يُدرّس التقليد اليهودي بأن التوراة تشتمل على 613 فرضا إلهيا، و248 فرضاً يجب القيام بها، و 365 نهياً يجب تجنبها. وعلى هذا فإن الوصايا العشر ليست إلا جزءا بسيطا من جسم الشريعة اليهودية، وليست أكثر أو أقل قيمة من الأوامر الأخرى. تميل الديانة اليهودية أن لا تركز على الوصايا العشر لهذا السبب، وكذلك لأن المسيحية تاريخيا كانت تنتقد اليهودية بتركيزها على الشريعة، وقد كانت تعلم أن الوصايا العشر تمثل الأوامر الإلهية الوحيدة في التوراة التي يجـب على بني الإنسان اتباعها.
إن الديانة اليهودية، كما نوقش في الفصل السادس لا تفصل بين الأوامر بوضعها في الفئات المعروفة في الغرب الحديث مثل القانون المدني، وقواعد الشعائر الدينية والقانون الجنائي والمبادئ الأخلاقية والسلوك الاجتماعي. إن الأوامر الإلهية لم ترد على شكل فئات في التوراة وليست كذلك أيضا في المدونة القانونية والتعليقات اليهودية. إن عددا كبيرا من الأوامر الواردة في التوراة لا يمكن الالتزام بها، لأنها تتعلق بتقديم القرابين في الهيكل أو بممارسات أخرى قديمة. لكن أضيف عدد آخر من الأوامر في التوراة الشفوي وفي أدب الحاخامات في التلمود والمدارش وفي المدونة وتعليقات القـرون الوسطى.
كان اليهود قبل العصور الحديثة يعيشون حياة تقليدية متسمة أكثر بالثقافة بدلا من التشريع الديني. فكانت من الطبيعي حياة يهودية كاملة، لأن اليهود كانوا يميلون إلى العيش في الغالب منعزلين عن غير اليهود؛ وبالتالي فإنهم كانوا يتصرفون كمجتمع متحد. فالالتزام بقوانين الطعام، مثلا، ليس بكل بساطة الأجزاء من الحياة في التجمع اليهودي. فإمكانية تناول الأطعمة غير الكوشير لا تخطر على البال في الواقع، وبما أن الأطعمة غير الكوشير ليست متوافرة لليهود بسهولة، فإنهم لم يفكروا أكثر من اللازم في الموضوع. فتناول الكوشير بكل بساطة يعتبر طرفا طبيعيا من حياتهم . لقد تغير الوضع اليوم بشكل جذري . لقد أصبح اليهود مندمجين في المجتمع الحديث في معظم مناطق العالم فهم يسكنون ويعملون ويتفاعلون اجتماعيا مع غير اليهود. يتسوق اليهود في مراكز التسويق ذاتها مثل كل الناس، وليس في الدكاكين اليهودية الصغيرة التي كانت الأماكن الوحيدة لشراء الأغذية في الغيتو. لقد أصبح فعلا من الصعوبة بمكان إيجاد وإعداد أطعمة الكوشير، وبالتالي فإن اليهود يواجهون اليوم تحدي اختيار كيفية الالتزام بالتشريع الغذائي، هل سيتقيدون بالقوانين التقليدية بصرامة، أو بدون صرامة، أو سوف لا يتقيدون بها بالمرة؟ يوجد اليوم مجال واسع في عادات طعام الكوشير.
لكن القضية ليست فقط فيما إذا كان المرء على استعداد للالتزام بكل القواعد. فبعض اليهود يلتزمون بأكثر مما هو مطلوب في التقليد. فلقد أضاف بعضهم، على سبيل المثال، في محاولتهم لوقاية أنفسهم من اغراءات العالم الحديث قيودا غذائية لم تكن أبدا في الحسبان قبل العصر الحديث. فبإمكان المرء أن يلاحظ اليوم في دولة إسرائيل وفي أماكن تجمع الجاليات اليهودية المهمة في الشتات أن العادات الغذائية تختلف من التساهل إلى الصرامة الشديدة التي تضيف قيودا جديدة على التقليد. تنطبق هذه الملاحظة أيضا على التصرفات اليهودية الأخرى. لا يلتزم كثير من اليهود بالتقليد بحذافيره، ويلتزم به آخرون بشدة لوقاية أنفسهم من تحديات الحداثة والحرص من إمكانية الإهمال البعيد غير المقصود لإحدى ظواهر التشريع. وبتعبير بسيط ، لقد كان معظم اليهود يمارسون شكلا من الديانة اليهودية المعتدلة. أما اليوم، فإن الممارسة اليهودية تمتد من الذين لا يمارسون إلى الذين يعتبرون أكثر صرامة مما ينبغي لتحقيق مطالب الشريعة الإلهية.
أصبح اليهود مندمجين إلى درجة عالية في الثقافات المحيطة ولا يتوقع منهم أن يعيشوا في غيتوات منعزلة. ولقد كان لقيم العالم الغربي الحديث العلماني تأثير بالغ على السلوك حتى في دولة إسرائيل. إن القوانين والثقافة الوطنية لدولة إسرائيل تعزز بقوة الحياة اليهودية، لكنها ليست قوانين يهودية كما تم تحديدها في هالاخآه في التقليد اليهودي. وبالعكس إنها قوانين صادرة عن الكنيست (أي البرلمان)، وكثيرا ما تتعارض مع التعاليم القانونية اليهودية. يلاحظ المرء فورا التشابه مع العالم الإسلامي في عدد من الدول القومية ذات الأغلبية المسلمة الساحقة والتي قد لا يتم تصنيفها بالدول الإسلامية التي تعتبر فيها الشريعة قانون البلد.
وكنتيجة لتأثير الحداثة فإن هناك ممارسات يهودية في غاية التنوع تمتد من الأرثوذكسية المتطرفة إلى العلمانية التامة. هناك ميول لانتقاد ما يقوم به اليهود الآخرون خصوصا على هامش التقييم. قد تكون هذه الانتقادات بصوت عال لكنها نادرا ما تقود إلى العنف.
الصدقة
لا تعتمد الديانة اليهودية على السخاء بالإحسان والعطاء ، مثلها في ذلك مثل الإسلام، بل إنها تطالب بالعطاء كجزء من الشريعة الإلهية . فالإحسان ليس خدمة للفقراء بل هو حق من حقوقهم، وإضافة إلى هذا فإن المانح مجبر على العطاء. ففي عصور التناخ عندما كان كل بني إسرائيل تقريبا مزارعين فقد كانت زوايا الحقول لا تحصد من أجل ترك نصيب للفقراء، إضافة إلى هذا فلا يلتقط ما يتناثر ويسقط في أثناء الحصاد والقطف ويترك للمساكين (اللاويون 19: 9ـ10، 23: 22). فإن التناخ يؤكد على ضرورة إطعام الجائع وكسو العاري والاهتمام باليتيم، والأرملة والفقير. يصف سفــر التثنية منـح الصـدقة على أنها مـن الصـفات الإلهية (10: 17ـ18).
لأن الرب إلهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب الإله العظيم الجبار
المهيب الذي لا يحابي أحداً ولا يرتشي. إنه يقضي حق اليتيم
والأرملة ويحب الغريب فيوفر له طعاما وكساء؛ فأحبـوا الغريب
لأنكم كنتم غرباء في ديار مصر.
يتعلم اليهود أن يقلدوا طيبة الله في طرقهم الإنسانية المحدودة. ففي مقطع مثير يشبه ما جاء في القرآن فلقد أخذ تقليد طيبة الله إلى مجاز في غاية المبالغة (سورة التغابن 17:46 " إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ").
إن الكلمة للصدقة المفروضة هي تسداقاه (عربي : صدقة) واستعملت في القرآن بمعنى الزكاة (البقرة 196، 263ـ264، النساء 4: 114، التوبة 9: 103) . تعني اللفظة في العبرى " مستقيم " أو " عدل " وهي مطلوبة من كل واحد. إن الذين يعملون في الصدقة مطالبون بالتصدق على المحتاجين (جتين 7 أ) . إن قوانين الصدقة معقدة ، ولكن يتوقع أن تكون عشرة في المئة من الثروة. يعتبر إعطاء عشرين في المئة أو أقل عملا حقيرا. ولا يتوقع التصدق بأكثر من خمس ثروة المرء مخافة أن يفتقر المرء ويصبح معتمدا على الصدقة بدوره. لا يمكن المبالغة في أهمية الصدقة. لقد ورد عن الحاخام آسي ، أحد حكماء التلمود الكبار بأن الصدقة مهمة مثل كل الأوامر الأخرى مجتمعة (بافا بترا 9أ).
تعترف اليهودية بعدد من أنواع المساعدة الأخرى للمحتاجين. وتشتمل هذه على أعمال الخير والجميل (جميلوت حسديم)، كالعناية بالميت ودفنه، وتوفير الأعمال للعاطلين، وغير ذلك. يتم ترتيل المقطع التالي من التلمود (شبات 27 أ) كل يوم في صلوات الصباح:
هذه هي الأعمال التي تثمر في هذا العالم، والتي يكـون الجـزاء
عليها في الآخرة: إكرام الوالدين، القيام بأعمال الخير، الحضـور
إلى بيت الدراسة صباحا ومساء، توفير الضيافة، زيارة المريض
تجهيز العروس المحتاجة، العناية بالميت، الخشوع العمـيق في
الصلاة، إقامة السلام والصلح بين شخصين، ودراسة التـوراة
تتساوى معها كلها (لأنها تقود إلى مثل كل هذه الأعمال).
الفضائل الإنسانية
تركز الديانة اليهودية، مثل معظم الديانات ، على أهمية الحياة بحسب أعلى الفضائل. وتشتمل هذه الفضائل على التواضع واحترام الآخرين، والحياء والصدق على الصعيد الشخصي وفي الممارسات التجارية، وكثير من الفضائل الأخرى بالطبع. إن هدف الحياة ليس فقط الوجود والإنجاب والزواج، بل إن الهدف هو التمتع بالحياة بكاملها بشغف ورحمة معا، والمساهمة قليلا لتقريب العالم نحو الكمال. إن التناخ والتلمود، وكذلك الكتابات اليهودية المتعددة حول الدين تعلم كثيرا الفضيلة وكيفية التمتع بالحياة كاملة والتقيد بالمطالب الإلهية. توجد هذه الدروس على شكل أمثال، وأقوال مأثورة وقصص. لا يتسع هذا المكان إلا لعدد قليل من الأمثلة عن هذا الباب الواسع جدا . وهذا مثال من المدراش (اللاويون رباه 33: 1):
قال الحاخام شيمون بن جمليئل مرة لخادمه التباعي:" اذهب واشتر لي طعاما جيدا في السوق" . ذهب التباعي واشترى له لسانا. وقال له (مرة أخرى): "اذهب واشتر لي طعاما سيئا في السوق" . ذهب التباعي واشتري له لسانا آخر. فقال له الحاخام: "ما هذا؟ لما قلت لك أن تأتي بطعام جيد اشتريت اللسان ولما قلت أن تأتي بطعام سيء أتيت باللسان أيضا" أجاب التباعي: الخير يأتي منه والشر ياتي منه. وعندما يكون اللسان طيبا لا يوجد أحسن منه، وعندما يكون سيئا فلا شيء أسوأ منه".
إن القصة مثيرة، ليس فقط في رسالتها المباشرة ، بل كذلك في رسالتها غير المباشرة ألا وهي أن الحاخام الكبير الحكيم شيمون بن جمليل تعلم درسا من خادمه المتواضع. إن خطر الكلام الخبيث يعتبر موضوعا بالغ الأهمية، لأن تأثيره يمكن أن يكون في غاية الضرر والأذى. لقد علم الحاخام حاما بن حنينة في التلمود ما معناه أن اللسان يمكن أن يقتل تماما كما يمكن لليد أن تقتل (أرضين 15 ب). وقد انتهت مناقشة في المقطع نفسه من التلمود إلى نتيجة مفادها أن الكلام السيء يدمر ثلاثة أشخاص المفتري والسامع والمفترى عليه.
وفي موضوع آخر حول مسؤوليته تجاه نفسه وتجاه المجتمع، فقد ورد عن الحكيم الكبير أنه قال في المشناة: " إذا لم أكن لنفسي ، فمن سيكون لي؟ وإذا لم أكن إلا لنفسي فمن أنا ؟ وإن لم يكن الآن فمتى؟" (أفوت 1: 14). وقد أعطى عدداً من الدروس بشكل قريب من التقليد الإسلامي والحكمة العربية القديمة. ومثال على ذلك المقولة الذكية وسهلة الحفظ لحاخام في التلمود (إروفين 65 ب): "يمكن الحكم علىشخصية المرء من ثلاثة أشياء: بكوسو، بكيسو ، بكعاسو : بكأسه، وبكيسه ، وبغضبه.
إن دراسة التوراة كانت دائما عملية مشرفة في العالم اليهودي لآلاف السنين، وكان الحكماء والعلماء يحظون دائما بتقدير كبير وبالرغم من هذا ، يجب ملاحظة هذا التصريح الصادر عن أحد أحصف الحكماء الأكاديمية في يفنة كما ورد في التلمود (شات 17 أ):
إنا خليقة الله، وصاحبي (الجاهل) خليقة الله. عملي
في المدينة (أو في الأكاديمية) وعمـله في البـادية
(أي في المزرعة). أقوم مبكرا للذهاب إلى عملي ،
ويقوم مبكرا للذهاب إلى عمـله، كما لا يمكـن لـه
أن يتقن عملي فإنه لا يمكن لي أن أتقن عمله. هل
ستقول بأنني أقوم بعمل ويقوم هو بعمل غير مهم؟
لقد تعلمنا أنه غير مهم كبيرا كان أم صـغيرا ما دام
قلبه موجها إلى الله.
يوجد في الديانة اليهودية عدد من المدارس الفقهية المختلفة مثلها في ذلك مثل الديانة الإسلامية وردت قصة في التلمود (إروض 13 ب) حول نزاع مستمر قائم بين مدرسة شماعي ومدرسة هليل:
قالت الأولى: "إن الشريعة توافق آراءنا". وقالت الأخيرة: إن الشريعة توافق آراءنا" وبعد ذلك أعلن صوت من السماء: "كلاهما كلمات الله الحي، لكن الشريعة تتفق مع آراء مدرسة هليل" لكن بما أن "كلاهما كلمات الله الحي"، فلماذا وقفت الشريعة بجانب آراء مدرسة هليل؟ لأن الذين ينتمون إلى المدرسة كانوا طيبين ومتواضعين. درسوا آراءهم ودرسوا آراء مدرسة شماعي وكانوا في غاية التواضع بأنهم قاموا بذكر آراء شماعي قبل ذكر آرائهم... يعلم هذا أن المتواضع برفعه الله وأن الذي يترفع فإن الله يتواضع معه. إن العظمة تفرّ من الذي يبحث عنها وتتبع العظمة الذي يفر منها.
تدعو الديانة اليهودية إلى التواضع في اللباس والأكل وطريقة الحياة. يجب أن تكون الممارسات التجارية عادلة إلى درجة أن زائر دكان ليست لديه نية الشراء لا يجب أن يسأل عن سعر البضاعة حتى لا يرفع من توقعات صاحب الدكان . هذه القيم ليست بالطبع خاصة بالديانة اليهودية، لأن معظم الحضارات الدينية تدعو إلى الفضائل الأخلاقية نفسها. إن الهدف هنا ليس محاولة إثبات تفوق الديانة اليهودية، بل إن الهدف هو إيضاح أن اليهود مثل المسلمين ومثل أتباع معظم الأديان قد تعلموا مجموعة من التعاليم الأخلاقية الممتازة التي يجب اتباعها. وفي الغالب فإن الأفكار المسبقة أو الميل الطبيعي في الإنسان للرفع من مكانة ذويه على حساب الآخرين هي التي تحول دون تعزيز الأخوة والانسجام بين الشعوب والأديان . فبدلا من الافتراض أن الآخر ذو مكانة دنيئة ، فإن المنطق يوحي أن آلاف السنين من التجربة الدينية لدى الآخر ومئات الملايين من أتباع الدين قد تكسبه احتراما مهما. وكما هي العادة في كل المجموعات البشرية فإن المرء يستطيع أن يجد أناسا في غاية الشر، كما يستطيع أن يجد أناسا في غاية الطيبة؛ ومعظم الناس يقعون في مكان ما في الوسط.