدس كبيرة، وكان الخوف أن يبدأ يهود الشتات الشهر الجديد متأخرين، وكنتيجة لهذا فقد يحتفلون ببعض الأعياد في غير موعدها.  وهكذا أصبحت العادة في الشتات أن تستمر الاحتفالات لمدة يومين لضمان أن أحدهما هو اليوم الدقيق المطلوب في التوراة.  أما في إسرائيل، فإن الاحتفال بالأعياد نفسها يستمر يوما واحدا فقط لأن كل التجمعات تعتبر قريبة من القدس بما فيه الكفاية لاستقبال الرسل في الوقت المناسب.  ما تزال عادة الاحتفال بالأعياد لمدة يومين قائمة خارج أرض إسرائيل حتى يومنا هذا بالرغم من أن البداية الدقيقة لتاريخ الهلال الجديد (وبالتالي للأعياد) تحدد عن طريق الحسابات الرياضية.

 لقد تطور التقويم اليهودي عبر زمن طويل، وخضع لتأثير كثير من الحضارات.  لقد جاءت أسماء الشهور الحالية إلى اليهودية عن طريق النفي البابلي، لكن قد استخدمت أسماء أخرى من قبل .  إن معظم المهرجانات والأعياد لها مسميات مختلفة تعكس فترات زمنية مختلفة وظواهر مختلفة للأعياد.  ومن نتائج التغييرات في التقويم  اليهودي فهو يشتمل على أكثر من سنة جديدة.  تقوم بعض الحضارات باعتبار بداية الدورة السنوية للشمس في فصل الربيع بينما بعضها الآخر يعتبرها في فصل الخريف.  وبالرغم من أن شهر نيسان/إبريل في فصل الربيع هو أول شهر في التقويم اليهودي، فإن روش هشناة (عيد رأس السنة اليهودية) يقع في اليوم الأول من الشهر السابع، تشري، في فصل الخريف وقد يبدو هذا غريبا لأول وهلة، لكن لدينا وضع مشابه في كثير من البلدان الغربية التي تعتبر بداية السنة المالية أو الأكاديمية في شهر تموز/يوليو أو شهر تشرين الأول/سبتمر خلافا لأول يوم السنة الجديدة في شهر كانون الثاني/يناير.

السبت
يتكرر وقوع يوم السبت إحدى وخمسين مرة في كل سنة يهودية أو خمسة وخمسين بحسب سنوات الكبس.  ولكن بالرغم من هذا التكرار الكثير فإنه يعتبر أقدس من كل الأعياد الأخرى باستثناء عيد واحد.  فالسبت هو فعلا العيد الجوهري في الديانة اليهودية.  إن الحياة اليهودية تدور حول يوم السبت الذي يعتبر المبدأ الأسـاسي لتنظـيم الحياة اليهودية. ولقد ربطته التوراة بفعل التكوين نفسه (التكوين 2: 1ـ4) "وهكذا اكتملت السماوات والأرض بكل ما فيها. وفي اليوم السابع أتم الله عمله الذي قام به فاستراح فيه من جميع ما عمله.  وبارك الله اليوم السابع وقدسه، لأنه استراح فيه من جميع أعمال الخلق".
 لقد ربطت الوصايا العشر هذا المقطع بضرورة التوقف عن أي عمل ذي شأن يوم السبت (الخروج 2.: 8ـ11):
  اذكر يوم السبت لتقدسه. ستة أيام تعمل وتقوم بجميع مشاغلك.
  أما اليوم السابع فتجعله سبتا للرب إلهك ، فلا تقم فيه بأي عمـل
  أنت أو ابنك أو بنتك أو عبدك أو أمتك أو بهيمتك أو النزيل داخل
  أبوابك.  لأن الرب قد صنع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها
  في ستة أيام ثم اسـتراح في اليوم السابع.  لهذا بارك الرب يوم
  السبت وجعله مقدسا. "

 إن منطق اشتراط الراحة يوم السبت نابعة من التوقع بأننا كبشر صنعه الله على مثاله (التكوين 5: 1ـ2) يجب أن تكون على ذلك المستوى من طبيعتنا بتقليد ما نستطيعه من الطبيعة الاخلاقية الإلهية.  يجب علينا أن نحاول أن نكون خيرين لأن الله هو الخير المطلق في العالم. وبما أن الله عادل لكنه رحمن رحيم، كذلك فنجاهد لنكون كذلك.  وبما أن الله  استراح من الخلق في اليوم السابع، نحن كذلك نستريح من عملنا في ذلك اليوم، ونتأكد أن عمالنا وحتى حيواناتنا تتمتع بيوم من الراحة كذلك.

أصبح السبت، بالنسبة لليهود، أكثر بكثير من يوم راحة.  فهو يوم إنعاش ديني واجتماعي وفكري، وكذلك إنعاش جسدي للقيام بواجب الامتثال للإرادة الإلهية ـ وهو يوم يكرس فيه اليهودي وقتا ومجهودا إضافيا في الصلاة وفي الوجبات العائلية والأنشطة الاجتماعية وفي الدراسة والتعلم.  فلقد أصبح السبت منحة في الزمن وفرصة للشخص وللمجتمع للتجديد ولشحن الطاقة.  لقد ذهب المؤرخون وعلماء الدين أن الالتزام بيوم السبت كان سببا في الحفاظ على اليهود عبر القرون بالرغم من المصاعب الكثيرة التي واجهوها.  والالتزام بالسبت في حد ذاته علامة العهد بين الله وبني إسرائيل (الخروج 31: 16ـ17).

وكما هو الحال مع كل الأعياد اليهودية فإن السبت يبدأ في المساء مع غروب الشمس يوم الجمعة.  تهيأ وجبات الطعام اليومية مسبقا، ويغتسل كل واحد، ويلبس أفخر ثيابه المريحة.  تولع الشموع في البيت قبل غروب الشمس مع أداء صلاة الاعتراف بقدسية اليوم.  تقام صلوات المساء في المعبد، وبعدها يتم تناول وجبة طعام دسمة في البيت يدعى لها أعضاء الأسـرة الممتدة والضيوف.  يشتمل الأكل على الخمر وهي علامة لفضل الله وبركته، ويتلى دعاء خاص عليها يبين قداسة السبت.  يوضع رغيفان من خبز دسم خاص يسمى حالاة على طاولة الطعام للتذكير بفضل الله ورزقه في الصحراء، ويرتل عليهما دعاء البركة أيضا.  يتناول كل الحاضرين الوضوء أو الغسل قبل الدعاء والابتهال، وهو يعتبر ، إضافة إلى الشعائر الأخرى المذكورة نوعا من الطقوس التي كان يقوم بها الكهان في هيكل القدس في أثناء تقديم القرابين الرسمية.

 وتحضر الأسرة في اليوم التالي (نهار السبت) للعبادة الجماعية في الكنيست. تأخذ شعيرة صلاة يوم السبت وقتا أطول من الصلاة اليومية العادية لأن الوقت متسع للقيام بالصلاة والدراسة.  فيتم ترتيل ومناقشة القراءة الأسبوعية من لفائف التوراة التقليدية، وتضاف صلاة نافلة للعبادة الصباحية.  تعود الأسرة بعد ذلك إلى البيت لتناول وجبة دسمة أخرى وللراحة بعد الزوال.  وتقام الصلاة في العصرية المتأخرة التي تشتمل على قراءة قصيرة من التوراة، وتحوي هذه المرة على الجزء الذي سيتم ترتيله في السبت المقبل. وهكذا يتم بناء جسر بين يوم السبت والسبت الذي يليه. وبعد هذا يتم تناول وجبة أخرى مصاحبة بالأناشيد والدعاء والابتهال، وتبدأ صلاة المساء بعد ظهور ثلاثة نجوم في السماء معلنة بداية يوم جديد.

يوجد ارتباط مزيج الخمر والخبز في كل الأعياد اليهودية، ويرمز هذا إلى الشراكة بين الله والإنسانية بحيث أن الله هو الرزاق للمواد الخام، لكن لا بد لليد الإنسانية أن تعالجها ليظهر الإنتاج النهائي.  ويستهلك الخمر من باب الشكر على اليوم الخاص.  ويسمى هذا قيدوش وهو من ذات المصدر لفعل قدّس بالعربي بمعنى "يطهر" أو "يجعله مقدسا " .  وتستعمل الديانة اليهودية هذه اللفظة دائما من أجل السماح، ولكن في ذات الوقت لوضع قيود على بعض الأفعال البشرية.  فالقيدوش يعترف بقدسية اليوم من خلال تناول الخمر الذي يعتبر شرابا مسكرا بطبيعته. إن الخمر في الديانة اليهودية ليس فقط مباحا، بل إنه متوقع لأنه يبهج النفس في مناسبة سارة.  لكن قداسة فعل تناول الخمر تضع قيودا من أجل تجنب العواقب السلبية المحتملة والحفاظ على قدسية كيانه.

الزواج أيضا مقدس (قيدوشين)؛ فإن الجماع في الديانة اليهودية فعل جميل ومقدس، ويجب أن يكون فترة علاقة، ومحبة وسرور شديد.  لا يعتبر فعلا قذرا كما لا يجب أن يكون فعلا مخجلا.  لكن الجماع ، مثل الخمر، قد يتجاوز المعقول وبإمكانه أن يكون خطرا إذا لم توضع له حدود. فالقيدوشين، أي قداسة الجماع عن طريق الزواج، يضع القيود الضرورية ليتم اعتباره بالفعل عملا مقدسا ومميزا.  إن فعل التقديس (قيدوش ، قيدوشين) يشجع في ذات الوقت الذي يوضع فيه حدود.  إن فعل التقديس، سواء تعلق الأمر بالخمر أو العلاقات الجنسية أو علاقات مشابهة يدعو في آن واحد إلى الانتباه إلى ما تمثله الهدية وخطرها، وبالتالي إلى وضع حدود وتوفير وسائل معقولة للقيام بفعل التقديس.

المهرجانات والأعياد
إن الديانة اليهودية، ديانة الذاكرة، وتوفر الدورة السنوية للمهرجانات والأعياد فرحا لتقديم الشكر والعرفان لتاريخها الطويل، وكذلك لعلاقة اليهودي مع الله والطبيعة ولأرض والبشرية. فقد كان بنو إسرائيل في فترة التناخ المبكرة شعبا زراعيا.  إن بعض الأعياد التي يحتفى بها إلى اليوم تقدم الشكر لله على المحاصيل الزراعية وبعضها الآخر يحتفي بعدد من المناسبات في تاريخ بني إسرائيل ، الانتصارات والكوارث معا.  وفوق هذا فإن بعضها ليس مبنيا على خلفية تاريخية أو اقتصادية بل يركز بالكامل على العلاقة بين الله والبشر.

أيام الخشوع
إن بداية السنة مناسبة للاحتفال والتأمل معاً.  فمن جهة ، إننا نحتفل بوجودنا ونجاحنا في الحصول على الرزق لسد حاجاتنا وحاجات أسرنا.  فعلى الصعيد الأعمق نحتفي ببقائنا وحياتنا في السنة الماضية والدخول في السنة الجديدة المبتدأة.  لكن هذا الاعتراف يجب أن يقودنا إلى نقطة خشوع ونحن نتأمل طبيعة حياتنا ومعناها العميق .  فأيام الخشوع هي فترة يجرب فيها اليهود الاحتفال والخشوع معا.  وتبدأ هذه الفترة بروش هشاناة (عيد رأس السنة) في أول يوم شهر تشري، وهو الشهر اليهودي القمري، وتنتهي بعد عشرة أيام مع يوم كيفور ( يوم الغفران) أقدس يوم في التقويم اليهودي.


روش هشاناة
قد أشير إلى روش هشاناة في التوراة كيوم النفخ في قرن الكبش، وكيوم الذكرى. ويعتبره التقليد اليهودي عيد ميلاد العالم، أي ذكرى الخليقة.  وبالرغم من كونه مناسبة سعيدة فإنه ليس وقتا للحفلات لأنه يجسد أيضا بداية فترة في غاية الصعوبة في البحث الذاتي المكرس لمحاسبة النفس بدقة.  نسعى لتذكير أنفسنا بمجالات فشلنا في السنة الماضية ـ فشلنا مع الآخرين، وفشلنا مع أنفسنا، وفشلنا مع الله.  والقصد من محاسبة النفس بشدة هو مساعدتنا على الشعور بالندم على الأذى الذي ارتكبناه، وردنا إلى الطريق المستقيم لنتمكن من تحسيس أنفسنا، ونعمل بشكل أفضل في السنة المقبلة.  تستمر هذه المحاسبة للنفس مدة عشرة أيام وتصل ذروتها في عيد يوم الغفران يوم العاشر من الشهر.

يتسم القيام بمعظم العادات والطقوس المرتبطة بروش هشاناة في المعبد اليهودي، لكن هناك احتفاء بالطعام في البيت في الليلة الأولى مع أطعمة ذات دلالة.  العسل هو الشائع كرمز للأمل في سنة طيبة قادمة.  يغمس التفاح في العسل ويؤكل، كما يتم تناول خبز العيد الخاص المسمى حالاة  (khallah) .  يتم قضاء معظم النهار في الكنيس الذي تكون فيه الصلوات اليومية العادية طويلة بشكل ملحوظ مع أشعار وأناشيد، وقراءات وطقوس إضافية.  ويعتبر النفخ في الشوفار (البوق) أبرز مظهر في طقوس روش هشاناة. وهذه العادة واجبة في التوراة وقد ينفخ في الشوفار في بعض المعابد مئة مرة. إن صوت الشوفار الحلقي مثير ومزعج في الوقت نفسه.  يمكن أن يساعد على إيقاظ ضمائرنا النائمة، ويمكن أن ينادي للحرب ضد أسوأ جزء من طبائعنا.  وعلى الصعيد الأساسي إنه بمثابة صلاة دون كلمات، وصراخ عاطفي يرتفع من المجتمع إلى الله.
 تعكس الصلوات الخاصة لليوم ثلاثة مبادئ مهمة في الديانة اليهودية:
 ـ قبول الله كمالك العالم،
 ـ الاعتراف بأن الله يعاقب الشر ويجازي الخير،
 ـ الاعتراف بأن الله أنزل التوراة في جبل سيناء وأنه سيأتي بالخلاص النهائي.
 تشتمل الصلوات في هذا اليوم على التصور للوح المحفوظ في السماء الذي كتبت فيه أعمالنا السيئات والحسنات. فإذا كانت حسـناتنا تتجاوز سيئاتنا فسيتم تسجيلنا في كتاب الحياة للسنة القادمة، وإذا كانت سيئاتنا تتجاوز حسناتنا فسيتم تسجيلنا في كتاب الممات.  فلهذا نقوم بالصلاة والدعاء إلى الله أن يصلحنا ويرحمنا ويكتبنا في كتاب الحياة. ويجب على كل شخص أن يطلب المسامحة من غيره.

يوم كيفور
يقع يوم كيفور أي يوم الغفران في العاشر من شهر تشري اليهودي لكن للأيام التي تقود إليه دلالة خاصة.  فهي أيام التكفير العشرة.  وبحسب التقليد، فإن الأخيار تماما يتم تسجيلهم في كتاب الحياة في روش هشاناة (يوم عيد رأس السنة) ويتم تسجيل الأشرار تماما في كتاب الممات. لكن أغلبية بني البشر الساحقة ليست مستقيمة بالكامل وليست شريرة بالكامل.  فإنهم مازالوا يستطيعون أن يستغفروا الله، ويكفروا عن ذنوبهم بإخلاص خلال أيام التكفير العشرة ويتم ضمهم في كتاب الحياة.  يعلم التلمود وجوب اعتبار النفس دائما كأنها نصف مذنبة ونصف بريئة ليكون كل فعل من أفعالنا هو الذي بإمكانه تحديد مصيرنا  إما إلى الحياة وإما إلى الممات ( قيدوشين 4. أ ـ ب) سيقود هذا النوع من الوعي في النهاية إلى تصرفات حسنة وأخلاقية.

إن أبرز ظاهرة يوم كيفور هي الصوم الذي يبدأ قبل غروب الشمس، وينتهي بعد غروبها في اليوم التالي. من المحتمل أن يكون صوم يوم الغفران مثل صوم عاشوراء من الغروب إلى الغروب في اليوم العاشر من شهر محرم في التقويم الإسلامي الذي سنه محمد في المجتمع المدني سنة 622 .  وفي الحقيقة ، فإن الكلمة العربية "عاشوراء" يجوز أن تكون مشتقة من الاسم الآرامي ليوم كيفـور الذي يعني (عشوراء دي تشري) العاشر من شهر تشري (اللاويون 16: 29).  لم يعد عاشوراء فرضا في الإسلام رغم أهميته التاريخية الباغة خصوصاً عند الشيعة، لكن يوم كيفور واجب في الديانة اليهودية.  فهو في الحقيقة أقدس يوم في التقويم اليهودي.

تقام طقوس مفصلة في الهيكل القديم في القدس يوم كيفور، أقدس يوم في التقويم السنوي، من أجل التكفير والاستغفار من خطايا وذنوب مجتمع بني إسرائيل.  تشتمل إحدى هذه الطقوس على التفوه الرسمي باسم الله الذي لا ينطق، وذلك من قبل أقدس شخص في الأمة الكاهن الأعظم في أقدس مكان على الأرض، وهو المحراب الداخلي للهيكل و في أثناء قيام الكاهن الأعظم بذلك تسجد الجماهير الإسرائيلية المجتمعة على وجوهها في فناء الهيكل وساحته .  ويتم القيام كذلك بعدد آخر من الطقوس في الهيكل يوم كيفور، وتشتمل على تقديم عدد من القرابين.
 
لقد تم أداء شعائر يوم كيفور في الكنيس على مدى الألفين سنة الماضية.  ليس هناك سبب يدعو للمكوث في البيت ذلك اليوم، لأن الأكل والشراب والاغتسال والجماع ممنوعة، وكذلك معظم الأنشطة الأخرى ممنوعة.  ويمنع أيضا لبس الأحذية الجلدية .  يلاحظ المرء مباشرة التشابه بين عادات يوم كيفور والإحرام الذي يرتديه الحجاج المسلمون عند أدائهم فريضة الحج، باستثناء الصوم طبعا.  وتأمر التوراة اليهود "ليذللوا أنفسهم" (اللاويون 16: 31، 23: 27 ، العدد 29: 7) ويتجنبوا متع الحياة اليومية العادية.  إن القصد من التذلل في هذا اليوم هو بلوغ درجة عالية من الوعي بالخيرات الإلهية بحرمان النفس منها، وبالتركيز على قضايا الحياة العميقة دون انشغال البال.  يصف التقليد اليهودي الملائكة بأنها لا تأكل ولا تنام ولا تمارس الجماع بالطبع.  ففي هذا اليوم نصبح مثل الملائكة نتأمل الله والمعنى الحقيقي لحياتنا.

تقام خمس صلوات في يوم كيفور ويتطلب حضورها الكامل التواجد معظم النهار في بيت-كنيست (المعبد). وكل صلاة تتطلب اعترافات بعضها خاص وبعضها جماعي.  ترتل التوراة بأنغام خاصة لأيام الخشوع.  يرتل أيضا سفر يوناة في الكنيس، تقام أيضا صلاة ودعاء على الموتى وأخرى تختص بوصف شعيرة يوم كيفور في المعبد القديم، وتذكر أخرى بتضحيات اليهود عبر العصور.  إن الأنغام المتكررة ، والصلوات الجماعية الطويلة، وفقدان الطعام ، والقراءات المقدسة والشعرية المثيرة، والصلوات ، كلها تعزز بعمق المعنى الروحي لليوم، وتمكن المرء من التركيز على التوبة الشخصية، وعلى معنى الحياة وعلى العلاقة بين الله وبين الأسرة.  ليس الهدف من اليوم التكفير فقط بل إن الهدف أيضا هو إعادة وضع الأولويات الشخصية والرجوع إلى الطريق المستقيم لتكون السنة الجديدة مناسبة لأعمال الخير والأفكار الحسنة.

أعياد الحج
تأمر التوراة أن يقوم جميع الذكور بالحج إلى بيت المقدس ثلاث مرات في السنة وذلك في عيد سوكوت (عيد العرش) ، وعيد بيسخ(الفصح) وعيد شفـوعوت(الأسـابيع) (التثنية 16: 16ـ17).  وبالإضافة إلى كون هذه المهرجانات مناسبات لحمد الله وشكره فإنها أيضا تعطي شهادة على وحدة بني إسرائيل عندما يتخذ عدد من الآلاف طريقهم ارتجالا إلى المعبد المركزي، وإلى عاصمة بني إسرائيل في بيت المقدس.  تسمى هذه المناسبات الثلاث للحج شالوش ريجاليم "المرات الثلاث للسير على الأقدام".  وتسمى أيضا الحج وهي اللفظة نفسها في اللغة العربية لفريضة الحج.  إن مصدر الكلمة هو "القفز والرقص" أو "التحرك على شكل دائرة وكل هذه الأنشطة كانت جزءا من المهرجانات الدينية القديمة.  ولا يزال المسلمون إلى يومنا هذا يطوفون بالكعبة في مكة (الطواف). ويطوف اليهود بلفائف التوراة على المصلين في المعبد أيام السبت وخصوصا في عيد السوكوت.

لا تزال أعياد الحج الثلاثة التناخية أعيادا أساسية منذ ألفي سنة، وبعد تدمير الهيكل لم يعد بإمكان اليهود أداء فريضة الحج عندما منعوا من الدخول إلى بيت المقدس بعد تمرد باركوخبا      (132ـ135).  وعوضا عن ذلك فقد تحولت الاحتفالات إلى الكنيس والبيت.  ولا يجوز العمل في خلال هذه الاحتفالات مثل السبت، لكن مع استثناء واحد، وهو تجهيز طعام الأكل وكل ما يتعلق به (الخروج 12: 16).48

سوكوت (عيد العُرُش)
بعد خمسة أيام من عيد يوم كيفور يأتي عيد سوكوت والاسم مأخوذ من الكلمة العبرية "سوكة" بمعنى المأوى المؤقت (الخيمة) ويعرف في العربي بعيد العرش (من مفرد عريشة) او عيد المظال.  وكما هو الحال بالنسبة للأعياد اليهودية المهمة فإن سوكوت واجب ديني في التوراة (الخروج 23: 14ـ16، اللاويون 23: 33ـ44، التثنية 16: 13ـ17). وعيد المظال عيد فلاحي مثل بقية أعياد الحج، ويسمى "حج المحصول" (يعني المحاصيل الزراعية عبري حج هاأصيف). يقع في نهاية حصاد الخريف، ويكون مناسبة لشكر الله على نعمه.  ولكن معناه الأساسي ، كبقية الأعياد اليهـودية، يتجاوز كونه فقط مناسبة لتقديم الشكر، مع أنه يتيح تلك الفرصة أيضا (اللاويون 23: 41ـ43): "تفرحون أمام الرب إلهكم سبعة أيام فيقيم كل أبناء أرض إسرائيل في خيام سبعة أيام لكى تتذكر أجيالكم أنني أسكنت أبناء إسرائيل في خيام عندما أخرجتهم من أرض مصر".  إن الفرح بعيد المظال يكون مناسبة أيضا للتذكير بالخلاص الإلهي لبني إسرائيل من العبودية المصرية.

وإن كان معظم اليهود لايعيشون في الواقع في الخيام مدة أسبوع، فإنهم يتناولون فيها أكبر عدد ممكن من الوجبات الغذائية، وينام بعضهم فيها بالفعل بعض الأحيان.  تكون وجبات الطعام المأكولة في الخيام مناسبات سعيدة ومرحة يشترك فيها الأقرباء والأصدقاء.  تقام أيضا صلوات خاصة في الكنيس بهذه المناسبة مع قراءات خاصة من لفيفة التوراة وطقس فريد بالإشارة بأربعة أنواع من النباتات إلى الجهات الأربع ومن الأعلى والأسفل.  ويعتبر عيد المظال فعلا مناسبة بهيجة بعد صعوبة البحث الذاتي أيام التكفير العشرة.

وفي نهاية عيد المظال يأتي عيد يسمى سمخات توراة بمعنى "بهجة التوراة" ، الذي يحتفل بالدورة السنوية لقراءات التوراة الأسبوعية في الكنيس. وتقرأ في هذا اليوم المقاطع الأخيرة من سفر التثنية (آخر الأسفار الخمسة في التوراة) ويلي ذلك قراءة المقاطع الأولى من سفر التكوين.  يدعى كل واحد في المجتمع أن يقدم الدعاء ويقرأ من اللفائف بما في ذلك الأطفال وأولئك الذين لا يقومون بذلك عادة.  ومن طقوس هذا اليوم أيضا طواف لفائف التوراة حول المجتمعين ويقوم الناس في أثناء ذلك بالرقص والغناء وهم يمسكون باللفائف.  يجب التنبيه هنا أن محبة التوراة لا تعني عبادتها بل هي تعبير عن المحبة لكلام الله الذي ورد في التنزيل.  الرقص الصاخب في بعض الأحيان مع اللفائف يعطي الناس فرصة للتعبير عن محبتهم لله وللديانة اليهودية كما يمثلها الوحي الإلهي.

عيد الفصح
عيد الفصح هو عيد موسم الحج في فصل الربيع وكبقية أعياد موسم الحج الأخرى، فلقد أصبح مرتكزا في البيت وفي الكنيس بعد تدمير الهيكل.  فهذه فترة وضع النعاج، وموسم حصاد الحبوب التي أسقتها أمطار فصل الشتاء في فلسطين وما تزال ظواهر البداوة والفلاحة معا موجودة في الطقوس الحالية.  ولكن تكمن الأهمية الأساسية للعيد في الخلاص الإلهي لبني إسرائيل من العبودية المصرية كما يلخص سفر التثنية ذلك 16: 1ـ4 :

  احتفلوا دائما بفصح الرب إلهكم في شهرالربيع نيسان (الشهراليهودي القمري) ففي هذا الشهر أخرجكم الرب إلهكم من مصر ليلا. واذبحوا للرب إلهكم غنما أو بقـرا في الموضع الذي يختاره الرب ليحل اسمه فيه.لا تأكلوه مع خبز مختمر، بل كلوه مع فطير طوال سـبعة أيام لآن هذا هو خبز المشقة، إذ أنكم على عجل غادرتم ديار مصر،وبذلك تتذكرون يوم خروجكم من ديار مصر كل أيام حياتكـم. لا تبقوا خميرا في أرضكم طوال سبعة أيام.

وبما أن عيد الفصح يحيي ذكرى خلاص بني إسرائيل من مئات السنين من العبودية في مصر، فإن كثيرا من الناس يعتبرونه اليوم عيدا للاحتفال بالحرية الإنسانية من العبودية.  وهذا فعلا جزء مهم من معناه، لكن الجوهر الديني للعيد ليس الحرية بل الولاء ـ وحتى العبودية ـ لله بدلا من العبودية لأسياد بني الإنسان.  إن الله هو الذي حرر بني إسرائيل من العبودية المصرية، وليس المقاتلين من البشر.  فلهذا يجب أن يكون اليهود مخلصين تماما لله وأن لا يتبعوا بطريقة عمياء نزوات أي زعيم بشري.

هذا موقف مشرف، لكنه قد يقود إلى التجاوز والعنف وإراقة الدماء.  إن كيفية فهم المطالب الإلهية في العلاقة مع مطالب النظام الاجتماعي قد تختلف بشدة، ويمكن أن يقوم المتطرفون بارتكاب أعمال عنف ضد المجتمع باسم تفسير فريد ومنحاز للمطالب الإلهية.  فلهذا وضح التلمود ضرورة التوازن بين قوانين المجتمع والأوامر الإلهية .  واحتفظ هذا المعنى في الجملة الآرامية " دينا دي مالخوتا دينا " بمعنى "قانون المملكة يظل هو القانون " (نداريم 28 أ، بابا قاما 133 أ ـ ب).  سيلاحظ القارئ مرة أخرى الشبه بين اللغة العبرية واللغة العربية.  فمعنى مصدر لفظة دين في اللغة العبرية هو "الحكم". يوجد هذا المعنى أيضا في اللغة العربية في الكلمات مثل دينونة والديان (إحدى الصفات الإلهية)، بالرغم من أن المعنى العربي الأساسي هو إما الاقتراض أو التسليف وإما إعلان ديانة.

يرمز الاحتفال بعيد الفصح إلى التوازن بين الأوامر الإلهية والمطالب البشرية لأن مطالب طقوسه الصارمة، لكنها سارة ، قد أجبرت اليهود عبر التاريخ على إيجاد طريقة للاحتفال بالمناسبة التي أمر الله بها في الوقت الذي يتصرفون فيه كمواطنين جيدين في كل بلد. يدوم عيد الفصح، مثل عيد المظال إسبوعا كاملا، لكن الوقوف عن كل العمل خلال الفترة كلها ليس إجباريا. فالوقوف عن العمل ليس مطلوبا إلا في بداية العيد ونهايته. يتم القيام بمعظم الطقوس والاحتفالات خلال الأيام الوسطى، لكن يسمح فيها أيضا بالعمل والقيام بالمسؤوليات اليومية لجلب القوت والرزق.

 إن أبرز ظاهرة عيد الفصح هي وجوب إخلاء البيت من كل خمير.  الخميرة، بالعبري "حامتس" (عربي حامض) هي كل مادة تساعد على تخمير الحبوب. لا يسمح إلا بأكل خبز الفطير الذي يسمى متساة.  تصنع المتساة من دقيق القمح ويعجن دون خميرة تحت مراقبة صارمة وبسرعة لضمان أن لا يتم التخمير الطبيعي الذي يحدث عندما يضاف الماء إلى الدقيق قبل خبزه.  ويعتبر المتساة (رقيق الخبز العويص) الطعام الرئيسي خلال أسبوع عيد الفصح، وتشتمل وصفات إعداد الوجبات على أشكال مختلفة من المتساة.  يجب فحص كل المنزل ومحتوياته وتنظيفها تنظيفا دقيقا حتى تصبح مطهرة وخالية من أي خمير.  أصبح عيد الفصح مناسبة للنظافة الكاملة في فصل الربيع.  تستعمل صحون ومعدات الطبخ الخاصة لهذه المناسبة ويحتفظ بها للسنة القادمة من أجل تجنب وقوع أي عنصر تخمير عليها.

 لا تفسر التوراة سبب وجوب الامتناع عن أي خمير خلال أسبوع عيد الفصح.  إن صميم الممارسة يتطلب الامتثال للأوامر الإلهية.  لكن الحكماء وحاخامات الأجيال اللاحقة قدمت عددا من الأسباب.  إن احدى التفسيرات الشائعة تذهب إلى القول أن فعل الخميرة في نفخه للمواد المخبزية يشبه انتفاخ الإنسان وكبرياءه الذي يؤدي إلى نسيان واجب التواضع. فنحاول خلال أسبوع عيد الفصح أن نجرد أنفسنا ، ليس فقط من الخميرة الفعلية، لكن كذلك من الخميرة النفسيه لنكون متواضعين ومهتمين بالآخرين.  ويرمز حامتس أيضا إلى ميول الإنسان لارتكاب الشر.  ويرمز التخلي وإبعاد كل خمير إلى عملية التطهير والتحرر من النجاسة ـ الحموضة النفسية. 

وبالرغم من أن الصدقات على الفقراء واجب طوال السنة، فإن عيد الفصح يشكل مناسبة خاصة لجمع المال لمساعدة المحتاجين.  وهذه المساعدة على الدقيق (معوت حطين) تقصد تقديم المعونة على شراء المتساة وبالتالي الحاجيات الأخرى ليتمكن المحتاجون من الاحتفال بالعيد والتمتع به.
إن أشيع الطقوس السنوية اليهودية هو سدر (الوجبة الرئيسة) عيد الفصح الذي يحتفى به في البيت. لقد ورد في التوراة بعد الأمر بالاحتفال بالفصح (الخروج : 13ـ14) "وحين يسأل ابنك ما معنى هذا؟ تجيبه: "إنه بيد قديرة أخرجنا الرب من مصر، ديار العبودية". ولقد تم أمر الحديث عن الخلاص الإلهي بشكل رسمي في مناسبة تناول الطعام التي يتم فيها سرد قصة الخروج من مصر بالألغاز والألعاب والغناء والتفسير مع كثرة الأكل.  وتركز الأنشطة المسائية على الأطفال الذين يشاركون مشاركة تامة.

إن السدر والوجبة الغذائية مفعمان بالأشياء الرمزية.  إن كتاب هاجاداة ، وهو كتاب احتفالات عيد الفصح يلخص ذلك.  يتم تناول أربعة كؤوس من الخمر لإحياء ذكري الطرق الأربعة المختلفة التي وعد الله بها لخلاص بني إسرائيل. توضع كأس أخرى في انتظار الخضر (النبي إليياهو Elijah) الذي سيأتي، بحسب التقليد ويشرب منها عندما يحين وقته لإعلان قدوم المشيح المخلص.  تؤكل المتساة في أثناء وجبة السدر ويوضع صحن طقسي بارز على المائدة يحوي عددا من الأطعمة الرمزية.  قطعة من عظم الساق المشوية تذكر بالقربان المقدم في عيد الفصح في الهيكل القديم.  توضع بيضة بجانبه رمزا لقدوم فصل الربيع وللقرابين المقدمة في الهيكل.  وصحن من الخضروات الخضراء يرمز إلى فصل الربيع، لكن تغمس الخضروات في ماء مالح تذكيرا بدموع العبيد، والأعشاب المرة أيضا ترمز إلى مرارة العبودية.  ويرمز صحن يحوي خليطا أسمر اللون من البندقة والفواكه (حاروست) إلى الهاون الذي استعمل في البناء القسري لمدن مصر القديمة. وفي بداية المساء يقوم رب البيت برفع قطعة من المتساة ويعلن باللغة الآرامية:
  هذا خبز الفقر والحزن الذي أكله أجدادنا في بلاد مصر.  ليتقدم كل
  جائع ويأكل.  ليتقدم كل محتاج ليشارك في طعام عيد الفصح.  هذه
  السنة مازلنا هنا ـ السنة المقبلة في أرض إسرائيل. هذه السـنة
مازلنا عبيدا ـ السنة المقبلة أحرارا.

هذا الإعلان معقد وذو طبقات. يبين شوقا عميقا للخلاص عندما لا يكون الفقراء والمحتاجون في حاجة وعندما يصبح المضطهدون أحرارا.إن أمل اليهود في الخلاص كان دائما مرتبطا ارتباطا عميقا بتوقع العودة إلى أرض إسرائيل.  لكن هذا التوقع لم يكن مدة قرون كثيرة إلا حلما سيتحقق في مستقبل غير محدد. إن التقوى الشخصية والأعمال الصالحة ستعجل باليوم، لكن العواقب المأسوية للحركات المشيحانية الفاشلة قد علمت الدرس المرير بأن العمل السياسي أو العسكري لا يأتي بالخلاص. وكما تمت مناقشته في الفصل الخامس، فإن اليهود لم يبدأوا مرة أخرى في التنظيم للسيطرة على مصيرهم إلا عندما تم تطوير الأفكار الجديدة للحداثة في الغرب.  ومع ذلك فحتى خلال القرون الهادئة عندما كانوا ينتظرون الخلاص بهدوء، فإن الارتباط الروحي، بالفعل اللاثني أو القوي، مع بيت المقدس وأرض إسرائيل كان دائما جزءا لا يتجزأ من الروح الشعبية اليهودية وهويتها.

يسأل الطفل عند السدر: "لماذا تختلف هذه الليلة عن كل الليالي الأخرى؟" للجواب على هذا السؤال بقية الأمسية تمضي بسرد القصص وقراءات من التناخ وكتابات الحاخامات، والأناشيد، وأكل الأطعمة الرمزية والمناقشات.  تملأ عادات وممارسات كثيرة بقية الأسبوع بما في ذلك من صلوات خاصة في المعبد وقراءات خاصة من التناخ.  وابتداء من اليوم الثاني لعيد الفصح يتم حساب خمسين يوما (اللاويون 23: 15ـ21) لدخول العيد الثالث والأخير من أعياد الحج السنوية.

شفوعوت (عيد الأسابيع)
يخلد شفوعوت الحصاد الفلاحي في أول الصيف الذي تسميه التوراة "عيد الحج لحصاد باكورة الغلات" (الخروج 23: 16).  وتمتزج مناسبة تاريخية مع فريضة تقديم الشكر لله على نعمه كما هي العادة مع كل أعياد الحج.  إن وجوب عد خمسين يوما من عيد الفصح إلى عيد الأسابيع (شفوعوت) يربط العيدين، والخمسون يوما تطابق المدة بين الخروج من مصر ونزول التوراة على جبل سيناء (انظر الخروج 19: 1).  فعيد الأسابيع إذاً يخلد الوحي في سيناء الذي جاء بعد الحرية من العبودية المصرية.  وتعتبر الحرية بلا معنى دون الشريعة، وسوف يكون تحرير الله لبني إسرائيل ناقصا دون وسيلة استمرار الإرشاد والهداية الإلهية.  وهكذا فإن الإنقاذ من مصر وصل ذروته مع الخضوع الجماهيري من قبل بني إسرائيل قاطبة لعهد الله التناخي.

يعتبر عيد الأسابيع عيد الحج الوحيد الذي لا يدوم أسبوعا كاملا.  ويشتمل أيضا على طقوس أقل.  وقد جرت العادة أن تؤكل مشتقات اللبن في هذا العيد، وأن يزين الكنيست والبيت بنباتات وأغصان خضراء.  أصل هذه العادات ليس واضحا. ومن العادة أيضا قيام الليل كله في دراسة التوراة.  لقد بدأ هذه العادة متصوفة القرون الوسطى كطريقة للاستعداد للوحي الخطير المتوقع حدوثه في الصباح التالي.  لدى معظم المعابد اليوم برنامج دراسي ليلة عيد الأسابيع الذي قد يشتمل على التناخ والتلمود والتعليقات والمدراش أو مواضيع حديثة مرتبطة بالديانة اليهودية والحياة الدينية. تشتمل الصلوات في المعبد على قراءات من التناخ وسلسلة خاصة من المزامير معروفة ب "هلل" (تسبيح) تنشد في كل الأعياد.  تصف قراءة التوراة الوحي المنزل في سيناء.  وتجري العادة أن يقوم المصلون بالوقوف عند قراءة الوصايا العشر جهرا للتعبير الرمزي على التجربة الأصلية في سيناء عندما وقف كل بني إسرائيل لتلقي الوحي الإلهي.

الأعياد الثانوية:
إن المهرجانات والأعياد المهمة في التقويم اليهودي هي: أيام الخشوع (روش هشاناة ، ويوم كيفور) وأعياد الحج الثلاثة سوكوت (عيد المظال)، وعيد الفصح، وشفوعوت (عيد الأسابيع).  لكن يوجد عدد آخر من الأعياد في التقويم.  الأعياد الثلاثة المهمة هي خانوكاه والبوريم والتاسع من (آب).

خانوكاه
يخلد خانوكاه الذي يعني التدشين، إعادة تدشين الهيكل في بيت المقدس بعد تدنيسه من قبل اليونان.  فلقد قام أنطيوخوس الرابع حاكم سورية اليوناني سنة 167 قبل العصر الحالي بتدنيس الهيكل، وذلك بإدخال العبادة الوثنية إليه، ومنع ممارسة الديانة اليهودية الحرة.  تمرد اليهود ونجحوا في هزيمة الجيوش اليونانية، وحاولوا السيطرة على المنطقة.  القصة معقدة بفعل وجود طائفة مهمة من اليهود المتأثرة بمظاهر الثقافة اليونانية المغرية تقاتل بالفعل لحساب اليونانيين.  ثابر اليهود التقليديون وانتصروا في النهاية.  وبالرغم من أن الثوار حققوا أهدافهم في المحاربة والانتصار في الحرب، إلا أن حاخامات التلمود لم تركز على هذه الحقيقة فسردوا قصة حولت معنى خانوكاه من الشجاعة العسكرية الى شيء أكثر روحانية.  كان هناك سراج في الهيكل دائم الإنارة لكن اليونانيين أخمدوه .  ولما أعاد اليهود تدشين الهيكل ذهب الكهنة لإعادة إنارة السراج، لكنهم لم يجدوا إلا وعاء صغيرا للزيت المبارك الذي يحمل خاتم الكاهن الأعظم، والذي يكفي لإنارة يوم واحد.  كان المطلوب ثمانية أيام لإعداد كمية من الزيت المناسب كما أمر التناخ بذلك (اللاويين 24: 1ـ2).  لكن حدثت معجزة ، فوعاء الزيت الصغير كان كافيا للإنارة مدة ثمانية أيام، حتى تم إعداد الكمية الجديدة (التلمود، شبات 21 ب). ولإحياء هذه الذكرى تقرر أن يقوم كل بيت بإنارة مصباح مدة ثمانية أيام تخليدا للمعجزة الإلهية. 

يعتبر خانوكاه في الحقيقة عيدا ثانويا ولقد اتخذ حجما كبيرا وسط بعض الجاليات اليهـودية في الغرب، لأنه يقـع في الوقت نفسه تقـريبا التي يقـع فيها عيد الميلاد المسيحي (Christmas).  شعر كثير من اليهود في الغرب المسيحي كأقلية صغيرة غير مسيحية أن أطفالهم سيتأثرون بالدعاية الهائلة بالاحتفالات الوطنية بعيد الميلاد، وقد يؤدي ذلك إلى إبعادهم عن الديانة اليهودية. لذا كان تعزيز الاحتفال بخانوكاه في مجمله كرد على هذا التهديد من أجل إرضاء حاجات أطفال اليهود والمحافظة على ديانتهم.

عيد البوريم (عيد المساخر)
يعد عيد البوريم عيدا تناخيا إلا أنه يظل عيدا ثانويا لأنه يخلد حدثا قد وقع خارج أرض بني إسرائيل.  يقع البوريم في شهر آذار (اليهودي القمري) في فصل الربيع قبيل شهر تماما من عيد الفصح.  إنه يحيي ذكرى إنقاذ الجالية اليهودية في فارس من مخططات الشر التي كان ينويها هامان وزير الملك49.  توجد القصة بكاملها في سفر أستر الذي يعد أحد الأسفار القصيرة التي يضمها الكتاب الثالث وآخر جزء من التناخ.  يشك العلماء في واقعية القصة لكنها ذات مغزى كبير بالنسبة لليهود، لأنها تمثل وتلخص خطورة حياة الأقلية في البلدان الأجنبية. وحسب ما ورد في القصة فإن البطلين اليهوديين إستر وموردخاي أفشلا مخطط الوزير الشرير، وأنقذا يهود فارس من دمار محقق.  ومن الغريب أن اسم الله لم يذكر في أي مكان من الكتاب، وبالرغم من هذا فلقد تم ضمه إلى قانون التوراة العبرية، لأن القصة محبوبة جدا.

ليس مطلوبا من اليهود أن يتوقفوا عن العمل في عيد المساخر على غرار خانوكاه وعلى عكس أعياد الحج وروش هشاناة ـ ويوم كيفور ويوم السبت.  ومثل خانوكاه فإن البوريم عيد بهيج للغاية. يرتدي الأطفال ملابس خاصة وتعطى لهم هدايا والحلويات وعادةً ما يرتدي اليهود في هذا العيد ملابس تمويهية مثل لباس الملك الفارسي أو شخصية غريبة متقمصة من القصة.  يرتل سفر إستير جهرا بالكامل في الكنيس.  يفترض سماع كل كلمة عند ترتيل السفر، لكن المصلين مطالبون أيضا بالضرب بأرجلهم، وبمعنى آخر إثارة ضجيج كلما ذكر اسم الوزير المشؤوم (هامان)، ليتم محو اسمه من التاريخ.  إن وجوب سماع الاسم وعدم سماعه في الوقت نفسه يشكل مصدر ترفيه للاطفال ودرسا للكبار.  ويعد عيد المساخر أيضا مناسبة لإعطاء الصدقات للمحرومين.

صوم التاسع من (آب)
يقع صوم التاسع من آب وسط فصل الصيف، وهو يوم حزن جماعي.  يخلد ذكرى تدمير الهيكل الأول والثاني معا.  يرتل سفر المراثي جهرا في الكنيس ويتم صوم أربع وعشرين ساعة كاملة.  وبالإضافة إلي تدمير الهيكلين فإن التقليد يؤرخ عددا من الكوارث والمآسي في التاسع من آب بما في ذلك مذابح الجاليات اليهودية في أوروبا من قبل الصليبيين.  وهذا التاريخ هو التاريخ الرسمي الذي طردت فيه الجالية اليهودية من قبل المملكة المسيحية المتحدة في إسبانيا.

الأعياد الحديثة:
إن قصة الشعب اليهودي تستمر في الانكماش، ولقد تأثر القرن العشرون بالحزن وبالسعادة معا.  فلقد قرب الهولوكوست الشعب اليهودي إلى الإبادة أكثر من ذي قبل (أبيد ثلث يهود العالم)، بينما أعطى تأسيس دولة إسرائيل اليهود أول فرصة للحكم الذاتي في خلال ألفي سنة.  يتم إحياء ذكرى هاتين المناسبتين في المجتمعات اليهودية في العالم كله.

يوم الكارثة (هاشوءاة)
يحتفل اليهود في يوم هاشوءاة (يوم الهولوكوست) المسمى في بعض الأحيان يوم الهولوكوست والمقاومة (الكارثة والبطولة: موعد التمرد اليهودي في غيتو وارسو سنة 1943م) في أواخر فصل الربيع بعد عيد الفصح. ويحيي هذا اليوم ذكرى محاولة الإبادة الجماعية لليهود من طرف النازيين والكثيرين من معاونيهم المستعدين في كل أنحاء أوروبا ويحيي أيضا ذكرى البطولة من قبل اليهود الذين رفضوا الانسياق إلى المذبحة بالرغم من أنهم لا يملكون أملا في الانتصار.  ولقد اتخذت المقاومة اليهودية طرقا غير الطرق العسكرية التقليدية. فعلى سبيل المثال، لقد قام بعض العمال اليهود المستعبدين الذين يصنعون الذخائر النازية بإدخال عيوب وخلل عليها لكى لا تكون فعالة .  ولقد قاوم آخرون بطرق أخرى.

عيد الاستقلال
يقع عيد الاستقلال أسبوعا بعد عيد الهولوكوست، ويخلد تأسيس دولة إسرائيل. فهو عيد مهم خاصة في إسرائيل لكن معظم اليهود في الخارج يحتفلون به أيضا.  وكما هو الحال بالنسبة لذكرى الهولوكوست لا توجد شعائر رسمية ذات الطابع العالمي بسبب حداثة الذكرى.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
  

   تمهيد : دافيد .هاريس
   مقدمة المؤلف
   الجزء الأول:  مسح التاريخ اليهودي 
   الفصل الأول:الجذور
   الفصل الثاني:التعزير والشتات
   الفصل الثالث:  يهودية الأحبار (الحاخامين)، التلمود وعالم القرون الوسطى
   الفصل الرابع: الديانة اليهودية والحداثة- أوروباالغربية
   الفصل الخامس: اليهودية والحداثة: أوروبا الشرقية
   الجزء الثاني:  الله والتوراة وإسرائيل
   الفصل السادس: الله
   الفصل السابع: التوراة
   الفصل الثامن: إسرائيل
   الفصل التاسع:  الصلاة
   الفصل العاشر: المعبد اليهودي والبيت
   الفصل الحادي عشر: التقويم
   الفصل الثاني عشر: مدار الحياة اليهودية
   الفصل الثالث عشر: الالتزام الشخصي
   الجزء الرابع: مصير الإنسان
   الفصل الرابع عشر: احتمالات وهدف
   الفصل الخامس عشر: الخاتمةاليهود في جدول أحداث التاريخالمراجع والملاحظات
   الديانة اليهودية
   الأعياد اليهودية
   النصوص اليهودية المقدسة
   أدوات طقوس يهودية
   
 
   
 
     الردود (feedback) | خارطة الموقع