الأنظمة التشريعية الخاصّة بحرّيات التكاثر تأثّرت جزئيًا بالضغوط التي مارستها الأحزاب الدينية. ذلك أنّ الإجهاض مشروع في ظروف معيّنة متّفق عليها مثل السنّ (ما دون السادسة عشرة وفوق الأربعين) والقيام بعلاقة محظورة أو خارج نطاق الزواج أو سفاح القربى والتشوُّهات الجسدية أو العقلية للجنين والخطر على حياة المرأة الحامل أو صحّتها الجسدية أو العقلية. أمّا الشرع اليهودي فلا يسمح بوقف الحمل إلاّ في حالة تعرُّض الأم للخطر. في أواخر السبعينات نجحت الأحزاب الدينية في تشكيل مجموعة ضغط (لوبي) من أجل رفض الظروف الاجتماعية الاقتصادية سببًا للسماح بالإجهاض بعد أن كان الأمر مسموحًا به إذا كانت العائلة تعيش أوضاعًا اجتماعية وسياسية صعبة. تمّ تمرير قانون يجيز عقد تأجير الأرحام بيد أنّ هذا التشريع حُدّد بنجاعة لينطبق على النساء غير المتزوّجات استبعادًا لأن يكون الولد نتاج حمل عبر اقتراف الزنى من امرأة متزوّجة.
كان تطوُّر المبدأ القضائي حول مساواة النساء ينافسه في قاعات المحكمة العليا قانون الشرع الديني الأبوي حول الأحوال الشخصية. هذا الصدام بين المذهبين أثر بصورة متفاوتة في المجال الخاص (والمقصود تحديدًا, العائلة) والحلبة العامّة (الحياة الاقتصادية والعامّة) ذلك أنّ القيم الدينية تفرض بموجبها قيود ملموسة على تطوُّر التشريع في مجال مساواة المرأة ولكن الطابع الكابح الناهي للأعراف الدينية على الحلبة العامّة أكثر تقييدًا بكثير حيث نشهد تطوُّرًا ملموسًا من التشريعات الخاصّة بحقوق المرأة.
في المجال الخاص لم تتدخّل المحاكم الإسرائيلية في التفويض القانوني للمحاكم الدينية حول الحظر والسماح بالزواج والطلاق ولكن ما وراء هذا الحدّ القانوني طبّقت محكمة العدل العليا مبدأ المساواة في عدّة قضايا تتعلّق بحقوق الملكية والسكن, على سبيل المثال في عام 1994 فرضت محكمة العدل العليا على المحاكم الدينية واجب الامتثال لمبدأ المساواة لدى تقسيم الأملاك في حالات الطلاق ممّا يتنافى ومبدأ الشرع اليهودي بفصل الأملاك الزوجية.1
في المجال العام (السياسة والحياة الاقتصادية والجيش) محكمة العدل العليا ودون تقييد الأعراف والحساسيات الدينية طرحت مبادئ راديكالية من مساواة المرأة., هكذا مثلاً وفيما يخصّ مساواة المرأة في سنّ التقاعد طالبت المحكمة العليا غيرها من المحاكم بممارسة انتقاد شديد لدى النظر في ادّعاءات حول التمييز الجماعي ضدّ النساء. وحوّلت المحكمة مساواة النساء إلى مبدأ متقدّم وراسخ من خلال سلسلة أحكام أصدرتها. وقد وصف قاضي المحكمة العليا "ميشال حيشين" مبدأ المساواة بقوله:
إنّه "أمّ المبادئ" وأكثرها تساميًا فوق سواه, هكذا الأمر في إطار القانون العام وفي كل بُعد من أبعاد حياة المجتمع. يتغلغل مبدأ المساواة في كل نبات من نباتات الروضة القضائية ويشكّل جزءًا لا يتجزّأ من البنية الجينية للقوانين الشرعية, كل واحد منها. إن مبدأ المساواة قولاً وعملاً هو المبدأ الأساس وقد يجدر بنا القول إنّه المبدأ الأم."
خلال العقد المنصرم من القرن العشرين تجاوزت المحكمة قيود شكلية المساواة وطرحت مفاهيم العمل الإيجابي والتكيُّف, العمل الإيجابي أقرّته المحاكم في عدّة قضايا نظرت فيها حيث اعترفت بأنّ فكرة العمل الإيجابي تشتقّ من مبدأ المساواة وأنّها تتلخّص بهندسة وتصميم الآلات السياسية القضائية بهدف تطبيق المساواة عرفًا من الأعراف الاجتماعية (المساواة في النتيجة).
طرحت القاضية "دالية دورنر" مبدأ التكيّف نموذجًا لمساواة المرأة يجب أن يتبنّاه القضاء بقولها:
"إن مصلحة في ضمان كرامة المرأة ومكانته, من جهة, واستمرار وجود المجتمع وتربية أطفاله, من جهة أخرى, كل ذلك يتطلّب – بقدر الإمكان – عدم حرمان المرأة من تحقيق الطاقة الكامنة فيها لمجرّد تميُّزها بوظائف خاصّة وبالتالي التمييز ضدّهامقارنة بالرجل, بل يجب تكييف الأنظمة الاجتماعية بما فيها الأنظمة القضائية لتتلاءم واحتياجات المرأة".2
يتميّز جهاز القضاء الإسرائيلي بتناقض ضمني عميق ما بين المحافظة والتقليدية الأبوية في قضايا تتعلّق بالدين من جهة والسياسة التشريعية والقضائية المتقدّمة بل الراديكالية أحيانًا من جهة أخرى. كما ويبدو هذا التناقض واضحًا في الفجوة بين مستوى التحصيل الدراسي العالي لدى النساء ونسبة تمثيلهن العالية في الحياة المهنية العملية, لا سيّما في المجال القضائي الذي يعملن فيه محاميات وقاضيات وبين النسبة المنخفضة نسبيًا لتمثيلهن في الحلبة السياسية وزيرات في الحكومة وبرلمنيات.
_______________________________
1 المحكمة العليا 1000/92 "بافلي" ضد محكمة الاستئناف الربّانية, 48 (ع) مجلّد القرارات 221.
2 المحكمة العليا 4541/94 "ميللر" ضد وزير الدفاع, 49 (6) سجلّ القرارات. 94, 142.
تشغل فرنسيس رداي كرسي الاستاذية في مجال قانون العمل في الجامعة العبرية وهي محاضرة في كلية الإدارة والعلوم الأكاديمية. عملت عضوًا خبيرًا في لجنة الأمم المتّحدة حول إنهاء التمييزضد النساء بين العامين 2000- 2003 وكانت الرئيس المؤسّس للمركز القضائي الشبكي الإسرائيلي. لها كتابات عديدة في موضوعات العمل وحقوق الإنسان والمساواة وهي من أبرز المناضلين من أج حقوق المرأة في إسرائيل.