التــوراة
موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية
*

 التــوراة

 

 

 

الفصل السابع
التــوراة

تعني كلمة التوراة حرفيا ״تعليم״، أو تدريس وقد استعملت اللفظة في الكتاب المقدس بعض الأحيان بالمعنى العام كتعليم، لكنها تشير في التوراة إلى الوحي الذي نزل على بني إسرائيل بوساطة موسى في جبل سيناء (التثنية 4: 44) ״وهذه هي الشريعة التي وضعها أمام بني إسرائيل. وهذه هي الشروط والفرائض والأحكام التي خاطب بها موسى بني إسرائيل عند خروجهم من مصر״. إن التوراة بهذا المعنى، وتسمى أحيانا توراة موسى (عبري: حوميش موشيه)، تشتمل فقط على الأسفار الخمسة الأولى: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد، وسفر التثنية. إن طول هذه الأسفار هو تقريبا كطول الإنجيل، وطول القرآن. وتسمى التوراة اليهودية الكاملة بالاسم العبري المختصر تناخ. وهذه اللفظة مركبة من الحروف الأولى للأجزاء الثلاثة المهمة: التوراة (الأسفار الخمسة الأولى)، الأنبياء (نفيئيم) ، والكتابات (كتوبيم: المزامير وسفر الأمثال، ونشيد الإنشاد، وبقية أسفار الحكمة وغيرها). واليوم تشير لفظة التوراة، أو ״سفر التوراة״ كذلك إلى المخطوطة اليدوية التي تضم أسفار التوراة الخمسة الأولى التي توضع في مكان خاص في كل معبد يهودي. ترتل هذه المخطوطة كل يوم سبت في الصباح في أثناء طقوس العبادة على مدار السنة كجزء من أداء شعائر الصلاة في المعبد. يرتل جزء مختلف كل أسبوع ابتداًء من أول آية من سفر التكوين وانتهاء بآخر آية من سفر التثنية، بحيث تتم قراءة التوراة بالكامل (الاسفار الخمسة الأولى) كل سنة. تعتبر التوراة اليهودية مقدسة بكاملها لكن الأسفار الخمسة الأولى (أسفار موسى) أكثر قداسة لأنها تمثل الوحي الإلهي المباشر على بني إسرائيل في جبل سيناء.

التوراة كتاب مقدس
بالرغم من أن لفيقة التوراة نفسها لا تحتوي إلا على الأسفار الخمسة الأولى (البنتاتوخ: كما يدعى في اليونانية وفي بعض لغات الغرب) فإن الكتاب المقدس العبري بكامله يعد مقدساً. الأقدم والأقدس هو البنتاتوخ (أسفار موسي) الذي يشتمل على 613 أمراً إلهياً تقليدي حول السلوك، علاوة على سرد تأريخ العالم وتكوينه وتأريخ البشرية وبني إسرائيل. تبدأ التوراة بالتكوين وتنتهي ببني إسرائيل، وهم على أهبة العودة إلى بلاد إسرائيل بعد أن نزلت عليهم التوراة في جبل سيناء، وبعد أن تاهوا أربعين سنة.

الأنبيـــاء
تعتبر الكتب التي يضمها سفر الأنبياء (نفيئيم) القسم الثاني من العهد القديم وهي تأريخية في طبيعتها، وتصف مراحل تأريخ إسرائيل منذ غزو أرضها تحت يشوع إلى فترة تدمير الهيكل الأول. يصف سفر يشوع الإسرائيليين عند دخولهم إلى أرض إسرائيل ويحتوي سفر القضاة (عبري: شوفطيم) على مواد تتعلق بقبائل إسرائيل الاثنى عشر التي تعيش في مناطقها المستقلة. السفران المعروفان بسفر صموئيل الأول وسفر صموئيل الثاني يحتويان على تأريخ قيام وتعزيز المملكة الإسرائيلية، أولا تحت حكم شاؤول وثانيا تحت حكم داوود. السفران الأول والثاني من سفر الملوك يوردان خلافة سليمان وتمزيق المملكة بعد موته، والانقسام إلى مملكة يهودا ومملكة إسرائيل وتاريخهما خلال تدمير إسرائيل من قبل الأشوريين سنة 722 قبل الميلاد وتدمير يهودا من قبل بابل سنة 586 قبل الميلاد. وتشتمل بقية الأسفار من هذا الجزء المعروف بالأنبياء على أسفار الأنبياء الخاصة لكل من أشعياء وارميا وحزقيال، واثني عشر سفرا قصيرا للأنبياء الآخرين.

الكتابات
الجزء الثالث من العهد القديم المعروف بالكتابات (عبري: كتوبيم) هو مجموعة متنوعة. الزبور وكتاب المراثي وهي أشعار شخصية وتعبدية. نشيد الإنشاد (تسمى أحيانا أغنية سليمان بالإنجليزية) هي مجموعة من قصائد الحب. وتتطرق سلسلة الأسفار التي يطلق عليها بعض الأحيان مجتمعة ״أدب الحكمة״، إلى الأفكار القديمة حول الأخلاق والآداب الاجتماعية ومكانة بني الإنسان على الأرض والموضوعات المتشابهة. وتشتمل هذه على سفر الأمثال، وسفر أيوب وسفر الجامعة. وتشتمل الكتابات أيضا على أعمال تأريخية مثل سفر راعوث (ويلات) وسفر عزرا أو سفر نحميا أو سفر أستير، وسفري الأخبار الأول والثاني وهي الأخبار الرسمية لمملكة إسرائيل. وسفر دانيال وهو ربما يكون آخر الأسفار التي أضيفت إلى العهد القديم العبري وهو مزيج مـن التاريخ والرؤى.

طبيعة كتاب اليهود المقدس
يسمى العهد القديم باللغـة الإنجلـيزية (Bible) ويسـميه اليهـود التـوراة العبرية (Hebrew Bible). لكن المسيحيين يطلقون عامة عليه اسم ״العهد القديم״ (Old Testament). هذه اللفظة الأخيرة تعكس عنصرا أساسيا في الديانة المسيحية لأنها تصف العهد القديم كممثل لعهد قديم لا يكـون له معنى منذ ظهور المسيح إلا في العلاقة بالعهد الجديد (New Testament). وبحسب هذا المعتقد، فإن العهد القديم مع اليهود لم يعد وظيفيا بينما العهد الجديد ينطبق فقط على المسيحيين أولئك الذين يؤمنون بقوة الخلاص لدي المسيح. تذهب المسيحية إلى الاعتقاد أنه، منذ ظهور المسيح، لا يمكن أن تكون هناك علاقة إلهية أخرى حقيقية إلا عن طريق المسيح. لقد تحقق العهد القديم من خلال الالتزام بالأوامر الإلهية، لكن هذه الأوامر القديمة ألغيت منذ ظهور المسيح. وبما أن العهد القديم لا يشير بشكل واضح إلى المسيح، لكن بالأحرى يشير إلى ميثاق مبنى على أوامر إلهية، فإنه لم يعد ملزما في حد ذاته. فالعهد القديم، بالنسبة للمسيحية لا معنى له إلا في حدود ارتباطه بولادة المسيح، ورسالته، وإيمانه.
أما اليهود، من جهة أخرى، فإنهم لا يؤمنون بالولادة العذرية للمسيح، ولا يؤمنون بأن المسيح ابن الله، أو أنه المخلص المنتظر. بالنسبة اليهم فإن قدوم المشيح (المسيح) سيأتي بخلاص العالم بأسره. وبما أن عيسى لم يأت بخلاص العالم فإنه لا يمكن أن يكون هو المشيح بحسب الديانة اليهودية. إن كان بعض اليهود يلتزمون أكثر من الآخرين بالأوامر الموجودة في التوراة، فإنه لا يوجد يهودي يعتقد أن قوة الخلاص للمسيح يمكن أن تقود إلى النجاة الخاصة. وبسبب كون العهد الجديد يتحدث بكامله عن قصة المسيح كمنقذ، وهذا شيء بعيد عن الاعتقاد اليهودي، كما أشير إليه سابقا – فإن اليهود لا يقبلون العهد الجديد كجزء من كتابهم المقدس.

التوراة وحي وأدب وطني
التوراة الكاملة هي عبارة عن مجموعه كبيرة جدا من الكتب (الأسفار) التي تمتد على طول ألف عام تقريبا. تعتبر كلها مقدسة، لكن بحسب التقليد، فإن التوراة فقط هي التي تعتبر من الوحي الإلهي المباشر على جبل سيناء. وتعتبر بقية أقسام العهد القديم موجهة من الله إلى أنبياء العهد القديم، أو أنها من وحي إلهي بشتى الطرق، لكن معظم أقسام العهد القديم، باستثناء التوراة، لا تعتبر من كلام الله المباشر. تشكل الكتب الموجودة في سفر الأنبياء وسفر النصوص جزءا من الأدب الوطني الطويل والقديم للشعب اليهودي. وقد كتب كثير من المواد من قبل بني البشر الذين قاموا بهذا العمل تلبية لما فهموا أنه استجابة لإرادة الله وأوامره.
إن القصص، والتاريخ، والشعر والأناشيد الموجودة في التوراة تعبّر عن ضعف الإنسان، وتطلعاته، وفشله وانتصاره ككائن من لحم ودم وتعبر عنها كلها باللغة الإنسـانية ذاتها. فلقد وصف حتى أكبر أبطال التوراة بالدوافع الإنسانية ونقاط الضعف التي كثيرا ما تشكل جزءا من الحياة البشرية. فالملك داوود الكبير، الذي وحد إسرائيل بعد أن هزم الفلسطينيين والذي أسس عاصمة القدس وأنشد أجمل الأناشيد لله، فإن الله منعه من بناء بيت الله المقدس نظرا لمركزه كمقاتل وللدم الذي لطخ يديه (الأخبار الأول 22: 8، 28: 3). ولقد أدين وعوقب لأنه تسبب في وفاة رجل بسبب شغفه بزوجة ذلك الرجل. وانتقد الملك سليمان الحكيم في التوراة عن تهوانه للسماح بتسرب الكفر حتى إلى داخل البلاط الملكي في القدس (الملوك 1: 11). وحتى موسى، المشرع ونبي التوراة الوحيد الذي لقي الله وجها لوجه، حكم عليه أن لا يدخل أبدا إلى أرض إسرائيل بسبب ضعفه عند تنفيذ الأوامر الإلهية
(العدد 20). إن الدروس التي تستنبطها الديانة اليهودية من فشل هذه الحالات ليست بأن الله غير قادر على حماية أنبيائه من الخطيئة، ولكن بالأحرى فإن الدروس المستوحاة منها هي أنه حتى أكبر الشخصيات البشرية تظل بشرية، وبالتالي هي معرضة للضعف البشري. لا يمكن أن يكون البشر آلهة. نحن بالعكس من لحم ودم ومكتوب علينا أن نكافح مع صعوبات الحياة الحقيقية. ونظل دائما في حرية إرتكاب الخطأ، وربما نظل أحرارا في التغلب على أخطائنا. إن كفاحات الأبطال القدماء والأنبياء تمنح الإلهام والأمل للوقت الحاضر. إنهم كذلك كانوا مطالبين بالكفاح. إذاً، فإننا نستطيع ذلك أيضا. ودرس آخر تستمده الديانة اليهودية من الشخصيات التوراتية غير الكاملة هو أنه حتى القوة العظمى لمنصب الملك، والملكية، أو النبوة لا تعفي المرء من مسؤولية المحاولة في كل الأوقات أن يخضع لإرادة الله.

التقنين والكتابات المقدسة الأخرى
إن تقنين الكتاب المقدس هو الفعل الرسمي لتحديد ما هو الأصل في الكتاب المقدس وما ليس بأصيل فيه. كل نص مقدس يمثل تشريعا (تقنين – Canon). وكل ما تحدد رسميا بأنه مقدس فإنه يعتبر مقننا. فتلك الكتب، والآيات، أو حتى الكلمات التي لا تعتبر مقدسة فهي خارجة عن التقنين. ولقد أصبح متفقا عليه بين علماء الدين بأن قيادة كل الأديان ذات الكتب المقدسة واجهت في وقت من الأوقات عملية التقنين الرسمي للنصوص المقدسة. فعندما ينتهي التنزيل على الأمة، فإن الزعماء يجمعون نصوص ذلك التنزيل، سواء كانت على شكل كتابة كاملة، أو على شكل مذكرات، أو محفوظة في ذاكرة الشواهد فانهم يجمعون تلك النصوص ويعتبرونها نصوصا رسمية لكلام الله. وفي أثناء هذه العملية، فإن الزعماء مطالبون بتحديد ما هو التنزيل الصحيح الملزم وما ليس بذلك. وعندما يتم العمل بالتقنين، فإنه لا يمكن أن يكون هناك تنزيل صحيح بعده35. وكل دين، إذاً، يرفض ادعاءات التنزيل الإلهي اللاحق سواء نشأت تلك الادعاءات من داخل التقليد الديني أو أنها نشأت من الأديان الأخرى. وهكذا، فإن اليهودية ترفض رسميا أن تقبل سلطة التنزيل لكل من العهد الجديد والقرآن، وترفض المسيحية هذا بالنسبة للقرآن، ويرفض الإسلام أن يقبل بأي وحي بعد القرآن كما تدعي بعض الجماعات الدينية مثل البهائية والأحمدية.
إن هذه الملاحظة حول نظرة الأديان لتنزيل الآخرين لا تعمل بشكل عكسي. فبالرغم من أن الأديان الأولى ترفض رسميا كل التنزيلات التي تأتي بعدها، فإن الأديان الجديدة تميل أن تعطي قيمة للتنزيل السابق بالرغم من أنها لا تقبل بها أبدا، على أنها صحيحة وملزمة. وهكذا فإن المسيحية تقبل التناخ (العهد القديم) كتنزيل صحيح، لكن لم تعد لديهم ملزمة إلا بالقدر الذي تستعمل فيه للتبشير بقدوم يسوع. وبذات الطريقة، فالإسلام يقبل الإنجيل والتوراة ويعتبرهما منزلة من عند الله، لكنه لا يعتبرهما صحيحتين. وهكذا فإن تلك الأجزاء فقط من العهد الجديد ومن التوراة التي تطابق بدقة معنى ورسالة القرآن هي التي تعتبر حقيقة تنزيلا صحيحا. (لا يوجد تنزيل إلهي معروف لدى الإسرائيليين القدماء، فلذلك لم تتخذ الديانة اليهودية موقفا من الكتابات المقدسة الماضية).
إن هذه الملاحظات حول الكيفية التي ترتبط بها الأديان مع الكتابات المقدسة للأديان الأخرى لا تعلن عادة عندما يناقش المؤمنون من مختلف الأديان القيمة النسبية لكتاباتهم المقدسة. يتخذ البرهان الديني عادة موقفا بالقول: بما أن هناك فروقات واضحة في المحتوى، والمعنى والتفسير بين الكتب التوحيدية الثلاثة المقدسة، وبما أن كل واحد منها يدعي كونه تعبيرا صحيحا لإرادة الله، فلا يمكن أن يكون إلا واحدا منها هو الصحيح. ولقد اتخذت كل الديانات الثلاث الموحدة هذا الموقف. لكن بالرغم من وجود هذا الاتجاه على صعيد المؤسسات، فإن بعض الأفراد من اليهود والمسيحيين والمسلمين، قد قبلوا القيمة الأساسية وحقيقة الكتابات المقدسة للآخرين وجذبوا في بعض الأحيان أتباعا. وكما يعلم القرآن، نفسه، فإن الله أوحى إلى كل أمة وبعث إليها رسولا، وكل رسالة كانت خاصة بالمحيط الثقافي واللغوي المناسب لتلك الحضارة36. فلا غرو، إذاً، أن تملك الحضارات الدينية المختلفة سجلات مختلفة للتنزيل الخاص بها. وليس بالضرورة أن تعتبر الفروقات متناقضة. كل فرد مختلف، وتحركنا أشياء مختلفة وبطرق مختلفة. هل من المعقول أن لا يفهم الله هذه الحقيقة حول الطبيعة البشرية وبالتالي يدرك وجود طرق مختلفة للوصول إلى هدف طاعة الله والامتثال لإرادته. يبدو أن هذه الإمكانية هي المنطلق الأساسي لسورة المائدة، 5: 3748.
ليس اليهود، بحسب الديانة اليهودية، الشعب الوحيد الذي سيدخل العالم المقبل (الجنة أو السماء) وكل الأشخاص الصالحين والمستقيمين من كل الأديان يملكون ذات الفرصة سواء أطاعوا كل الأوامر كما هي محددة تماما في التوراة، أم لا، بشرط أن لا يكونوا مشركين ووثنيين. لقد ورد في حـديث مدون في التلمـود أن الحكيمين الكـبيرين الحـاخام ايليـعزر (Eliezer) والحاخام يهوشوع (Joshua) اختلفا حول معنى مزمار 9: 18 ״ليعود الأشرار إلى جهنم38، كل الأمم التي تنسى الله״. لقد فهم الحاخام إيليعزر أن النص يعني أن الأشرار من بني إسرائيل هم في ذات الطبقة مع غير اليهود (الأمم) الذين ستكون جهنم مآلهم في الآخرة. ولقد رد الحاخام يهوشوع على هذا التفسير فذهب بالقول أن أهم جملة في المزمار هي ״التي تنسى الله״. فالذين ينسون الله، ״هم الذين كتب عليهم جهنم״ فقط. وبالتالي فإن غير اليهود الذين يؤمنون بالله يستحقون العالم المقبل تماما كما يستحقه المستقيمون من اليهود39.

التوراة والتقليد
لقد تطور تقليد موازٍ من الحكمة اليهودية منذ نزول التوراة في جبل سيناء، ويشار إليه عادة ״بالقانون الشفوي״ أو ״التوراة الشفهية״. إن هذا التقليد بحر من المعرفة الشفهية التي نقلها جيل إلى جيل عبر قرون عديدة. لم يدون هذا التقليد كتابة عدة مئات من السنين، لكنه انتقل بطريقة الخطابة من حكيم إلى تلميذ (Follower)، ومن والد إلى طفل. تشتمل هذه المدونة الكبيرة من الحكمة على قصص وأساطير وعلى مناقشات الحكماء حول الأدب والأخلاق، وعلى الأحاديث بين الحاخامات حول القضايا القانونية، وتشتمل على الأمثال والدروس والقصص الأخلاقية، وعلى البراهين القانونية التي تحلل مسائل دقيقة في القانون الإلهي. ولقد تم في النهـاية جمـع هذا التقليـد الشـفهي وتمت كتـابته وتدوينه عبر عدد من القرون ابتداء من 200ـ600 تقريبا في أرض إسرائيل، وكذلك في العراق (معروف لدى اليهود ببابل) الذي كانت تعيش فيه جالية يهودية كبيرة.

التلمود توراة شفوية
لقد تم جمع التقليد الشفهي الذي يعتبر أكثر سلطة وإلزامية في مجموعتين تسميان المشناة والغماراه التي يكلف عليها التلمود مجتمعة. لقد أشرنا أعلاه عن الكيفية التي تطورت بها هذه الأعمال تأريخيا. يسمى التلمود التوراة الشفوية لسببين: أولا، لأن محتواه قديم يصل إلى العهود الأولى للذاكرة اليهودية، وثانيا، لأن لديه سلطة لا يعلو عليها إلا سلطة التوراة أو البنتاتوخ نفسه (الأسفار الخمسة الأولى من التوراة).
لقد تعلم موسى، بحسب التقليد اليهودي، كمية هائلة من الحكمة من الله مباشرة، وذلك عندما قضى أربعين يوما وليلة على جبل سيناء (الخروج 24: 18) لكن هذه الحكمة لم تكتب في التوراة المكتوبة التي أنزلت مباشرة لكل إسرائيل على الجبل. لقد نقل موسى هذه الحكمة شفاهة إلى خلفه يهوشع الذي نقله بعد ذلك إلى شيوخ القبائل الذين نقلوه بدورهم إلى الأنبياء.
نقل الأنبياء هذه الحكمة إلى الحكماء الكبار الذين دونوها في النهاية في التلمود (المشناة، أفوت 1: 1). لكن هناك بعض التفاوت حول ما إذا كان التلمود كله أو جزء منه فقط من الوحي الإلهي المنزل على جبل سيناء.
إن محتوى التلمود بأسره قد أنزل على موسى بشكل شفهي فوق جبل سيناء، بحسب ما يراه بعضهم، وبالنسبة للآخرين، فإن بعض القواعد التفسيرية للنصوص المقدسة والقانون فقط، هي التي نقلت وتعلمها الحكماء القدامى، فمكنتهم من تطوير آرائهم وأفكارهم الخاصة داخل إطار ما تأسس إلهياً. وفوق هذا، فإن يهودا آخرين لا يعتبرون أي جزء من التلمود إلهيا بشكل مباشر، ويرون عوضا عن هذا بأنه يعكس محاولات المتواضعين من بني البشر، لكنهم حكماء ، لفهم العيش بحسب مفهومهم للإرادة الإلهية.
إن التلمود يعتبر عملا في غاية الكثافة والصعوبة، وهو مكتوب بلغتين منفصلتين، العبرية والآرامية (غالبا ما تستخدم اللغتان معا في ذات السطر) مشتملا على طبقات عديدة من الحجج ومستويات كثيرة من المعاني. ومن المظاهر الممتعة جدا للتلمود هو أنه يسجل المناقشات والآراء المختلفة لكثير من الحكماء دون أن يتوصل، عادة، إلى نتيجة نهائية محددة حول الجواب الصحيح للتساؤل الوارد. ولم يصرح كذلك بحيثيات المبادئ أو النظرية لمختلف البراهين المقدمة عادة. فلهذا يجب على الذي يدرس التلمود أن يعمل من خلال براهين معقدة لكي يفهم القضايا وعواقبها، لأن العملية في غاية التعقيد والصعوبة. ويعتبر الانخراط في مثل هذه العملية الصعبة مثل دراسة التلمود شرفاً، ليس فقط لأن هذا النوع من الدراسة يعتبر محتوما كوسيلة لفهم أفضل للإرادة الإلهية، لكن كذلك كوسيلة تحفز تطوير القدرة الفكرية للفرد.

المدراش
بالرغم من أن التلمود لم ينحرف عن المبادئ العامة التي وضعتها التوراة المكتوبة من الكتاب المقدس، إلا أنه منظم بشكل مستقل. فلهذا، لا يمكن اعتباره تعليقاً مباشرا على العهد القديم نفسه. ولكن الديانة اليهودية تعتبر مرتبطة جدا بالتوراة المكتوبة من الكتاب المقدس إلى درجة أنه منذ القدم قد تطورت تعليقات مباشرة على أجزاء الكتاب المقدس، وانتقل كثير منها شفهيا من جيل إلى جيل. ولقد تم جمع أقدم التعليقات في أعمال تسمى مجتمعة، المدراش. إن لفظة المدراش مشتقة من ذات المصدر الذي اشتق منه فعل درس في اللغة العربية. والمدراش، حقيقة، هو سلسلة مجموعة من التعليقات القديمة على كل أجزاء التوراة بتنظيم وتقسيم مختلفين من مجموعة إلى أخرى. فكل جزء من كتاب في المدراش يمكن أن يكون قصيرا جدا وبعضه يصل في القصر إلى كلمات قليلة أو جملة واحدة. ويجمع عدد من هذه الأجزاء، غالبا، لتشكل فقرات طويلة، وتنظم هذه الفقرات، فيما بعد، على شكل فصول وكتب كاملة. إن كثيرا من هذه الأجزاء القصيرة من المدراش، مدون تحت إشراف حاخام أو حكيم بينما ظل مدوِّن بعضها مجهولا. إنهم يعلقون على التوراة من وجهات نظر واسعة ومتباينة، ويخوضون في كل شئ من الأساطير القديمة إلى القوانين، والأشعار والدروس الأخلاقية. وبالرغم من أن المدراش نشأ في ذات الفترة التي نشأ فيها التلمود، إلا أن عملية المدراش لم تتوقف نهائيا إلى درجة أن عملية تجميع المدراش وكتابته ما تزال مستمرة من كتابات العصور الوسطى وحتى كتابات العصر الحديث. وبالرغم من كون المدراش يحظى باهتمام بالغ وله قيمة أخلاقية ودينية عميقة إلا أنه لم يحقق المستوى العالي نفسه الذي حققه التلمود في نظر اليهود. وهذا هو الحال بالرغم من أن جزءا من التلمود ذاته على شكل المدارش وبالرغم من وجود بعض أجزاء المدراش كذلك في التلمود.

هالاخاة وأغاداة
يحوي كل من العهد القديم والتلمود والمدراش على مادة واسعة ومختلفة. وتنقسم هذه المادة، تقريبا، إلى ما يسمى بالعبري هالاخاة (Halakhah) أي الشريعة وأغاداة (Aggadah) أي القصة. تشير الشريعة إلى المادة القانونية في كل هذه الأعمال وتشبه في المعنى الشريعة الإسلامية. وكما أشير إليه أعلاه في الفصل الثالث فإن اللفظتين لهما ذات المعنى الأساسي: الشريعة تعني ״الطريق إلى مكان الماء״ أو ״الطريق إلى المنبع״ وتعني هالاخاة ״طريق للسلوك״، أو ״شيء للمرور عليه״.
تطلق كلمة أغاداة (Aggadah) على المواد غير القانونية التي تشتمل على الأساطير، والحكم والقصص الأخلاقية، وتشتمل على الحوارات والمناقشات الدينية، والشعر والفولكلور وتشتمل حتى على الإرشادات الطبية وعلى معلومات أخرى.

آراء اليهود حول التوراة
لقد تحدد بأن الحياة الإنسانية المستقيمة لا تتم إلا بتوجيه إلهي، والتوجيه الإلهي، بالنسبة لليهود هو التوراة التي تعني أوسع مدى المعرفة اليهودية. وفي الحقيقة، فإن خلق البشرية، لم يحدث بحسب التقليد اليهودي، إلا من أجل هدف محدد وذلك في اتباع نظام حياة مبني على التوراة الإلهية. ويظهر أن التوراة، بحسب هذه الفرضية، لها وجود حتى قبل خلق البشرية أو بقية العالم لأن التوراة تعتبر نوعا من النموذج للحياة في هذا العالم.
لقد اختلف اليهود حول وجود التوراة قبل الخلق، لكن القضية لم تصل إلى درجة الخلاف الإسلامي الكبير في القرن التاسع عن المحنة حول خلق القرآن الذي بدأه المعتزلة. لقد نقل عن الحاخامات في التلمود أنهم يدرسون أن التوراة المكتوبة بنار سوداء على نار بيضاء قد سبقت وجود العالم بألفي سنة40.
ومال فلاسفة العصور الوسطى إلى عدم الموافقة مع فكرة أزلية التوراة أي أنها لم تخلق، ولكن الخلاف مستمر منذ قرون. وظل هذا البرهان، مثل معظم الخلافات الدينية في اليهودية، دائما أكاديميا دون إنزال أية عواقب ضد من يتخذ أي من الموقفين.
ولقد استمر الجدال داخل الطائفة اليهودية حول طبيعة التوراة منذ بداية العصر الحديث. كانت النظرة التقليدية مفادها أن الله أعطى التوراة للشعب اليهودي على جبل سيناء وأن بقية الكتاب المقدس منزل أو من وحي الله وأن جذور التوراة الشفهية، إن لم يكن كلها هي أيضا من مصدر التنزيل الأصلي على جبل سيناء. ولقد تطورت آراء أخرى منـذ بداية العصر الحديث. فبعض اليهود لا يعتبر إلا الحومش (الأسفار الخمسة الأولى من التوراة) إلهية، ويعتبرون بقية أجزاء التوراة كأعمال بني الإنسان وجدت بسبب حبهم لله ومن اهتمامهم بطاعة الإرادة الإلهية.
لا يعتبر الآخرون إي جزء من التوراة كتنزيل مباشر، ومن عند الله دون تغيير، ويرونه بدلا من ذلك كمحاولات إنسانية لفهم إرادة الله في التأريخ والعمل على ضوئها. لقد تجادل اليهود كثيرا حول هذين الموقفين بانفعال وقوة، في بعض الأحيان. ولكن، بالرغم من الرأي الشخصي حول طبيعة وألوهية التوراة، وحتى في الأوقات التي تطغى فيها الشتائم والغضب على مناقشة هادئة وجدال منطقي فإنه نادرا ما يصل اليهود إلى تبادل الكلمات، أو أنهم حاولوا طرد أي واحد من الطائفة اليهودية بسبب آرائه. وتكمن القيمة الثقافية العامة للديانة اليهودية في الدفاع بالقوة عن الآراء الشخصية.
ولكن دون محاولة فرض المعتقد. وفي النهاية فإن الله سيحدد مصير الشخص في هذا العالم وفي العالم القادم، وسيعتمد هذا المصيرعلى أفعال الشخص بدلا من آرائه.

  
  
شارك