التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديانة اليهودية     ذرية إبراهيم     التعزير والشتات

التعزير والشتات

فصل من كتاب "ذرية إبراهيم" - مقدمة عن اليهودية للمسلمين
تأليف: روبن فايرستون

دخول الأرض
 بعد استقبال التوراة، يذكر أن بني إسرائيل مكثوا في الصحراء أربعين سنة قبل دخول الأرض. إن هذا الفصل من تاريخ الشعب اليهودي جدير بالمناقشة لأنه يطرح قضية معنى التاريخ والنصوص المقدسة (Scripture) في الديانة اليهودية.  كثيرا ما يصف التناخ بني إسرائيل بعدم استطاعتهم الامتثال للأوامر الإلهية. عبدوا العجل الذهبي في الصحراء (التثنية  32)14 ، وفشلوا في الثقة بالله لما فيه الكفاية للدخول إلى أرض الميعاد بعد سماع تقرير المستكشفين الاثني عشر (العدد: 12-13) ويشتكون باستمرار من وضعهم15.
 إن بني إسرائيل بشر بمعنى الكلمة، فهم ضعفاء على الصعيد الأخلاقي ويميلون للوقوع فريسة للإغراء، ويفشلون كثيرا في القيام بالصواب. فالتاريخ التناخي هنا يقوم بوظيفة ملحمة وطنية وقصة أخلاقية معا.  ورغم القانون الإلهي، فإن بني إسرائيل لا يستطيعون العيش دوما بحسب المتطلبات الإلهية. إن الفشل جزء من الحياة الإنسانية، لكن يوجد، أيضا، في كل حالة فشل، نور الأمل لأن الله غفور رحيم، ولأن الأشخاص المستقيمين يتصرفون تصرفا بطوليا وأخلاقيا. وبسبب هذا ظل بنو إسرائيل على البقاء ودخلوا في النهاية أرض الميعاد مع أنهم شعب مذنب.
 فبحسب التناخ فإن الإنسان العادي ليس الوحيد الذي يقترف الذنوب، بل حتى الأنبياء والملوك. حتى النبي موسى فشل أمام الله عندما ملكه الغضب والإحباط أمام شكاوى الناس فضرب صخرة لتفجر ماء في الصحراء بدلا من مخاطبتها كما طلب الرب (العدد2 :7ــ13).  وعلى أية حال، وبالرغم من شكاواهم وفشلهم ، فإن جيلا جديدا من بني إسرائيل قد خرج من الصحراء يربطه وحي التوراة وشعور بهدف مشترك، مستعداً لدخول الأرض التي وعدها الله لإبراهيم وذريته كأرض إسرائيل.
 يوصف عادة دخول الأرض بعد أربعين سنة في الصحراء أنه غزو، والسبب في ذلك يرجع إلى سفر يشوع الذي يذكر أن بني إسرائيل استولوا على الأرض بقوة السلاح.  وذلك لأن جيلا من المقاتلين الأشداء الذين قوتهم الحياة في الصحراء أربعين سنة اجتاح السكان المحليين بإرادة الله.  لكن التنقيبات الأثرية الحديثة لا تعزز هذا الوصف لعدم وجود أي آثار للدمار أو طبقات محروقة مثل التي توجد في الأماكن التي تعرف بأن الغزو والاحتلال وقع فيها. وبالتالي فقد اقترح المؤرخون الأكاديميون احتمال دخول بني إسرائيل إلى الأرض على شكل هجرة كبيرة توصلت في النهاية إلى السيطرة على الأديان والثقافات المحلية في المنطقة، وأثارت في بعض الأحيان معارك أدت إلى المقاومة لكنهم نجحوا بسبب قوة الأعداد ونجاح حضارة دينية (التفسير الثقافي لما يعرف بغلبة بني إسرئيل على الهوية الكنعانية).

 

من القضاة إلى الملوك
 كانت الفترة التالية فترة سيطرة القبائل الإسرائيلية الاثنتي عشرة على ممتلكاتها الخاصة بها من الأراضي تحت شيوخ القبائل المعروفين "بالقضاة" .  تعيش كل قبيلة منفصلة عن بعضها وتتشاجر بعض الأحيان أو تدخل في نزاع مسلح مع بعضها البعض.  وقد أصبح فقدان الوحدة مشكلة كبيرة إلى درجة أن بعض الناس طلبوا من الكاهن الرئيس أن يعين لهم ملكا. ووصف هذا الطلب في حينه بعدم الورع لأنه لم يكن يسمح حتى ذلك الوقت لأي إنسان بمفرده أن يجمع سلطة كبيرة في يده في إسرائيل.  كان الرب حتى ذلك الوقت الملك الوحيد والحاكم على بني إسرائيل.  ولكن الله لبى طلب الشعب ونزل عند رغبتهم (صموئيل الأول رقـم 8 ) وتم تحذيرهم بأن الملوك قد يتسلطون عليهم ويستغلون رعاياهم الأمر الذي حدث فعلا. وبعد هذا عين شاؤول ملكا إلا أنه فشل  فشلا ذريعا كحاكم وهزم عسكريا ومات في المعركة وخلفه الملك الكبير داود، بطل جبار لكنه بالرغم من ذلك شخصية غير مثالية، بحسب ما ورد في التناخ . وحد داود القبائل في مملكة واحدة وأسس إمبراطورية إسرائيلية كبرى امتدت من الحدود المصرية إلى بلاد مابين النهرين.  قابلت بسالته العسكرية إنشاءه لمزامير مخصصة لعبادة الله، لكنه ومع ذلك فبحكم كونه بشرا فإنه وقع فريسة لشهواته المادية، واستغل سلطة الملك في الكسب الشخصي وقد عوقب على ذلك بشدة (صموئيل الثاني 11ـ12).
 تابع سليمان ابن داود الحكم على إسرائيل موحدة وبنى المعبد الكبير في القدس.  وتغلب على ملكة سبأ، وباختصار، كان حكمه ناجحا وحكيما.  ورغم حكمته الكبيرة فقد وقع تحت تأثير ضعف طبيعته البشرية، وذلك بانحرافه عن الديانة الموحدة المطلقة عندما سمح لزوجاته الأجنبيات بالعبادة على طريقتهن الوثنية الأصلية .  ولقد قام بتشييد معابد لآلهتهن، وادعى بعضهم أنه قد عبدها ،الأمر الذي من أجله عوقب أعقابه بشدة ، (الملوك الأول 11: 1ـ13) .
 يوصف دائما أبطال إسرائيل في التناخ كله بأنهم بشر فانون ومصابون بالمشاكل والضعف البشري التي تصيب الناس العاديين. إن اليهود يفتخرون بأجدادهم وبالنجاحات الكبيرة التي حققها شعبهم ، لكن الديانة اليهودية لا تؤله أجدادها ولا ماضيها. فالاتعاظ بالدروس والحذر واجب حتى وإن كانت من قبل أبطال إسرائيل لأنه لا يخلو أي كان من فشل أو إثم .
 من ضمن الأشياء التي حققها داود هو تأسيس مدينة القدس كعاصمة المملكة حوالي سنة 1000 قبل الميلاد. كانت المدينة قبل أن يستـولي عليها داود من اليبوسيين أحدى الأماكن القليلة التي لم تخضع لسيطرة قبيلة أو أخرى من القبائل الاثنتي عشرة.  كانت القدس معروفة كمكان مقدس، وذلك قبل زمن إبراهيم، لأن بها جدولا مقدسا ومعبدا لإله يعرف بالعليون "الله العلي" (سفر التكوين 14: 17ـ20).  كانت عاصمة مثالية لمملكة داود الموحدة لأنها تقع خارج المناطق القبلية، وبالتالي فهي محايدة سياسيا، وفي موقع مركزي، وكانت تعرف من قبل بالقداسة. وفي خاتمة المطاف إنها مدينة حصينة شيد فيها داود قصرا ملكيا، إلا أن الله منعه أن يكون هو الباني للمعبد نظرا لمكانته الحربية (كتاب أخبار الأيام الأول 22: 7-9 ) وأعطي هذا الامتياز لابنه سليمان الذي شيد المعبد الكبير في القدس (الملوك الأول 6ـ7).  تمثل فترة المملكة المتحدة بداية "عصر ذهبي" ، لأن الفنون والأدب والاقتصاد ازدهرت كلها في هذه الفترة.
شيد سليمان مدنا جميلة وقوية، كما بني حصونا في مناطق عديدة من الأرض، وكانت إسرائيل فخورة وموحدة تحت نظام ديني وحكومة مركزية قوية.

 

المملكة المنقسمة
 وكما هو الحال في البلدان الحديثة حيث وجود التوتر الدائم والمنافسة بين الحكومة المركزية والمصالح الإقليمية، فإن المملكة المتحدة واجهت توترا بين الحكومة الملكية وحاجيات ومصالح المناطق القبلية . قد نجح داود وسليمان في مراقبة وإبعاد قوى التمزيق لكن رحبعام، ابن سليمان، فشل في إبقاء المملكة موحدة (الملوك الأول 12). وفي النهاية تمردت القبائل الشمالية العشر وكونت مملكتها المستقلة بعاصمتها في السامرة. يشكل هذا الحدث فترة التقسيم للمملكة التي انقسم فيها الشعب الإسرائيلي لمدة مئتي سنة إلى إسرائيل مملكة الشمال، ويهودا، مملكة الجنوب.

 كان يحكم مملكة الشمال، التي تعد الأكبر والأقوى تسعة عشر ملكاً يمثلون عددا من الأسر الحاكمة. وإن كانت هذه المملكة قوية على الصعيد الخارجي، فإنها كانت ضعيفة داخليا مع كثرة الصراعات الداخلية والانحرافات الأخلاقية. و أدت زيادة الفروقات بين الطبقات الاجتماعية إلى الظلم والفساد، وتخلى كثير من الناس عن واجباتهم الدينية بالتعبد في الأضرحة المحلية. وكانت هذه الفترة هي التي ظهر فيها كبار أنبياء إسرائيل ليطالبوا بالعبادة الصحيحة والعدالة الاجتماعية، ولكن بالرغم من استقامة عدد من الافراد، فإن الأمة ككل وصفت في كتب التناخ (الملوك الاول والملوك الثاني) بأنها مستمرة في إصرارها على ارتكاب الشر. وفي الأخير دمرت الملكة الشمالية سنة 721 قبل العصر الحالي على يد الجيوش الآشورية.

 كانت مملكة يهودا الجنوبية تحكم من قبل أسرة الملك داود.  بالرغم من أنها أيضا عرفت الثورة والصراع، إلا أنها تمتعت بقدر أكبر من السلام الداخلي عند مقارنتها بالمملكة الشمالية.  ولكن، بالرغم من اتحادها القوي حول مؤسسات بيت داود وهيكل القدس، إلا أنها أيضا عانت من الفساد الاجتماعي والديني.  فلذلك قام أيضا في يهودا أنبياؤها فشجبوا التصرفات السيئة، وأنذروا بانتقام الله القادم.

 هذه فرصة مناسبة للتعليق على رؤية التناخ للتاريخ ودور إسرائيل في هذا التاريخ. إن الله يتدخل بشكل فعلي في الشؤون الإنسانية بحسب التناخ ويمثل القوة التي تحدد مجرى كل التاريخ.  فالقوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في التاريخ هي مصطلحات حديثة لم تكن معروفة في التناخ، ولهذا السبب فسر كتّاب التناخ ـ وهنا يمكن التحدث عن كتاب التناخ مثل الذين نقلوا الأحداث في كتاب الملوك الأول والثاني وأسفار أخبار اليوم أو كتاب النبوءات في الأسفار العديدة للأنبياء ـ كل الأحداث على ضوء ردة الفعل الإلهية على سلوك إسرائيل. فإن أي كارثة، سواء كانت وبائية، أم جفافا، أم هجوما عسكريا أم ضعفا إداريا، فإنها تفسر على أنها عقاب إلهي مباشر على فعل شرير.  وبالنسبة للنجاحات الكبرى مثل الانتصارات العسكرية والسياسات الحكومية الرائعة فإنها تمثل المكافآت الربانية في الفهم التناخي.

 إن المؤرخين الاكاديميين يقرأون التاريخ التناخي بوسائل تحليل مختلفة عن الوسائل التي يستعملها المؤمنون المتدينون. فمن وجهة نظر المؤرخ الأكاديمي سواءً أكان يهوديا أم مسـلما أم مسيحيا فإن انحطـاط مملكـة إسرائيل المتحدة كان نتيجة التغيـرات الاقتصادية والتطورات الثقافية والأوضاع السياسية والسياسات المتبعة داخل المملكة وفي الشرق الأوسط على العموم. إن امبراطورية داود، على سبيل المثال تأسست، فعلا، في الوقت الذي كانت فيه مصر وبابل القوتان العالميتان العظيمتان في الشرق الأوسط ضعيفتين. وقد أخذت في الانحطاط في الوقت نفسه الذي تعافت فيه هاتان القوتان الكبريان وسيطرت على المنطقة مرة أخرى.  كانت هناك، بكل تأكيد، فترات فساد فاحش وفترات فساد أقل، وكان هناك ظلم اجتماعي وانحراف ديني داخل كيان إسرائيل ويهودا، لكن الأنبياء والمخبرين نظروا إلى كل تاريخ العالم على أنه ناتج من سلوك بني إسرائيل. فلهذا السبب تنبؤوا بخراب المملكتين إذا لم يستقم الناس في سلوكهم ويطيعوا القانون الإلهي كاملا، ويلتزموا بالقيام بالشعائر ومناسك الديانة اليهودية الموحدة بإخلاص. ولقد اقترن انحطاط إسرائيل بالسلوك السيء واقترن التحسن في وضعها بالسلوك المستقيم. فعندما دمر الأشوريون مملكة الشمال سنة 721 قبل العصر الحالي (الميلاد)، اعتبر هذا التدمير عقابا إلهيا. واعتبرت نجاة المملكة الجنوبية ناتجة عن طاعتها للقانون إلالهي وإرادته.

 لكن يهودا سقطت في النهاية عام 586 قبل العصر الحالي. وكانت بابل القوة المسيطرة في الشرق الأوسط آنذاك، ورأى أنبياء يهودا في بابل أداة إلهية.  كان الأنبياء مصلحين ورعين حاولوا إبقاء إسرائيل في الطريق المستقيم.  وبالرغم من شجبهم كثيرا السلوك الإسرائيلي، إلا أنهم كذلك أعلنوا بشارة الأمل التي بقيت بعد تدمير القدس والهيكل.  بالإمكان تدمير المملكة لكن لب الشعب الموعود سينجو وسيرده الله إلى القدس وإلى الأرض (إشعياء 37: 3.ـ32، إرميا 31 : 7ـ9، ميخا 2: 12ـ4، إلخ) إن اعتماد الأنبياء وثقتهم في الوعد الأزلي منحتهم الثقة للم شمل الناجين للاستمرار في العيش على ضوء تعاليم التناخ، حتى وهم في المنفى خارج أرض إسرائيل.

 

السبي والرجوع
 عندما دمرت مملكة الشمال شتت المنتصرون القبائل في كل انحاء الامبراطورية الأشورية بطريقة لم تستطع فيها تلك القبائل المحافظة على هويتها الدينية والثقافية.  وكانت النتيجة إذابة وإبادة مملكة إسرائيل الشمالية. وتعرف هذه القبائل "بالقبائل العشر المفقودة" التي لم يعد لها وجود لأنها لم تحظ بالبقاء بعد غزو الأشوريين لمملكتهم. أما قبيلتا يهودا وبنيامين التان بقيتا في المملكة الجنوبية لمدة مئة وخمسين سنة أخرى فقد كانتا تعرفان مجتمعتين باسم اليهود لأن القبيلة الكبيرة يهودا كانت هي المسيطرة إلى حد بعيد. وقد عمل هؤلاء اليهود في خلال هذه الفترة بجد لغرس الديانة اليهودية وقيمها وأخلاقها في أعماق قلوب الناس. وعندما غزت بابل في النهاية يهودا سنة 586 قبل العصر الحالي، ودمرت الهيكل، سبت عددا كبيرا من سكانها إلى العاصمة البابلية.  استطاع اليهود أن يحافظوا على هويتهم الدينية والثقافية حتى وهم أقلية صغيرة في أرض أجنبية.  يسجل المزمور المئة والسابع والثلاثون شعور اليهود المسبيين في بابل: 
 على ضفاف أنهـار بابل جلسنا، وبكينا عنـدما تذكرنا أورشليم،
 هناك علقنا أعوادنا على أشجـار الصفصـاف، هناك طلب منـا
 الذين سبونا أن نشدو بترنيمة والذين عبَدونا أن نطربهم قائلين:
 "أنشدوا لنا من ترانيم صهيون16 كيف نشدو بترنيمة الرب فـي
 أرض غريبة؟ إن نسيتك يا أورشليم ، فلتنس يميني مهارتهـا.
 ليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك ولم أفضلك على ذروة أفراحي.

 دام السبي الإجباري في بابل قرابة خمسين عاما. وبدخول سنة 539 قبل العصر الحالي، هزم كورش ملك فارس البابليين. وسمح بعودة الراغبين من اليهود إلى أرض إسرائيل (كتاب عزرا 1ـ2) .  عاد عشرات الآلاف في السنة التالية ، لكن كثيرون آخرين اختاروا البقاء في بابل.  انضم العائدون في بناء الهيكل في القدس إلى اليهود الذين لم يغادروا الأرض.  واكتملت إعادة الهيكل سنة 515 قبل العصر الحالي، إلا أن كل شيء لم يكن على ما يرام في يهودا، لأن البلد بقيت فقيرة والقدس كانت دون تحصينات ومعرضة للخطر، وكان الناس يعيشون في فوضى،  ودون نظام ديني وحكومي قوي، وازداد التزاوج من الجيران الوثنيين وأصبح الالتزام الديني ضعيفا.

 

عزرا والإعادة
 وصلت أخبار الظروف القاسية في القدس إلى عزرا اليهودي المولود في السبي.  وكتب عريضة إلي ملك فارس (ربمـا هو أرتحششتا الأول) يطلب منه السماح له بالرجوع مع مجموعة من السبايا، ولبى الملك طلبه.  كان الفرس في غاية التسامح ولم يكن لديهم أي اعتراض على تقوية مكانة يهودا. وهكذا سمح لعزرا بل إنه حصل على الدعم من التاج الفارسي لإنشاء نظام للتعليم ولتطبيق القانون اليهودي وقوانين ملك فارس معا.  حدد معظم الباحثين تاريخ وصول عزرا إلى القدس بسنة 457 قبل العصر الحالي.  لقد نجح عزرا في تنظيم الأمة، وتلا التوراة بالكامل جهرا كما أجبر اليهود أن يلتزموا مرة أخرى بطاعة أوامر المناسك والتقليد اليهودي (نحميا 9ـ10). 
 وفي الوقت نفسه تقريبا طلب يهودي ذو مركز عال في بلاط الملك أرتحششتا، يسمى نحميا الإذن بالانضمام إلى مجهود إعادة بناء القدس، وعينه الملك حاكم يهودا.  وفي الوقت الذي أعاد فيه عزرا نظام الديانة اليهودية الاجتماعي والديني، أعاد نحميا البنية التحتية الاقتصادية والسياسية.  ولقد استطاعا معا تعزيز المجتمع اليهودي في القدس ويهودا وضمان إنعاش يهودي قوي وناجح.
 كان لفترة السبي والرجوع أثر بالغ علي تطور الديانة اليهودية.  فأولاً، تغيرت الديانة اليهودية من ديانة قومية محلية إلى ديانة عالمية.  يعتقد مؤرخو الديانة أن كل الأديان الإنسانية قبل السبي كانت محلية.  وكان الافتراض هو أن الإنسان إذا انتقل إلي أرض جديدة فإنه سيعبد آلهة جديدة.  لم يتطور بعد إدراك الإنسان لفكرة الإله الشامل حتى أصر المسبيون من اليهود على الاستمرار في عبادة إلههم ، إله إسرائيل حتى في أرض بابل الغريبة.  وقد ثبت أن إله إسرائيل كان حقيقيا في بابل مثل ما كان حقيقيا في القدس وبالتالي فإن هذا برهان علي الوحدانية وعالمية الإله الواحد.  ثانيا، أثبت السبي لليهود أنهم يستطيعون أن يعبدوا الله حتى وإن كان ذلك يعني عدم تقديم القربان في الهيكل الذي أصبح مدمرا.  لقد كانت العبادة الإلهية قبل السبي البابلي، تتم في كل الأديان من خلال تقديم القربان في المعابد أو في الأماكن المقدسة.  ويبدو أن أول احتمال العبادة الرسمية دون تقديم القربان الحيواني قد ولد من الحاجة في بابل بعيدا عن الهيكل القدسي.  قد كان محظورا تقديم القربان لله خارج معبد القدس، وبالتالي كان لزاما اختراع وسائل أخرى لعبادة الله.  وهكذا أسس المسبيون في بابل نوعا جديدا من العبادة أخذ شكل الصلاة الجماعية، وأصبح فيما بعد مقننا في المعبد اليهودي، وفي الكنيسة وفي المسجد. لقد أثبتت تجربة اليهود (مواطني يهودا في السبي) أن الصلاة والدعاء كانت فعالة في كل مكان وأثبتت التجربة أيضا أن الله سيستجيب للعبادة حتى لو كان ذلك خارج إطار تقديم التضحية الحيوانية وخارج الأماكن المقدسة.
 إن تجربة النفي الديني قد وسعت آفاق اليهود الدينية في كثير من الأوجه التي ستؤثر في النهاية تأثيرا عميقا على كل التقاليد الموحدة .  لم تبرهن هذه فقط على أن الله رب العالمين وعلى استطاعة بني البشر التعبد في أي مكان دون تقديم القربان، بل إنها أثبتت أيضا عالمية الشعور بالمسؤولية نحو الديانة الموحدة.  ولقد حاول بنو إسرائيل قبل تدمير الهيكل الأول أن يظلوا ملتزمين بتعاليمهم الدينية في وجه وثنية تكاد تكون عامة إلا أنهم لم يشعروا بواجب التأثير على الآخرين ليصبحوا موحدين؛ ولكن مع رجوع اليهود من السبي البابلي، أصبحت الوثنية من وجهة نظرهم شرا لكل الناس في كل مكان.

 

فترة الهيكل الثاني والهلينية
 تسمى الفترة الممتدة أربعمئة سنة تقريبا بين تشييد سليمان الهيكل وحتى تدميره على أيدي البابليين بفترة الهيكل الأول.  وتسمى الفترة الممتدة ما يقرب من ستمئة سنة منذ إعادة تشييده سنة 515 قبل العصر الحالي، وحتى تدميره الثاني على يد الرومان عام 70 في العصر الحالي بفترة الهيكل الثاني.  ولا يعرف كثير عن الفترة الزمنية التي تقع بين الإعادة التي تزعمها عزرا ونحميا ومجيء الإسكندر إلى الشرق الأوسط في الثلاثينات من القرن الرابع قبل العصر الحالي.  ولكن يعتبر غزو الإسكندر نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط، لأن هذا الغزو يمثل بداية دخول الأفكار اليونانية إلى المنطقة على نطاق واسع.  تستعمل لفظة الهلينية لوصف تأثير الأفكار اليونانية على ثقافات الشرق الأوسط الأصلية، وقد غيرت الهلينية حضارة الشرق الأوسط إلى الأبد.

 فالهيلينية ، أولاً وقبل كل شيء، جمعت ثقافات وأديان المنطقة المختلفة والمتعددة.  فكان هناك تبادل واسع للبضائع وللأفكار، واعتبر كثير من الناس أنفسهم لأول مرة أنهم مواطنو العالم.  وكان أحد الأسئلة الكبيرة التي واجهت اليهود هو ما هو حجم التأثير الهيليني المقبول في الديانة اليهودية الذي لا يخل بالهوية اليهودية ولا يخل بطاعة اليهود لإرادة الله؟  وإلى أي مدى اصطدمت الأفكار والتقاليد اليونانية مع المتطلبات الإلهية للحفاظ على الإيمان بالتوراة؟

 ظهرت أجوبة مختلفة وطرحت عدة تعبيرات عن الهوية اليهودية.  ولقد مددت سلسلة الإجابات اليهودية للهيلينية النسيج الاجتماعي اليهودي إلى حد التمزق في القرن الثاني قبل العصر الحالي.  ولقد عانى اليهود من جراء حرب أهلية كادت أن تقضي على الشعب اليهودي خلال الهيلينية القسرية التي قام بها اليهود الرادكاليون بمساندة مؤيديهم من اليونانيين تحت حاكم يوناني مستبد باسـم أنتيـوكوس الرابع (Antiochus).  انتصرت الفرق اليهودية المحافظة المعـروفة بالمكابيين     (Maccabees) بإخراج الهيلينيين الرادكاليين حوالي سنة 168 قبل العصر الحالي، واستقطعوا دولة يهودية مستقلة محافظة على العادات القديمة. و يحتفي بهذا الانتصار حتى  يومنا هذا، في عيد الأنوار(خانوكاه)، العيد اليهودي الذي يخلد ذكرى إعادة تدشين هيكل القدس الذي لوثه ونجسه اليونانيون بمساعدة حلفائهم من اليهود الهيلينيين الرادكاليين.

 تسمى سلالة ملوك اليهود الذين حكموا يهودا في القرنين التاليين بالخشمونيين، لكن هؤلاء الملوك أنفسهم أصبحوا في النهاية يونانيي الثقافة، أكثر فأكثر، كما أصبحت القدس فيما بعد مدينة هيلينية (يونانية) انتشرت فيها أماكن التعليم، والفن واللغة، والثقافة والدين. ولم يكن بإمكان اليهود والديانة اليهودية أن يظلوا أبدا منعزلين عن الاتجاهات الفكرية والسياسية لبقية العالم.  لكن هذا الاختـلاط لم يكن فقط مصدر تهديد للديانة اليهودية، بل كان أيضا مصدر اندفاع وتطور. فلم تكن الديانة متأثرة تأثيرا بالغا بالأفكار الأجنبية فقط، بل إنها أثرت أيضا على الشعوب التي احتكت معها. ولقد أدى هذا الأمر إلى تحرير الديانة اليهودية من حدودها في يهودا. 

 لقد تهود كثير من اليونانيين والرومانيين باتخاذهم مظاهـر الديانة اليهودية، فتبني بعضهم بعض الممارسات أو الأفكار اليهودية، بينما اعتنق بعضهم الآخر رسميا الديانة. وهكذا انتشرت الديانة اليهودية عبر العالم الهيليني، وأصبحت دينا عالميا مهمّا ـ أول تعبير عالمي للديانة الموحدة ـ وذلك بفضل الكثير من المعتنقين من اليونانيين  والرومانيين وسكان الشرق الأوسط المحليين، وبفضل الآخرين الذين تعلموا الديانة ولم يتخذوا بعد قرارا نهائيا حول الاعتناق. كانت هذه الفترة فترة بداية ظهور فرق مختلفة للديانة اليهودية. ولقد ورد ذكر بعض هذه الفرق الدينية المختلفة مثل الصدوقيين والفريسيين في الإنجيل (العهد الجديد). وذكر الكتّاب والمؤرخون اليهود واليونانيون والرومانيون فرقا أخرى مثل الاسينيين (مؤسسي المسيحية Essenes)  والقنائيين (Zealots) وتعني الأخيرة (المتحمس الوطني:طائفة يهودية قديمة عرفت بمقاومتها الشديدة للسيطرة الرومنية على القدس).

 

اليهودية والمسيحية
 كان القرن الذي سبق تدمير الهيكل الثاني عام70 في العصر الحالي أحد القرون الأكثر توترا بالنسبة ليهود فلسطين اليونانية ـ الرومانية.  لقد احتلت الأمبراطورية الرومانية يهودا، وكان اليهود يعيشون في كل الشرق الأوسط ، واستقروا في كل شمال إفريقية وفي اليونان وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا، وألمانيا وحتى في بريطانيا.  ونمت الجالية القديمة في بابل أيضا، وكان اليهود يعيشون في مصر وبلاد الرافدين، وقد دخلوا الجزيرة العربية حتى وصلوا اليمن.

 لقد وعد التناخ بمكافأة اليهود بالسلام، والثروة ، والصحة والحياة الطيبة في هذا العالم إذا هم أطاعوا التوراة الإلهية (التثنية 7: 9ـ15 ، 11: 13-27 ).  لكن معظم اليهود لم يشعروا أن نصيبهم في هذا العالم يمثل تقواهم وإيمانهم بالله وبالميثاق.  لقد شاهد اليهود إخوانهم المستقيمين يعانون من الفقر والمرض والعنف من قبل جنود روما ومسؤوليها وشـاهدوا في الوقت ذاته كيف يبدو أن الكفار الأقوياء يتمتعون بأفضل ما يمكن أن توفره الحياة.  لقد اضطهدت السلطات الرومانية الوثنية اليهود في أرضهم في الوقت الذي تمتعت فيه بكل اللذات الممكنة في الحياة.

 لقد لمحت، بل بشرت نصوص من الكتاب المقدس، خصوصا من أسفار الأنبياء، بالزمن الذي سيقضي فيه الله على كل الجور في هذا العالم.  وسيرد الله بني إسرائيل من كل شتاتهم إلى القدس، وإلى أرض إسرائيل، حيث سيحكمون بالعدل والسلام ويباركون بمحبة الله (إشعياء 11: 11ـ12، عاموس 9: 14ـ15).  ولقد ورد في نصوص أخرى أن الشخص الذي سيحكم إسرائيل ويؤدي إلى الاستقامة والخلاص في نهاية الزمن سيكون من سلالة داود الموحد الكبير لإسرائيل في قديم الزمان.  لكن الله وحده هو الذي سيحقق معجزة الخلاص، علما بأنه لم يرد في التناخ ما يشير إلى أن شخصاً بطلاً منقذاً سيقوم بمعجزة تحقيق هذا الخلاص.  وبالرغم من هذا فقد بدأ كثير من اليهود داخل الإمبراطورية الرومانية في الاعتقاد أن الشخصية التي سيكون على يدها الخلاص الإلهي هي شخصية تحظى بالتوجيه الرباني، وذلك خلال فترة الحكم الروماني الشرير، وبعدما أصبح واضحا أن النبوة قد توقفت.  وتطورت الأفكار اليهودية حول المهدى في هذه الفترة وخلدت في التلمود والمدراش التي هي مجموعة من التقاليد اليهودية والتفسيرات المعروفة "بالشريعة الشفوية"17.

 لقد كان شعور توقع المهدي عاليا خلال الفترة الرومانية واعتقد عدد من اليهود أن بعض الشخصيات النادرة هي فعلا المهدي المنتظر.  كان أشهر هذه الشخصيات عيسى (يسوع) ابن يوسف من الناصرة.  وإن كان بعض اليهود آمنوا بمقامه كالمسيح المخلص، فإن معظمهم لم يؤمنوا به.  وشكل أولئك اليهود الذين آمنوا بمهديته مؤسسي المسيحية التي قبلت وطالبت بالاعتقاد بمهدية يسوع كحقيقة دينية.  وبعد ذلك بوقت قصير تتطلب المسيحية الاعتقاد بأن يسوع لم يكن فقط المسيح المنتظر، بل إنه أيضا ابن الله بعينه.  رفض معظم اليهود الاعتراف بمسيحية يسوع لأن المسيح الحقيقي بالنسبة للديانة اليهودية، سيأتي بالخلاص المباشر ولا يحتاج إلى "قدوم ثان".  ولقد انتقلت المسيحية إلى ما وراء الإيمان اليهودي المقبول عندما بدأ اتباع عيسى يطالبون أيضا بضرورة الاعتقاد بأن عيسى ابن الله.  وتعتبر الديانة اليهودية أن فكرة الثالوث انتهاك لوحدانية الله.

 ونظرا لعدم قبول الاعتقاد المسيحي لدى الديانة اليهودية مطلقا أن يسوع هو ابن الله، فإن سورة التوبة في القرآن تبين إشكالية من نوع مثير.  فقد ورد في الآية 30 من السورة: " (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) " (9: 30).  لقد كان المشكل الذي تقدمه هذه الآية واضحا للفقهاء المسلمين منذ العهود الأولى، لأنهم كانوا يعيشون مع اليهود ولاحظوا بأنه لم يعرف عن اليهود أنهم يعتقدون أن عزيراً (عزرا) ابن الله.  لقد كتب كل المفسرين القدامى تقريبا أن هذه الآية لا تشير إلى كل اليهود، بل هي بالأحرى تشير إلى بعض الأفراد أو الجماعات التي كانت تعيش في الجزيرة العربية.  إن سورة التوبة سورة مدنية، وقد أورد المفسرون الأحاديث التي ألقت الضوء عليها في محيط حياة النبي محمد في المدينة.  وعلى سبيل المثال، فقد أورد محمد بن جرير الطبري في تفسيره الأحاديث التالية18:
" حدثنا القاسم ، قال : ثنى الحسين ، قال : ثنى حجاج ، عن ابن جريج، قال : سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير، قوله : (قالت اليهود عزير ابن الله) ، قال : قالها رجل واحد، قالوا: اسمه فنحاص"19 . "حدثنا أبو كريب (في سلسلة من الأسناد إلى ..) عن ابن عبـاس ، قال أتى رسول الله (صلعم) سلام بن مشكم ، ونعمان بن أوفى ، وشأس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ، وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله؟ فأنزل في ذلك من قولهم (قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله).

  وإن كان واضحا أن الديانة اليهودية، كدين حضاري، لا تقبل بالرأي الذي يذهب الى أن لله شركاء أو ذرية، فإنه من المحتمل أن يكون هناك وجود بعض المجموعات الهامشية التي تجاوزت حدود الإيمان المقبول مع شخصية مهمة مثل عزير. فلقد ربط مثلا كتابان قديمان يهوديان في الأصل المركز الإلهي أو الملائكي بعزير وإينوخ من الشخصيات التناخية. هذان الكتابان هما: عزير 4، المعروف أيضا بـ 2 إحدراس (2) 14: 9، 2. و4 إينــوخ (2)،22: 11 .  وبالرغم من أن كتابتهما تمت على أيدي اليهود، إلا أنهما رفضا من قبل الديانة اليهودية ولا يعتبران جزءا من الأدب التشريعي العبري.  ولكن وبحكم تماثلهما مع المعتقدات المسيحية، فإن بعض الجماعات المسيحية تبنتهما وحافظت عليهما.  ويبدو أن بعض أعضاء فرقة يهودية من الذين يؤمنون بهذه المعتقدات كانوا يعيشون في المدينة في زمن النبي، وقد أعلنوا عن مثل تلك الآراء التي رفضت فورا، وعورضت بالتنزيل القرآني للآية.

 تزعم كلتا الديانتين معا، المسيحية واليهودية بأن التوراة لها.  وبالإضافة إلى قبول المسيحية للتوراة اليهودية- التناخ  (يسمى عند المسيحيين "العهد القديم")، فإنها كذلك تؤمن أن يسوع نفسه ابن الله، يمثل الإرادة الإلهية.  فبالنسبة للمسيحية فبما أن الله بعث ابنه إلى الأرض لغاية إلهية فإن كل ظرف من حياته على الأرض يعكس إرادة الرب، وكأن يسوع يعتبر من ثم بمثابة التنزيل الحي الرباني، وبالتالي فإن قصص حياته المكتوبة تعتبر كتاب الله المقدس.  فهي البشارة، والإنجيل وصلب كتاب المسيحيين المقدس، أو العهد الجديد.  وبشكل عام فإن المسيحية تعتقد أن النبوءات الكبيرة الواردة في التناخ (العهد القديم عند المسيحيين) قد تحققت في حياة يسوع كالمسيح والرب في شكل بشر.  لكن اليهودية تعتقد أن النبوءات الكبيرة لم تتحقق بعد.  إن اليهود والديانة اليهودية لا يقبلان العهـد الجديد على أنه الكتاب المقدس في الوقت الذي يعتبر فيه المسيحيون والمسيحية أوامر العهد القديم غير ملزمة لأنهم يرون أن قدوم يسوع نسخها .  توجد طبعا فروقات كثيرة بين الديانة اليهودية والديانة المسيحية لكن جوهر التمييز بينهما يكمن في اختلافهما حول مسيحية وألوهية يسوع، وحول دور الأوامر الإلهية في الحياة.


 

الدمار والتشتيت
 لقد وضعت روما سيطرتها المحكمة على أرض يهودا مع القرن الأول من العصـر الحالي.  أصبح حكام روما وولاتها أكثر قساوة وظلما حتى ثار اليهود سنة 66 تحت زعامة المتحمسين الذين يؤمنون بأن الله سيمدهم بعونه في حربهم ضد كفار الرومان ويأتي "بآخر الزمان" المتوقع.  لكن اليهود لم يكونوا علي رأي واحد فيما يتعلق بهذه الحرب.  اعتقد كثير منهم إما أن الوقت ليس هو الوقت الموعود، وإما أن الحرب ليست الوسيلة المناسبة لتحقيق الخلاص.  إن الثورة اليهودية ضد روما قد تسببت في تمزيق هائل في الإمبراطورية الرومانية، واستقدمت وحدات من الجيش الروماني من مناطق متعددة من أوروبا والشرق الأوسط لإخمادها والقضاء عليها.  ونجحت روما في النهاية بإعادة السيطرة على القدس سنة 70 ودمرت الهيكل في أثناء العملية.  وكانت آخر قلعة تسقط في أيدي الرومان هي مسّادا قرب البحر الميت وذلك سنة 73 في العصر الحالي.

 لقد توقفت القرابين بعد تدمير الهيكل وانتهت الكهانة الوظيفية، ولم تعد القدس تلعب دور الموحد للأمة اليهودية المشتتة.  ومع نهاية زعامة الكهانة اليهودية بدأ حكماء اليهود المتعلمين، أو الأحبار، يملئون الفراغ.  ولعب السنهـدرين أو مجلس العلماء دور المجلس التشريعي والقضائي المركزي وأصبح رئيسه السلطة اليهودية المركزية في العلاقات مع روما.  ووضع تدمير الهيكل نهاية لليهودية التوراتية وبداية لظهور اليهودية الربانية (الحاخامية).

 حدثت ثورة يهودية أخيرة في غاية التدمير ضد روما، وكان سببها أيضا الحكم الروماني الجائر، وقادتها شخصية عسكرية مهدية (messianic) باسم شيمون باركوخبا ومساندة الحاخام عقيبا.  انتزعا القدس من الرومان سنة 132 وحاولا إعادة بناء الهيكل.  لكن فشلت "انتفاضة باركوخبا".  ومحى الامبراطور الروماني هدريان مدينة القدس بأكملها سنة 135، وبنى بعد ذلك مكانها مدينة كافرة تسمى إليا كابيتولينا، ومن هذا الاسم اللاتيني تكون أحد أسمائها العربية إلينا.  ومنع اليهود من الظهور حول القدس تحت تهديد الموت.  وأصبحت المنطقة حول المدينة خرابا مهجورا.  مارس الرومان نوعا من "التطهير العرقي" من أجل إبعاد اليهود عن القدس عاصمتهم المركزية، وكانوا مصممين على منع وقوع مزيد من الثورات اليهودية إلى درجة أنهم تخلوا عن تسمية المنطقة يهودا، وذلك من أجل فصلها عن اليهود تماما.  غيّر الرومان اسم يهودا إلى اسم "فلسطين" المأخوذ من اسم الشعب القديم البائد المعروف بالفلسطينيين.  أصبحت يهودا خرابا، وفر الناجون شمالا إلى الجليل أو خارج المنطقة كليا.  ومنع الرومان الوثنيون - وكذلك المسيحيون فيما بعد -  اليهود من دخول القدس ما عدا يوما واحدا في السنة، اليوم التاسع من شهر آب الذي يصادف يوم حداد يهودي شامل.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
  

   تمهيد : دافيد .هاريس
   مقدمة المؤلف
   الجزء الأول:  مسح التاريخ اليهودي 
   الفصل الأول:الجذور
   الفصل الثاني:التعزير والشتات
   الفصل الثالث:  يهودية الأحبار (الحاخامين)، التلمود وعالم القرون الوسطى
   الفصل الرابع: الديانة اليهودية والحداثة- أوروباالغربية
   الفصل الخامس: اليهودية والحداثة: أوروبا الشرقية
   الجزء الثاني:  الله والتوراة وإسرائيل
   الفصل السادس: الله
   الفصل السابع: التوراة
   الفصل الثامن: إسرائيل
   الفصل التاسع:  الصلاة
   الفصل العاشر: المعبد اليهودي والبيت
   الفصل الحادي عشر: التقويم
   الفصل الثاني عشر: مدار الحياة اليهودية
   الفصل الثالث عشر: الالتزام الشخصي
   الجزء الرابع: مصير الإنسان
   الفصل الرابع عشر: احتمالات وهدف
   الفصل الخامس عشر: الخاتمةاليهود في جدول أحداث التاريخالمراجع والملاحظات
   الديانة اليهودية
   الأعياد اليهودية
   النصوص اليهودية المقدسة
   أدوات طقوس يهودية
   
 
   
 
     الردود (feedback) | خارطة الموقع