English
עברית
فارسی
التواصل- وزارة الخارجية الإسرائيلية
   
 
التواصل     هذه هي إسرائيل     الديانة اليهودية     ذرية إبراهيم     احتمالات وهدف

احتمالات وهدف

فصل من كتاب "ذرية إبراهيم" - مقدمة عن اليهودية للمسلمين
تأليف: روبن فايرستون

بعد الممات
لم يرد في التناخ ذكر الآخرة وأن الجنة للمتقين والعذاب للمذنبين.  إن الجزاء والعقاب، بحسب المصادر التناخية مثل سفر التثنية 13 أو المصادر النبوية مثل سفر إرميا 3: 10، يهتمان فقط في هذا العالم وليس في الآخرة.  إذاً، بحسب التناخ ، فإن كل الموتى سواء كانوا سعداء أم أشقياء يدخلون إلى عالم مظلم موجود في باطن الأرض يقال له شيؤول، الهاوية. حتى أن النبي الكبير والكاهن صموئيل دخل مجال هذه الهاوية (كتاب صموئيل الأول: 28 :8 وما بعدها). هناك فقط استثناءان ممكنان لهذه القاعدة في التناخ. الاستثناء الأول هو أخنوخ الذي جاء في سفر التكوين   (24:5) أنه "سار مع الله. ثم توارى من الوجود لأن الله نقله إليه". الاستثناء الثاني هو النبي إيليا الذي نقلته مركبة من نار إلى السماء (كتاب الملوك الثاني 2 :11).  إن ما قد يبدو تناقضا في هذين الوصفين لم يعتبر مشكلا في الفترة التناخية، لكن الحاخامات حاولوا فيما بعد أن يفهموه.  لقد لاحظ كثير من الناس ما قد يبدو تناقضا بين العدالة الإلهية في الجزاء والعقاب والمشاهدة اليومية أن المستقيمين يتعذبون بينما يزدهر الأشرار.  لم يكن هذا المشكل موضوع اهتمام كبير إلا في أواخر الفترة التناخية.  لقد تم التوصل إلى الحل بالاعتقاد أن الجزاء والعقاب سيتمان بالكامل في هذا العالم وفي الآخرة.  لقد وقع هذا في الفترة الأولى للمشناة والتلمود، وقد اشتملت هذه النصوص المقدسة على أفكار وآراء حول حياة بعد الموت في الجنة (جان عدن) وفي جهنم (جهنوم).   

يشير التناخ إلى واد خارج بوابات بيت المقدس يسمى "جي هنوم" ، وادى هنوم الذي كانت عادة الكنعانيين أن يمارسوا فيه تقديم القرابين البشرية للصنم مولك. قد ذكر التناخ أن بعض الإسرائيليين قد قدموا أبناءهم في النار للأصنام هناك، وقد شجبهم بشدة (كتاب الملوك الثاني 23: 1.، إرميا 19: 5ـ6، 2).  فلقد كان وادي هنوم الذي في التناخ، وتمارس فيه هذه العادة، مكانا فاسدا تمارس فيه ديانة خاطئة، لكن لا وجود فيه لمعنى حياة بعد الممات في جهنم .  إن ارتباط وادي هنوم بالنار والموت (إرميا 19: 6)، أدى فيما  بعد إلى إعطاء اسم لجهنم في الديانة اليهودية، وأصبحت اللفظة جزءا من اللغة العربية واللغات الأوروبية أيضا.  فالعلاقة بين هذا المكان والنار والموت تناخية، لكن يبدو أن مفهوم جهنم والجنة في الحياة الآخرة لم يدخل في التقليد اليهودي إلا مع أواخر الفترة التناخية أو بعدها.

وعلى ضوء الحياة الأخرى المذكورة في التلمود والمدراش فإن الروح تخرج من الجسد بعد الموت إلا أنها تظل في علاقة مؤقتة معه مدة سنة تقريبا حتى يتم تحلل الجسم تماما.  اختلقت آراء الحكماء حول ما يحدث بالضبط خلال هذه المدة وبعدها.  يرى بعضهم أن هذه السنة هي فترة التطهير للروح، ويرى آخرون أنها فترة التطهير للأرواح الشريرة فقط. يتمسك بعضهم أن أرواح الفائزين يدخلون الجنة مباشرة بينما تظل أرواح المذنبين في عذاب جهنم، أو أنها لا تستطيع تحرير نفسها من الجسد المتحلل حتى تمر سنة.  وهذه الفترة هي الفترة التي يقرأ فيها الأولاد صلوات القاديش على المتوفين من الوالدين، لأن أفعال الأطفال الحسنة ستساعد أرواح الوالدين على الدخول إلى الجنة. وبعد انتهاء السنة يوضع الحجر علامة الرأس على القبر، وتنتهي قراءة صلوات القاديش ما عدا في ذكرى يوم الوفاة.

وكما ذكر أعلاه، فإن التناخ ظل صامتاً تقريبا حول موضوع الآخرة.  لم يكن حكماء التلمود على ذات الرأي فيما يتعلق بمصير الروح بعد الممات.  وشعر بعضهم أن الروح تظل واعية تماما، ويرى آخرون أنها تكون ساكنة، وهناك عدد من المناقشات حول مواضيع مثل ماذا يعرف الموتى عن العالم الذي خرجوا منه، وهل يستطيع الموتى الاتصال بالأحياء وغير ذلك.  وبالرغم من اعتقاد الحاخامات في نوع الحياة الآخرة، إلا أنهم لم يهتموا كثيرا بتفاصيل ما يمكن توقع حدوثه هناك.  لم يروا أي مشكل في اعتبار عدد من التأملات معتمدين في النهاية على ما ورد في المزمور 64: 3: " لاعين رأت يارب إلا أنت" .

البعـث
إن فكرة البعث بمعنى الاعتقاد أن الموتى ستبعث حية في أجسادها وستعيش مرة أخرى هي فكرة مختلفة تماما عن فكرة حياة روحية في الجنة أو العذاب وعن فكرة خلود الروح. وإن كانت هذه المفاهيم الثلاثة منفصلة ومميزة منطقيا إلا أنها مرتبطة وتتعلق كلها بما يحدث بعد الموت، وغالبا ما تدمج المناقشات الدينية حول الآخرة ما بينها.  ليس لدى التناخ كثير ما يقوله حول هذه المفاهيم.  لكن الله يوصف بما لا يدع الشك أنه قادر على إحياء الموتى (مثلا التثنية 32: 39، صموئيل الأول 2: 6، حزقيال 37: 1ـ14). لم يرد تصريح واضح حول قيام الموتى على نطاق واسع في وقت ما في المستقبل إلا في سفر دانيال من أسفار التناخ المتأخرة (12: 2): "ويستيقظ كثيرون من الأموات المدفونون في تراب الأرض، بعضهم ليثابوا بالحياة الأبدية وبعضهم ليذوقوا ذل العار والازدراء إلى الأبد" لكن انتظار الانبعاث في المستقبل كان سائداً إلى حد ما  في التلمود والمدراش وفي الأدب اليهودي المتأخر.  فالانبعاث يوقظ الموتى من أجل الحساب، وسيدخل الحياة الأبدية (عولم هاباء) الذين يستحقونها.

لدى الديانة اليهودية عدد قليل من المبادئ الاعتقادية، لكن مفهوم البعث أصبح طريقة مهمة جدا للتمييز بين المؤمنين الحقيقيين والمشركين.
 يعطي المشناة سنهدرين (10: 1) معنى أهمية الفكرة النفسي.
  كل شعب إسرائيل له نصيب في الآخرة كما قيل:
  "ويكون شعبك جميعا أبرارا ويرثون الأرض إلى
  الأبد، فهم على غرسي وعمل يدي لأتمجّـد".
  (إشعياء 6.: 21). لكن هـؤلاء هـم الذين لا
  نصيب لهم في الآخرة الذين لا يؤمنون بالبعث.
والبعث يجمع الجسد والروح معا للحساب النهائي ـ لأنهما لا يحاسبان منفصلين كما تم شرحه في نقاش بين الحاخام يهودا الأمير والضابط الروماني في التلمود:
  قال أنطونينوس للحاخام: إن الجسد والروح يستطيعان
  التحرر من المحاسبة.  يستطيع الجسـم الادعاء أن
  الروح هي المذنبة. (والدليل هو) فمـنذ اليوم الذي
  تركتني، وأنا هامد مثل الحجر في القبر لا أستطيـع
  القيام بشيء.  يستطيع الروح أن يقول: إن الجسـد
  هو الذي أذنب (والدليل هو) منذ اليوم الذي تركته،
  أطير في الهواء مثل الطير (ولا أرتكب أي خطيئة)
  أجاب الحاخام: سأقول لك حكاية. بماذا يمكن تشبيه
  هذا الوضع؟ يمكن تشبيه ملك من بني البشر يمـلك
  حديقة جميلة يوجد فيـها تين رائع.  عين المـلك
  حارسين لحراسة الفاكهة أحدهما مبتور الرجلــين
  والآخر أعمى.  وفي أحد الأيام قال الأعرج للأعمى:
  إني أرى تينا جميـلا في الحـديقة، تعال خذني على
ظهرك لنقطفها ونأكلها: وهكذا ركـب الأعـرج على
ظهر الأعمى وأخذا التين وأكلا منها. وفي وقت لاحق
جاء صاحب الحديقة وسألهما: أين التين الجميل؟ أجاب
الأعرج: "هل لدى أرجل لأمشي بها؟ فأجـاب الأعمى :
"وهل لدى عيون لأرى بها؟" ماذا فعل الملك؟ وضـع
الأعرج على ظهر الأعمى فحكم عليهما معا.

وهكذا سيأخذ عز وجل الروح ويضعها في الجسد ويحاسبهما معا لأنه مكتوب. "ينادي السماوات من الأعلى، والأرض أيضا من تحت لكي يدين شعبه "تشير إلى الجسد".

من سيبعث يوم القيامة للحساب؟ إن المصاعب ليست متماسكة حول هذا. يشير بعضهم إلى أن إسرائيل فقط هي التي ستبعث وتحاسب، لكن معظم المصادر تعتقد أن هذا ينطبق على البشرية جمعاء.  من الذي سيرث الآخرة؟ إن نص المشناة الذي استشهد به أعلاه يذكر أن كل بني إسرائيل سيرثون الآخرة باستثناء الذين يرتكبون بعض الخطايا المحددة.  يتابع النص بإدخال غير الإسرائيليين في النقاش. فبحسب الحاخام يوشع بن حنانية، فإن للمتقين من غير اليهود مكانا في الآخرة (توسقنا سنهدرين 3: 2). تختلف الآراء ولا تعتبر ذات أهمية كبرى لأن الحاخامات تعترف أنها ليست إلا مجرد تخمينات ولا تحدد التشريع الديني.  كل الخاخامات قد تعترف بإمكان أن البشرية كلها ستخضع للمحاسبة وأن المستقيمين من جميع الأديان قد يرثون الآخرة.  يستشهد بالمزمور 64: 3 ("لا عين رأت يارب إلا أنت") لتدعيم النتيجة النهائية ألا وهي بأن الله وحده فقط هو العالم بأجوبته مثل هذا النوع من الأسئلة الظنية.  وتنتهي المناقشات اليهودية بذات الطريقة التي تنتهي بها المناقشـات الإسـلامية المماثلة التي لا يتوصل فيها إلى جواب شاف بالقول: "الله أعلم".

خلاص العالم
لا بد من تذكر النظرة التناخية لتاريخ العالم من أجل فهم النظرة اليهودية حول الخلاص. لقد خلقت الإنسانية مع قدرة خاصة ومميزة لتجاوز قيود الغرائز والقيام بالعمل الإبداعي وحتى التأثير على الطبيعة.  لكن إبداعاتها وتصميمها قد تكون خطيرة لأن بإمكانها أن تقود إلى كارثة بذات السهولة التي يمكن أن تقود بها إلى التفوق.  وبسبب طبيعتها المميزة فإن الإنسانية لا يمكن أن تحقق مقدرتها كنعمة وبركة إلا إذا عملت واستنارت بالأوامر الإلهية .  إن التوراة توفر التوجيه والأساس لنوع السلوك الإنساني الذي سيقود إلى الخير واحتمال الخلاص النهائي.
 
ومن وجهة النظر اليهودية ، فإن الخلاص النهائي الذي سيأتي بالفوز لكل العالم سيكون تحت قيادة المخلصين للإرادة الإلهية كما جاء في التوراة.  إن المفكرين والحكماء اليهود يكتبون أساسا لأهل ملتهم ونادرا ما يكتبون لغير اليهود، فلهذا السبب فإن منطلقهم يميل إلى الخصوصية (الشعبية) بدلا من العالمية.  فإن نصوصهم كثيرا ما تصاغ على ضوء تأثيرها على اليهود.  وقد كان هذا بالخصوص هو الوضع في الفترات التي كان فيها اليهود مضطهدين.  ففي تلك الفترات، كان التقليد اليهودي كثيرا ما يصف الخلاص النهائي بأنه الإسعاف والمواساة لشعب يتعذب ويتم ذلك بعض المرات على حساب القوميات والشعوب التي كانت تضطهد بني إسرائيل.
 
لقد جاء في التناخ أن الله فدى بني إسرائيل من العبودية المصرية في العصور القديمة (التثنية 7: 8، 13: 6) وسيأتي بالخلاص النهائي إلى شعبه في آخر الأيام (إشعياء 1: 27، 35: 1.).  "ويقبل الفادي (الله) إلى صهيون (إشارة شعرية إلى القدس) وإلى التائبين عن معاصيهم من ذرية يعقوب ، يقول الرب" (إشعياء 59: 2.). وإن كان المقطع السابق يتضمن أن الخلاص مشروط بالتوبة، فإن المقاطع الأخرى تصرح بأن العفو الإلهي ومحبته يتجاوزان الإثم الإنساني. في لحظة غضب جامح حجب وجهي عنك، ولكني بحب أبدي أرحمك ، يقول الرب فاديك (أشعياء 54: 8).

إن كثيرا من المقاطع التناخية التي تتناول خلاص بني إسرائيل هي من انتاج عصر كان فيه بنو إسرائيل يتشوقون إلى العودة إلى أرضهم وتأسيس نظامهم السياسي والديني القديم.  فلهذا فإن نبوءات الإنقاذ كثيرا ما تركز على أن الله سيعيد إسرائيل إلى وطنها القديم تحت الحماية الإلهية.  يظهر الطابع الوطني لبعض هذه النبوءات بجلاء في المثال التالي (إرميا 32: 37ـ41):
 ها أنا أعود فأجمعهم من جميع البلدان التي شتتهم إليها
  في غضبي وغيظي وسخطي الشديد وأردهم إلى هــذا
  الموضع وأسكنهم آمنين. فيكونون لي شعبا وأكون لهم
  إلها ، وأعطيهم قلبا واحدا وطريقا واحـدا ليتقـوني كل
  الأيام، وذلك لخيرهم وخير أولادهم من بعـدهم وأقطع
  معهم عهدا أبديا أن لا أكف عن الإحسان اليهم وأضـع
  تقواي في قلوبهم لئلا يرتدوا عني.  وأسر بالإحسـان
  إليهم، وأغرسهم في هذه الأرض بالحق من كل قلبــي
  ونفسي.

إن من الكلمات التناخية التي تعطي معنى الخلاص الإلهي هي "بدا" المقابلة للكلمة العربية فدا بمعنى يخلص.  الكلمة العبرانية الثانية بذات المعنى تقريبا هي جائل (ga'al) التي لا مقابل لها في العربية، لكنها استعملت على نطاق واسع في الكتابات اليهودية في قرن ما بعد الفترة التناخية.  أما اللفظة جؤلاة (geullah) "الخلاص" قد تشير في معظم الأوقات إلى الإنقاذ الوطني لشعب إسرائيل وتضمنت معنى الحرية الوطنية في اللغة العبرية الحديثة المنطوقة في دولة إسرائيل.  أما في التلمود فإن الخلاص الوطني يعتمد على التوبة وأعمال الخير.  (مثال ، شبات 118 ب ، يوما 86ب).

إن النظرة اليهودية للخلاص قد أصبحت عالمية بالكامل تحت تأثير الإسلام.  فلقد كتب الحكيم الكبير في القرن العاشر سعد بن يوسف الفيومي (سعديا جاؤون) الذي ترأس أهم أكاديمية يهودية في بغداد، بأنه بالرغم من اليهود هم الذين اختارهم الله فإن النجاة تكون من نصيب كل المستقيمين.  ومنذ هذه الفترة فصاعدا، فإن الكتابات حول الخلاص النهائي اتخذت بالفعل نبرة أكثر عالمية لكن لا يمكن لأي واحد أن ينكر أن المفهوم استمر في الحفاظ على ظاهرة وطنية قوية.  وكما ذكر في الفصل الخامس أعلاه، فإن فكرة الخلاص الوطني التي تعتبر عميقة في التقليد اليهودي هي التي مكنت الحركة الصهيونية الحديثة أن يكون لها تأثير قوي على اليهود في جميع أنحاء العالم.

المشيحانية
لقد تطور مفهوم المشيحانية عبر العصور كما كان الأمر مع الأفكار اليهودية المعقـدة.  إن اللفظة العبرية "الماشيح" (عربي: المسيح) وتشير في الأصل إلى ملك أو كاهن أدخل إلى المركز رسميا عن طريق مسح رأسه بالزيت (كتاب صموئيل الأول 1.: 1). فلما أصبح داود ملك بني إسرائيل صار محبوبا كالملك الكبير وسمى بالذي "تمسَّح"، ولقد اعتقد أن حكم أسرته سيستمر إلى الأبد.  فلما انهارت إمبراطوريته الكبيرة نشأ اعتقاد أن بيت داود سيعاد يوما من قبل ملك قوي من أسرة داود ماشيح آخر مثل داود نفسه.  إن التشوف لإعادة بيت داود أخذ بسرعة معنى بأن الملك المقبل سيتميز بحماسته من أجل العدالة، وسيكون مزودا بقدرة إلهامية للفصل في كل القضايا بصفة عادلة. وهكذا فإن المسيح المتوقع (الذي مسح رأسه بالزيت) لم يكن فقط زعيما عسكريا وسياسيا كبيرا، بل إنه أيضا قاض عادل سيحكم بالكرامة والعدل. ولقد استمرت هذه الفكرة في التطور بعد الفترة التناخية. واعتقد اليهود في الفترة الرومانية أن الله سيبعث ملكا كبيرا من بيت داود لكسر أغلال عبودية الإمبراطورية الكافرة وسيحكم على مملكة مجددة سيعود إليها اليهود الذين يعيشون في المنفى والشتات.

إن الخلاص المشيحاني أسقط من أي سياق تاريخي مباشر مع دخول فترة التلمود. فالمسيح أصبح يعتبر الآن كملك سينقد وسيحكم إسرائيل في ذروة التاريخ البشري، وسيكون الأداة التي ستؤسس المملكة الإلهية العادلة على الأرض في آخر الأيام.  وسيعيد فترة السعادة الفيزيقية والروحية معا.  يجب التنبيه هنا أن كل الآراء اليهودية عن المسيح تفهم بأن المسيح ليس إلا أداة إلهية، وليس المنقذ والمخلص كما ورد في المسيحية. ففي الديانة اليهودية الله وحده هو المنقذ والمخلص.  فليس المسيح إلا عبارة عن أداة إلهية.  وهكذا فإن المفهوم اليهودي عن المسيح الذي سبق الفكرة المسيحية كمنقذ إلهي، هو مشابه تماما للمفهوم الإسلامي الذي أصبح مرتبطا بالمهدي المنتظر الذي سيعيد الدين والحكم العادل إلى العالم.

إصلاح العالم
كل الديانات المسؤولة تعتبر أجوبة مخلصة لما يعتقد منتحلوها بأنه من المطالب الإلهية.  وبالطبع فإن الديانات المختلفة لا تتفق مع بعضها حول المطالب الإلهية وعادة ما لا تتفق داخليا عن كيفية القيام بها في الحياة الواقعية وبالرغم من هذا فإن من أهداف كل الأديان الجدية أن تأخذ بيد الأفراد والمجتمعات والعالم الأوسع إلى مكان أفضل.

تهتم الديانة اليهودية، مثل كل الأنظمة الدينية المخلصة بالصواب والخير ليس فقط لأتباعها، بل كذلك للعالم أجمع.  ومثل كل الديانات المسؤولة فلا بد أن توازن بين حاجات الفرد ومطالبه وبين حاجات ومطالب الجماعة الدينية الكبيرة والعالم ككل.  إذاً إن لليهودية جانباً خاصاً من الاهتمام باتباعها وجانباً عالمياً من الاهتمام بصحة ورفاهية العالم كله يهوديا كان أم غير يهودي.  وبما أن هذا الكتاب يتناول اليهودية كحضارة دينية، فلقد ركز بالكامل تقريبا على الجانب الخصوصي، وبشكل واضح فإن اليهودية، مثل معظم الأديان، تفضل المؤمنين بها على المؤمنين بالأديان الأخرى، وعلاوة على هذا ، فإن تاريخ الشعب اليهودي، الطويل، كما ورد أعلاه، تاريخ جعلهم أقلية ضعيفة ومعرضة للأذى مما شجعهم على المحافظة على أنفسهم والانطواء بدلا من التطلع إلى الخارج تجاه الآخرين. وبالرغم من هذا فإن لدى الديانة اليهودية جانباً عالمياً مهماً.
 
يعبّر النص التالي من التلمود (شبات 54 ب) بوضوح عن معنى ازدواجية مسؤولية الديانة اليهودية عن الخصوصية والعالمية: "إن كل من يستطيع شجب أهله ومنعهم من ارتكاب الخطيئة ولم يفعل، فإنه مسؤول عن ذنوب أهله، وإن كان يستطيع أن يشجب ويمنع مواطنيه من ارتكاب الذنوب ولم يفعل ، فإنه مسؤول عن ذنوب مواطنيه، إن كان العالم كله، فإنه مسؤول عن كل العالم".  وعلى ذات النمط، فإن معايير تقرير كفاءة شخص ليكون شاهدا شرعيا أو قاضيا تشتمل أن يكون المرشح "مهتما برفاهية العالم" (سنهدرين 24 ب).

إن هذا النوع من الاهتمام العالمي يسمى "تيقون عولم" بمعنى الحرفي "إصلاح العالم" أو "وضع العالم في الطريق المستقيم".  لقد كان دائما جزءا أساسيا من الديانة اليهودية لكن التركيز قد يكون قويا في بعض الفترات وضعيفا في فترات أخرى.  وكدين يعتبر دين أقلية معرض للأذى يعيش في المنفى عدة قرون، فإن اليهودية لديها ميول الأنطواء على نفسها مرتكزة على ظواهر التقليد الخصوصية من أجل وقاية نفسها ضد الضغوط الخارجية التي امتدت من الاضطهاد إلى التحويل عن الدين.

في القرن الماضي في الغرب، عندما تحرر اليهود من وضع الأقلية المضطهدة ودخلوا في الحياة العامة فإنهم كانوا في كثير من الأحيان في مقدمة الحركات الاجتماعية والأخلاقية التي تسعى الى جلب العدالة والأخلاق للمجتمع الحديث.  ولئن لم تنجح كل هذه المجهودات، لكنها تعكس مركزية اهتمام اليهودية بصلاح العالم ليكون مكانا أفضل.  فعلى سبيل المثال ، فإن اليهود لم يشكلوا إلا نسبة قليلة من سكان الولايات المتحدة لكنهم كانوا أغلبية البيض الناشطين الذين شاركوا في حركة الحقوق المدنية من أجل المساواة في الحقوق للأمريكيين المنحدرين من أصول إفريقية.  كان اليهود المنظمين الأساسيين للنقابات العمالية في الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين وكانوا يشكلون جزءا مهما من القيادة ومن قاعدة الحركات الاشتراكية والشيوعية في أوروبا بما في ذلك الثوار الذين أطاحوا بنظام القيصر في روسيا.  وبالرغم من أن الشيوعية والاشتراكية قد خذلتا مبادئهما المثالية وأصبحت الشيوعية تمارس عداء مكشوفا، بل مهلكا، نحو اليهودية واليهود ـ فإن الذين أنشأوها والناشطين الأوائل كانوا مندفعين بفكرة تحسين وضع المحرومين.  فإن الدافع الإنساني الذي يعد أساسيا في الحياة اليهودية مازال مستمرا في التجلي في كثير من الأماكن وبطرق عديدة.  كان اليهود ، من بين أخرين، ناشطين في حركة إنقاذ البوسنة ومساعدتها، وبعثوا بإسعافات لضحايا الزلزال المدمر في تركيا كما هو الحال لضحايا التسونامي في شرق آسيا ويدعمون الأعمال الخيرية في الولايات المتحدة على مستويات تتجاوز مشاركة أي مجموعة أخرى.

إن الاهتمام بالفقير ، والجائع، واليتيم والأرملة كلها من ميراث أنبياء بني إسرائيل الكبار:
"إن بذلت من بيت وسط بيتك النير إيماءً بالإصبع احتقارا، ونُطْقاً بالشر فَسَتُجْزَ به شراً، وإن بذلت نفسك للجائع، وأشبعت حاجة الدليل. فإن نورك يشرق في الظلمة ، وليلك الدامس يصبح كالظهر، ويهديك الرب دائما ويسد حاجتك حتى في زمن القحط والأرض المجدبة. فيقوي عظامك" (إشعياء 58: 1.ـ11).  لكن المسؤولية عن المحتاجين وردت في التشريع وكذلك في وصايا الأنبياء.  فإن التشريع يفرض الاهتمام بالمرضى واليتامى ، والفقراء والأرامل والمحتاجين الآخرين وتنطبق كثير من هذه القوانين على غير اليهود أيضا: " لا تضطهد غريبا ولا تضايقه، فقد كنتم غرباء في ديار مصر.  لا تسئ إلى أرملة أو يتيم.  لأنك إن أسأت إليهما وصرخا إليَّ أسمع صراخهما" (الخروج 22: 2.ـ29). " لا تحابوا في القضاء واستمعوا للصغير كما تستمعون للكبير.  لا تهابوا إنسانا لأن القضاء لله" (التثنية 1: 16ـ17).
ولقد طالب الملك داود ربه أن يقبل حتى صلوات غير الإسرائيليين في الهيكل في بيت المقدس:
  " أما الغريب الذي لا ينتمي إلي شعبك إسرائيل والذي يقبـل
  من أرض بعيدة من أجل اسمك، لأن الغرباء يسمعون باسمك
  العظيم وبما أجرته يدك القوية وذراعك المقتدرة فيحضرون
  ويصلون في هذا الهيكل، فاستجب انت من السـماء مقـرك
  وافعل كل ما يناشدك به الغريب فيدعو باسمك بين كل أمم
  الأرض فيخافوك كما يخافك شعبك إسرائيل"... (الملـوك
  الأول 8: 41ـ43).

إن اليهودية، مثل كل الأديان، لا بد أن توازن بين اهتماماتها.  فلقد كانت أكثر من ألفي سنة بعد تدمير الهيكل تميل إلى الجانب الخصوصي للتقليد من أجل المحافظة على نفسها كأقلية صغيرة في عالم أغلبيته الساحقة من المسيحيين ومن المسلمين.  واليوم في العالم الذي أصبح صغيراً بفضل التطورات الهائلة في تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات وفي العالم الذي أصبح أكثر خطورة نظرا لتطور أسلحة الدمار الشامل، فإن الديانة اليهودية لا بد أن تعيد تقييم موقفها بين قطبيي الخصوصية والعالمية. ومن واجب كل الأديان اليوم أن تتخلى عن الانطواء الذاتي والانفتاح على غير المؤمنين بها في المودة والصداقة. فإن الجغرافية لم تعد تعزلنا عن الآخر ونحن مجبرون على العيش مع الذين لا يتفقون مع معتقداتنا الدينية. إن الطريقة التي نستطيع النجاح بها في هذا العالم الجديد المختلف والمزدحم ستحدد قدرتنا على القيام بما نعتبره مفهومنا للإرادة الإلهية. وبالفعل فإنها ستحدد قدرتنا على البقاء.

أرسل إلى صديق
اطبع المقال
الإضافة إلى قائمة المواقع المفضّلة
أنظر أيضاً
  

   تمهيد : دافيد .هاريس
   مقدمة المؤلف
   الجزء الأول:  مسح التاريخ اليهودي 
   الفصل الأول:الجذور
   الفصل الثاني:التعزير والشتات
   الفصل الثالث:  يهودية الأحبار (الحاخامين)، التلمود وعالم القرون الوسطى
   الفصل الرابع: الديانة اليهودية والحداثة- أوروباالغربية
   الفصل الخامس: اليهودية والحداثة: أوروبا الشرقية
   الجزء الثاني:  الله والتوراة وإسرائيل
   الفصل السادس: الله
   الفصل السابع: التوراة
   الفصل الثامن: إسرائيل
   الفصل التاسع:  الصلاة
   الفصل العاشر: المعبد اليهودي والبيت
   الفصل الحادي عشر: التقويم
   الفصل الثاني عشر: مدار الحياة اليهودية
   الفصل الثالث عشر: الالتزام الشخصي
   الجزء الرابع: مصير الإنسان
   الفصل الرابع عشر: احتمالات وهدف
   الفصل الخامس عشر: الخاتمةاليهود في جدول أحداث التاريخالمراجع والملاحظات
   الديانة اليهودية
   الأعياد اليهودية
   النصوص اليهودية المقدسة
   أدوات طقوس يهودية
   
 
   
 
     الردود (feedback) | خارطة الموقع